الاثنين، 20 مايو، 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 16


- 16 -

الختم المجذوب حينما يؤتى القطبية يتقلّبُ في الأضداد، ويسري في الأكوان في ليله وجذبه، فيكونُ ظاهرهُ غير سالك وغير مؤثّت، وباطنُه موصولٌ بالله تعالى، بل باطنُه حضرة الله سبحانه. وتلك هي ثنائيّته الظاهرة الباطنة : فباطنه وليّ ساجدٌ لله سبحانه، وظاهرُه يتقلّبُ في الأحوال والقوالب الخلقية المختلفة، ويجمعُ في تلك القوالب صورة الأضداد، كما صحّ للذات الساذج الذي تلوّنَ بالأضداد والمراتب الخلقية والحقيّة.
فما ثمّ إلاّ هو، لا إله إلاّ هو سبحانه ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة البقرة
لذلك كان مكتوماً، لا يزالُ المنكرون عليه حتّى ممّن ينتمون لهذا الطريق الأقدس، وهم لم يطووا أكوانهم ولم يبلغوا رتبة العلم بالله ويشهدوا الحقائق، فلا يعرفون سرّ هذا العبد المكتوم، ويعرفه أصحاب الوصول وهم يسبّحون الله ويقدّسونه سبحانك لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا إنّك العليم الحكيم. فيشهدونَ بأمّ أعينهم وبعين اليقين كيف صحّ لهذا المجذوب صورة الأصل الجامعة، ولم يكن ذلك لغيره. فتزدادُ حيرتهم في الله سبحانه، كيفَ ظهرَ وبطن، وكيف حيّرَ وبهتَ في كلّ شيءٍ، بينما يتعالى الأدعياء والأوصياءُ يفتنُهم إقامة هذا المجذوب في ظاهره المتقلّب المتضاد بين أحوال الصّادقين ظاهراً تارةً وأحوال المقصّرين والغافلين تارةً أخرى، وبين ثباته وخوضه في علوم الأحوال والحياة، وينطقُ بالحكمة في كلّ مرتبةٍ ينزلُها فيرمي ببعض أسرارها إذا تكلّمَ فيها، وهو لا يشعرُ بذلك، ولا يملكُ ذلك اليقين بكونِ علمه هو العلم الأصليّ، وخواطره هي الخواطرُ النّابعة من النّبع. وأنّى يُدركُ ذلك، وهذا العلمُ ما عاد به إلاّ المتفرّدون السّابقون، حتّى يتقدّمَ في سلوكه وهو على حاله وفي خلواته ثابت لا يتزحزح، فينطقُ بعلم الأكابر، ويُفتحُ عليه فتوحٌ في العلم بالله وشهود المراتب وذوقها كما هي عليه، وهو غير مشاهد وفي نفس الوقت هو المشاهد، فذلك هو الدرّة المتفرّدة، والياقوتة الحمراء التي لا نظير لها الجامع بين الأضداد، المهدي عليه السلام في جذبه ورحلته إلى الكمال. فمن أعظم ما يُعانيه الإنكارُ عليه كما قال الشيخ الأكبر، فسرّه في قلبه يمدّه بالثبات واليقين، ومن حوله لا يزالون في إنكارٍ وراء إنكارٍ، ولكنّه الثابتُ من حيث المُعاني من إنكار المنكرين واعتراض المعترضين، الواقف على هداية الله له كما تعهّده ابتداءً يتساءلُ لماذا انقطع مدد الله له، وفي ذاتِ الوقت ثابت على عهده مع الله، والله سبحانه يهديه في سرّه ويسري به في قوالب الأضداد والمراتب الخلقية والحقية، وباطنه مستورٌ عن الجميع إلاّ أهل البصيرة العليا، أصحاب العلم بالله، يشهدونه ختماً، أنموذجاً فريداً باهراً، يشهدونَ حجّة الله له عليهم وعلى جميع الأنبياء والأولياء بتلك الصورة وذلك الإسراء في ليله، وتلك الثنائية المتضاربة بين الكمال واللاّكمال، بين العلم والجهل، بين الثبات والحيرة، بين الجمال والجلال، بين الشهود واللاّشهود.

هذه الأوصاف منعوتةٌ في كتاب الله تعالى وفي حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تصفُ المهدي عليه السلام، ولكن لا يُدركُ ذلك ويعلمُه سوى أهل العلم بالله.

أمّا إسراؤهُ ليلاً فقد قال الله تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} الإسراء -1
فسورة الإسراء في الحقيقة مخصوصة بالمهدي في آخر الزمان، فهو صاحبُ الإسراء حقّاً، والمواطئ للمهدي في الإسراء هو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فالنبيّ سرى ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى نبوّةً، وكان المهدي مواطئاً له في هذا الإسراء. والأصلُ أنّ صاحب الإسراء هو المهدي، هو الذي يسري من المسجد الحرام (القلب) إلى المسجد الأقصى (الروح) ليلاً وهو في جذبه وتركيبه العنصري، وهو في خلواته.

