الاثنين، 20 مايو 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 10

- 10 -

فإذا فهمتَ هذا الذي قلناهُ عن رتبة الرّحمانية التي هي أعلى رتب الوجود، باعتبار البقاء بالله سبحانه وشهود الحضرة الأسمائية من مقام السرّ، باعتبار مقام البرزخية بين الأسماء والصّفات وبين الذات. بين المحمديّة والأحمدية.

فالمحمديّة هي الوجهة للخلق والحضرة الواحدية من مقام السرّ عند نزوال الرّوح في القلب.

والأحمدية هي الوجهة للحقّ سبحانه بشهود الحضرة الأحدية وسرّ الذات.

وبهذا الاعتبار تفهمُ اصطلاح الصوفية بقولهم الجمع في قلبه، والفرق في لسانه وأفعاله.

فإذا فهمتَ هذا، علمتَ أنّ جميع الخلفاء من افراد بني آدم ما حقّقوا هذه البرزخية والجمع والفرق وشرائط الولاية إلاّ ببلوغ هذا الرتبة الرّحمانية والبقاء به سبحانه. والتحقّق بالأخلاق الإلهية. فافهم.

فإذا فهمت هذه النّقطة على النّحو الذي ذكرناه، عرفتَ أنّ الختم الوليّ كان وليّاً بالأصالة، قبل بلوغ تلك الرّتبة المذكورة. فهو وليّ سرّهُ وباطنه متوجّه لله تعالى سبحانه.

وليّ بالميلاد، وليّ قبل كماله، الكمال المعروف بشرائطه وأخلاقه.

يتحقّق بجميع المراتب الخلقية، فيجمع بين الظاهر والباطن. بطونه الحقّ تعالى، وظاهره المراتب الخلقية والحقية جميعها.

وذلك يكونُ خلال جذبه وقبل بلوغه الكمال وقبل بيعته بين الرّكن والمقام.

فتشهدُ له سيرته ورحلته نحو الكمال المتفرّدة مطلقاً، أنّه الوليّ الذي ظهرَ بالأضداد التي تجلّت من حضرة السر والذات. والوليّ الذي ظهر بالمراتب الخلقية بسرّه المتوحّد، له جهة واحدة يتقلّبُ في الأحوال والأضداد والخلع الخلقية. كما هو الأصل الذي تجلّت منه الحضرة الأسمائية، فافهم.

والأصلُ الذي تجلّت منه الحضرة الأسمائية ثمّ تجلّى به الخلق هو الحقّ سبحانه. فافهم.

فهذا معنى خاتم الولاية بكلّ بساطة، وهذا هو معنى الخليفة، فهو الخليفة عن الحقّ سبحانه. يتلوّنُ بالأضداد والمراتب الخلقية والحقية كما تلوّن الذات السّاذج.

فتشهدُ له هذه الصورة بالعلامة وأنّه صاحب الذات الساذج الذي تجلّت منه الحقائق الخلقية والحقية.


فهو في كلّ مرتبة، وفي كلّ حال، وفي كلّ واد قبل كماله، له جهةٌ واحدة هي الحالُ الذي يظهرُ به، صادقٌ متوحّد، يتلوّنُ بأنوار الطبّاع وأحوال الخلائق، تجذبُه المواطنُ موطناً موطناً، حتّى يستوفيها كلّها.

فهذا هو سرّ الختم المجذوب، وهو سرّ الإسم الأعظم، وسرّ الذات. لذلك سمّي المهدي فهو مهدي بسرّه المتفرّد.

لغته غير لغة الخلق، ومحلّه إذن غير محلّهم، بهذا التصريح، وليس ذلك لغيره.

يطوي الأكوان بقائم أحديّته وسرّ ذاته، فهو الذاتيّ وهو جامع الأضداد. يجمعُ بين الكمال واللاّكمال.

يجمعُ بين العلم والجهل، والشهود واللاّشهود، والجمال والجلال، والأضداد التي تجلّت من الاصل. وهو عينُ الأصل بسرّه وقائم أحديّته. فافهم.

ولدينا هنا فيوضٌ حول هذا المجذوب، لنشرحَ لك حقائقه، ولماذا تظهرُ حضرة الدجّال، ولا يتصدّى له إلاّ الخليفة بسرّه.

ولدينا نقولٌ من الأكابر المحقّقين لتفهمَ أنّ هذا الذي نقوله هو التحقيق، ولا عليك من المنكرين والمقلّدين.