فصاحب الجسم الإسرائيليّ هو الإمام المهدي عليه السلام، قال صلّى الله عليه وسلّم (المهدي رجل من ولدي لونه لون عربي وجسمه جسم إسرائيلي على خده الأيمن خال كأنه كوكب دري)
نعم جسم المهدي إسرائيليّ، ولا يعني ذلك كما يظنّ البعض جسمه جسم بني إسرائيل، بل تعني جسمه وعرشه إسرائيلي من معنى كلمة إسرائيل المركّبة من كلمتي : إسراء، إيل : الإسراء معروف والسريان ليلاً، إيل : هي إسم الله سبحانه، والمعنى أنّه الراحل والمهاجر إلى الله سرّا وليلاً دون علم المخلوقات، هكذا قال بعض أهل العلم، ولم يشطط ولم يغلط، بل هي الحقيقة كما جاءت الآية الكريمة وكما هي سيرة المهدي عليه السلام، وما كانت أوصافُ الإمام المهدي عبثاً، وسنقفُ على تلك الأوصاف من كونه أيمن الخدّ وأقنى الأنف وأجلى الجبهة لتعلمَ أنّها صفاتٌ تميّز المهدي بالإمامة العليا والسيادة الكبرى. فهي أوصافٌ في غاية التمييز والعلامات التي تشهدُ للمهدي بإمامته ولم تكن أبداً عبثاً.

فقلنا فكلمة إسرائيليّ الجسم، أي أنّه صاحب سورة الإسراء وآية الإسراء الذي يسري إلى الله ويهاجر إليه دون علم المخلوقات، وفي ذلك شهادةٌ أنّه صاحب الذات، وصاحبُ الولاية بالأصالة، ولايته لله غير منقطعة حيث سرى وحيث ظهر بالقوالب المتضادة الخلقية والصفاتية، فكلّ شيءٍ يشهدُ لهذا الوليّ أنّه وليّ لله تعالى. فهو الوليّ الختم صاحب لواء الذات. والذات الساذج المتقلّبُ في الألوان والمتلوّن بالأحوال.

وسوف تقِفُ على ذلك في قصيدة الشيخ الأكبر في مقدّمة الفتوحات التي كتبها حول الختم العليّ، وهي من أجمل القصائد في التعريف بهذا الختم ورتبته وحقيقته، ولكن كتبها كعادة الشيخ الأكبر بفصاحةٍ معجزةٍ كتمً فيها مرتبة الختم من حيث صرّح تصريحاً.

يقول رضوان الله عليه :

ومتى وقعتَ على مفتِّش حكمةٍ... مستُورةٍ في الغضّة الحوراء
مُتحيّرٍ مُتشوّفٍ قلنا له... يا طالب الأسرار في الإسراءِ
أسرِعْ فقد ظفِرَتْ يداك بجامِعٍ... لحقائق الأموات والأحياء

فانظرْ لهذه الأبيات وهي في بدايات القصيدة، وسوف نضعُ بعض أبياتها إن شاء الله في وصفِ الختمِ، فيقول للباحث عن صاحب الحكمة، وللمتحيّر المتشوّف، وطالب الأسرار في الإسراء، إذا وصلتَ إلى معرفة سرّ الإسراء، فاسرِعْ فقد ظفرَتَ بدرّة الأسرار وصاحب الإسراء الجامع لحقائق الأموات والأحياء .. الخ من أبيات القصيدة العذبة الرائعة.

والنبوّة ذكرَتْ هذا الإسراء خاصّاً بالمهدي عليه السلام في قوله صلّى الله عليه وسلّم :
((المهدي منّا أهل البيت، يصلحه الله في ليْلَةٍ)) حديث صحيح. والمهدي يصلحه الله في ليلة، وهي ليلته الخاصّة به في السّلوك إلى الله تعالى، ليلة الفناء والبقاء بالله، كما هي ليلة كلّ عارفٍ سالك إلى الله، إلى حيث يقعُ النّزول، نزول الحقّ تعالى بقوله صلّى الله عليه وسلّم (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فينادي فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) رواه البخاري ومسلم.
كلّ ليلة أي ليلة كلّ عارفٍ، فهو نزول محق صفات العبد بصفات الربّ سبحانه والتحقّق بمقام البقاء، لذلك كان يقعُ في الثلث الأخير من اللّيل، فثلث للفناء وثلث للعودة من الفناء وثلث للبقاء، حيث لا يتمّ البقاء بالله إلاّ بتمام التحقّق بصفاته سبحانه، ففي نهاية التحقّق يحدث البقاء به.
وفي رواية
(إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيقول : هل من سائل يعطى ، هل من داع يستجاب له ، هل من مستغفر يغفر له ، حتى ينفجر الصبح)

وفي رواية شطر الليلِ وهو شطر الفناء وشطر البقاء كما هو حال المهدي عليه السلام السّاري إلى الله في فنائه إلى ربّه والسّالك في جذبه. وهؤلاء أهل الشطر هم أهلُ الخلافة الكبرى، وعلى رأسهم الخليفة الذاتيّ المهدي الذي يصلحه الله في ليلةٍ التي تعني معناها الظاهر كذلك. فيحدثُ له الانقلاب الكلّي الكامل في ليلة ولحظة. ليلة الإصلاح والعروج الذاتيّ، لأنّ أحكام سلوكه ذاتية كما ذكرنا، فهو صاحب الجسم الإسرائيليّ المتفرّد. ويقعُ له العروج الذاتيّ مواطأة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ويهبُه الله عرشاً جديداً حينها.

وفي رواية أخرى في حديث المهدي جاءت
بلفظة ليلِه ((المهدي منّا أهل البيت، يصلحه الله في لَيْلِهِ))

وهي رواية تتّفقُ تماماً مع إسراء المهدي في ليله لرحلة صلاحه وكماله، فهو سارٍ في ليله ليصلحه ربّه من حيث لا يدري النّاس، ولا تدري المخلوقات، ولا يدري الدجّالُ المتربّص به وشياطينه. بتلك الذاتية والصّلة بالله التامّة والجسم الإسرائيليّ المتفرّد الذي لا يملكُه غيرُه.

يتبع ..