فهنا حضرة العلم والتحقيق بإذن الله تعالى.

ومن يقف على ما نقوله يعلم علم اليقين ما نقوله وما نبديه من مقام هذا الخليفة والختم.

وسرّ هذا المجذوب المكتوم الذي عليه يدورُ فلكُ الكمال.

فانظُر رحمك الله تعالى إلى هذا الفرد المتفرّد، هذا الوليّ بالأصالة الذي يظهرُ بالأضداد، ويظهرُ بالحقائق الخلقية، كما هو الذات السّاذج الذي هو اصلُ كلّ مخلوقٍ وأثرٍ تجلّى، فيستوفي الحضرة الأسمائية وهو في جذبه قبل كماله، باطنُه الله وظاهرهُ الأحوال المتقلّبة والتقلّبات المتنوّعة، فيظهرُ بعلم الأكابر وعلم الحضرات الوجودية التي لا يمكنُ أن يعلمها العالمُ إلاّ شهوداً وذوقاً وعند تحقيق شرائط الولاية وتنزّلِ اسم العليم، وهذا المجذوبُ يعلمُها بسرّه الذاتيّ ويستشرفُها أصالةً وهو في جذبه وفي تركيبه العنصريّ. فهو عالمٌ من وجهٍ من حيث استيفائه مرّةً بعد مرّةً لمشاهد الطّريق وهو جاهلٌ من جهة التفصيل، وهو شاهدٌ للتفاصيل من حيث هو غير مُشاهدٍ.

لذلك لا يصعبُ عليه فهمُ الحقائق وذوقها على ما هي عليه، لأنّه يستمدّ مادة علمه من الله مباشرةً، فعلمُه من النّبع والأصل، مادّة علمه من الرّوح الأعظم الذي يستمدُّ منه أهل الكمال.

يتقلّبُ في تلك الأطوار والأدوار من غير علمٍ منه، وهنا ننقلُ كلام الشيخ الأكبر من الفصوص لتعلمَ أنّ هذا تحقيق :

قال الشيخ الاكبر قدس سره في فص في كلمة شيثية من كتاب "الفصوص":
(وهذا العلم كان علم شيث عليه السلام وروحه هو الممدّ لكل من يتكلّم فيه مثل هذا من الأرواح ما عدا الخاتم فإنّه لا يأتيه المادة إلاّ من الله لا من روح من الأرواح، بل من روحه تكون المادة لجميع الأرواح وإن كان لا يعقل ذلك من نفسه في زمان تركيب جسده العنصري. فهو من حيث حقيقته ورتبته عالم بذلك كله بعينه، من حيث ما هو جاهل به من جهة تركيبه العنصري. فهو العالم الجاهل، فيقبل الاتّصاف بالاضداد كما قبِلَ الأصلُ بذلك، كالجليل والجميل، وكالظاهر والباطن والأول والآخر وهو عينه ليس غير. فيعلم ولا يعلم، ويدري ولا يدري، ويشهد ولا يشهد.) انتهى

وانظر لذلك الكلام النّفيس في وصف الخاتم وهو في زمن تركيبه العنصريّ وقبل انسلاخه من مظاهر البشريّة والعنصرية، الخاتم وهو في جذبه. فهو الأصلُ الذي يتقلّبُ في الأضداد. والأصلُ الذي يتقلّبُ في الأضداد، هي الذات التي تجلّت منها حضرة الأسماء، فافهم. فهو عينُه الاصل كما قال الشيخ الأكبر.

وفي هذا الكمال العلميّ، ما يُعلمُك أنّه مهديّ العقل، فالمهدي في رحلة جذبه هو سالكٌ لله تعالى، من حيث هو واقفٌ منفردٌ في خلواته وعزلته وفرديّته. لأنّ المواطن والمشاهد يطويها بلا تكلّفٍ منه، فهو يتقلّبُ في جميع الحضرات، ويرتقي في المشاهد من حيث تقلّبه في جميع الذوات، لأنّ سرّه هو سرّ كلّ ذات، وسرّ كلّ مخلوق. فهو سالكٌ إلى الله تعالى من حيث لا يدري أحد.

وهذا الكلامُ قد أشارتْ إليه النبوّة في وصف المهدي عليه السلام، ولا يعرفُ حقائق المهدي إلاّ أهل العلم بالله تعالى. وأنّ أوصافه في الأحاديث النبويّة تُعلنُ صريحاً بعد كشفِ النّقابِ عنها أنّه صاحبُ الذات.

يتبع ...

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 9



- 9 -


فقلنا الخليفة هو حقيقة جميع الاطوار الإنسانية المتقلّبة في الأصلاب، وأهمّ من ذلك هو حقيقة الإنسان الكامل الذي به قامَ الوجود، فهو الرّوح والرّوح هو عين الوجود، والذات تجلّت من هويّتها في الرّوح كما ذكرنا. فما ظهر الله بذاته إلاّ في هذا الرّوح الأعظم المسمّى أمرُ الله والمسمّى الحقّ المخلوق به، وهو روحُ النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وسلّم.
قال الله تعالى {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} الشورى 52

فالله تعالى يقولُ لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم قد أوحينا عليك روحاً ووجهاً كاملاً من أمرِنا،وجهاً كاملاً من الرّوح الأعظم المسمّى أمرُ الله ، والروح الأعظم أمرُ الله هو عينُه الخليفة المهدي ألا ترى أنّ أهل الله وأهل العلم والسّلف سمّوا المهدي القائم بأمر الله، لتفهمَ حقيقة هذه التسمية.


فما روح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وروح جميع أهل الكمال سوى هذا الرّوح الأعظم.
وقد سبقَ أن ذكرنا لك لتفهمَ أنّ الإنسان سرّهُ أعلى من الرّوح، لأنّ سرّ الإنسان الكامل هو الأحدية، فصحّ للإنسان الكامل شهود الرّوح الأعظم، وذلك بالقلب ونزوله فيه.

ألا ترى قول الله تعالى لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم في معنى نزول القرآن :
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) الشعراء.

فبالقلب نال الإنسان الكامل هذه المرتبة العليا فوق الرّوح، وهذه الآخرية، وهذا السرّ، قال صلّى الله عليه وسلّم
(ما وسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن) فتأمّل هذه الحقائق.

فالحقّ تعالى وسعه قلب عبده المؤمن، وتأويل هذا الحديث أنّ الرّوح الذي هو روح الله تعالى وتجليّاته الأسمائية المسمّى الحق المخلوق به والذي ظهر الله فيه بذاته لم يسعه الأرض والسمّاء ولم يسعه شيء، ولكن وسعه قلب العبد المؤمن الكامل، حين يتحقّق بالكمال ويفنى في الذات وفي مرحلة البقاء بالله يتنزّلُ الرّوح الأعظم في قلب العبد، وهذه هي حقيقة العروج الذاتيّ. فافهم.

ولو تأمّلتَ هذا الشرح والمعاني ، لفهمت بدايات سورة النّجم، وكيف رأى النبيّ الأعظم صلوات الله وسلامه عليه الحقّ تعالى، الذي هو الرّوح الأعظم رآهُ عند سدرة المنتهى في الأفق الأعلى، وقد دنا الرّوح فتدلّى فكان قاب قوسين : وهي الدائرة الوجودية المتشكّلة من القوسين الاعتباريين المتحاذيين المنفصلين بوتر القوسين، انفصال اعتباري، لتمييز قوس الحقيّة قوس الرّوح واللّطافة، وقوس الخلق والكثافة. فكان الرّوح الأعظم هو عين الحقّ والخلق، والخلق تجليّات الحقّ سبحانه ، ثمّ قوله تعالى "أو أدنى" عند ارتفاع الخط الفاصل بين القوسين رؤية الرّوح الأعظم ، ورؤية سرّه، وسرّ ذاته وهي الحضرة الأحدية.
{ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10)} النجم.

فـبالقلب صحّت للإنسان الصورة والمثلية والشهود لحضرات الوجود، والفناء في الذات وسرّ الذات.
وهذه حقائق عاليات ولكن في ذات الوقتِ علينا أن نفهمَ أنّ كنه الذات وسرّ الذات يبقى غيب غير مدرك، لا يُدركه مخلوق، فهذا النزول في القلب هو نزول عالم الأسماء والصّفات، نزول الرّوح الأعظم الذي ظهر الله فيه بذاته، أمّا كنه الذات فهي السرّ المتكنز والغيب الذي لا يدرك أبداً.

فما صحّ للمخلوق إلاّ صورة علمه بالله تعالى، ولذلك كان سيّد الأوّلين والآخرين هو النبيّ صلّى الله عليه وسلم وكان خاتم الحضرة الأسمائية الصفاتية، فتسمّى الرّوح الأعظم به للدّلالة أنّ هذا الرّوح سرّه وكنهه هو الغيب المطلق هو كنه الله تعالى الخالق المتجلّي سبحانه، فتسمّى الروح الأعظم في اصطلاح الصوفية بالحقيقة المحمديّة. لأنّه بقول الله تعالى قد خصّه الله تعالى بوجه كامل من هذا الرّوح، بل نزل على قلبه ووسعه قلبُ حبيبه ومصطفاه صلّى الله عليه وسلّم سعةً غايةً في الكمال والوسع لا يُدركها كامل وليّ أو نبيّ غير الختم والخليفة الذي هو عينُ الرّوح الأعظم أمر الله وهو ذاتُ هذا الرّوح وكنهه. فافهم.

وكذا بتصريح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال صلّى الله عليه وسلّم
(أول ما خلق الله روح نبيك يا جابر)

فالرّوح الأعظم هو روح أهل الكمال، وعلى رأسهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الذي جعله الله تعالى أوّل العابدين، وأوّل المتحقّقين، ما من كمالٍ يفيضُ على الوجود إلاّ وهو يفيضُ منه صلّى الله عليه وسلّم.

فقد ذكرنا أنّ اسم الرّحمن هو الإسم الثاني بعد اسم الذات، وبه خلق الله الأكوان، وإنّما خلق المخلوقات ليرحمها بالوجود من العدم، فما تجلّى الله تعالى إلاّ بالرّحمة، لذلك سبقت رحمته كلّ شيء سبحانه، فكان رسوله للعالمين الذي لولاه ما خلق الوجود وفطرهم من العدم، هو الرحمة المهداة خليفة اسم الرّحمن الذي كان اسماً واسطةً بين الذات والصّفات، لأنّ الأسماء تفرّعت من حضرة الذات بواسطة اسم الرحمن. فافهم لتفهم مرتبة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم العظمى وسرّ قول الله تعالى خلقتُ الخلق من أجلك. أي خلق الله الخلق ليرحمهم سبحانه.

فما ثمّ في الوجود سواه وحده لا شريك له.

وهذه الرّحمة تتجلّى بالوجود بالله تعالى، وهي مقام النبوّة مقام البقاء الذاتيّ بالله تعالى، فكانَت الرّحمة المقتضاة للوجود وللنّاس عامّة هي هذا التجلّي الذاتيّ والرجوع من العدم والعدم النّسبيّ بعد الخلق إلى الوجود بالله تعالى في تجلّي اسم الله تعالى، فيرتفع الشّقاء مطلقاً، ما من مخلوقٍ يتجلّى الله عليه فيبقى بوجود الله سبحانه، فهناك لا مقام للشّقاء والنّصب والعذاب.

ولهذا قال سبحانه في الحديث القدسي : "لولاك يا محمّد ما خلقتُ الأفلاك."

إنّما خلقتهم لأرحمهم من عدمهم إلى وجودي، فإنّ حقيقة العذاب والشّقاء والمعاناة ناشئةٌ من العدم، فالممكن المخلوق له وجهتين، لهذا سمّي ممكناً ممكن العدم وممكن الوجود، له وجه للعدم الذي هي حقيقته وله وجه للوجود الذي قامَ به وذاقَ الحياة والتجليّات، فإذا التفتَ إلى وجه عدمِهِ اكتنفَهُ الشعورُ بالشّقاء والحرمان والنّصب والعذاب، وإذا التفتَ إلى وجوده الذي هو الوجود الحقيقيّ، وهو وجود الأحد الواحد سبحانه تتنسّمُ عليه نسائمُ الرّضا والبرد والسّلام والراحة. فهناك وقع الشّقاءُ والنّعيمُ، والسّخطُ والرّضا.

ذكر هذه اللّفتة العالية الشيخ الأكبر في الفتوحات، وهي خلاصة العلم بالرّحمة وحقيقة الرّحمة، وحقيقة النبيّ الرسول صلى الله عليه وسلّم المبعوث رحمة للعالمين، وانظر في كلام الله تعالى "وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين"

  العالمين : جميع العوالم الخلقية والكونية كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مبعوثاً رحمةً لها، في مقام الواحدية. ليرفع الممكن إلى مقام الوجود بالموجود واجب الوجود سبحانه في مقام الرّحمانية والواحدية.

فغاية الكمال وغاية الوجود به سبحانه هو مقام الرّحمانية. ولا تكونُ موجوداً به سبحانه إلاّ نزل الرّوح الأعظم قلبك، لتشهد الحق.

وهنا علم وتحقيق يُفتحُ لك إذا فهمت هذا الذي ذكرناهُ عن الرّحمة وسرّها.

يتبع ...

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 8



- 8 -


أمّا الحديث عن الصورة التي صحّت بها للمهدي العلامة والإمامة. فذلك حديث آخر باهر.

شيءٌ خارقٌ هيهات هيهات أن يدركه غيرُ أهله، ولكنّنا تكلّمنا عنه في محافل كثيرة سابقة وفصّلنا تفصيلاً باهراً.

وكلّما أدركتَ الحقائق العاليات وأذواقها، بهرَكَ هذا المجذوب، بهركَ لما فيه من إعجاز من الله تعالى الذي أخفى الحقائق وكتمها كما كتم هذا المجذوب، وهو قطب الكمال والحقائق ، فسبحان الظاهر الباطن الذي أعجز حتّى حيّر وبهر.

والكلامُ عن المجذوب برهانٌ وعلامة على خلافة الخليفة الإلهية والذاتية التي كنّا التي نتكلّمُ عنها.

وههنا خواطر وخواطر تتظافر وتتزاحمُ من أينَ نبدأ حديثنا الممتع المتفرّد الضاربِ في العمق حقائقاً، والجانح في الإفشاء والتصريح في عالم الظهور والفرق، المُحلّقُ بجناحي التسليم والذوق، النّاطقٌ بصدقٍ وراء الصّدق.

خاتم الأولياء أوّل علاماته أنّه الوليّ بالأصالة، كان وليّاً وآدم منجدل بين الماء والطين. وهذا الكلامُ ليس إنشائياً كمالياً ، قد يبدو ذلك لمن لا يفهمُ المقصود منه، فالوليّ الخاتم كان وليّا قبل ولاية جميع الأولياء. كان وليّا وآدم منجدل بين الماء والطين.

فجميع الأولياء ما حصّلوا الولاية إلاّ بتحقيق شرائطها، جميع الأولياء بما فيهم الأنبياء عليهم السلام. فافهم هذا الكلام.

حتّى نبيّ الأنبياء كان نبيّاً وآدم بين الماء والطين، نبيّاً بالأصالة ولكنّه ما حصّل مقام الولاية الكاملة إلاّ بعد تحصيل شرائطها بشهود حضرة الأحدية عند العروج الذاتيّ.

لا وليّ بالأصالة سوى الله سبحانه {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} الشورى28

فافهم هذا الكلام النّفيس المحقّق، فلا وليّ سوى الله تعالى، وما عداهُ وليّ بالنيّابة والتجلّي عليه من الوليّ الحميد.

لتفهمَ أنّ الولاية لها الأصلُ، وأنّ خاتم الولاية كان صاحب الذات وخليفة إسم الله، وصاحب الإسم الأعظم أصالةً.

ومن مشكاته يشهدُ جميع الأولياء والأنبياء ما يشهدونه من فيوض حضرة القدس.

ولننقل هنا كلام الشيخ الأكبر من الفصوص (...و ليس هذا العلم الا لخاتم الرّسل و خاتم الأولياء ، وما يراه أحد من الأنبياء و الرسل الّا من مشكاة الرسول الخاتم ، و لا يراه أحد من الاولياء الّا من مشكاة الولي الخاتم ، حتى إنّ الرسل لا يرونه -متى رأوه - إلّا من مشكاة خاتم الاولياء ، فكيف من دونهم من الأولياء ؟) انتهى

ويقول الشيخ الأكبر :
(ولمّا مثل للنبي صلى الله عليه وسلم النبوة بالحائط من اللبن و قد كمل سوى بضع لبنة ، فكان صلى الله عليه وسلم تلك اللبنة . غير انه صلى الله عليه و سلم لا يراها كما قال سوى لبنة واحدة . أمّا خاتم الأولياء لا بد له من هذه الرؤيا ، فيرى ما مثله به رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و يرى في الحائط موضع لبنتين ، و اللبن من ذهب و فضة ، فيرى اللبنتين اللتين تنقص الحائط عنهما و تكمل بهما ، لبنة ذهب و لبنة فضة ، فلا بد ان يرى نفسه تنطبع في موضع هاتيك اللبنتين ، فيكون خاتم الاولياء تلك اللبنتين . فيكمل الحائط . والسبب الموحب لكونه رآها لبنتين انه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر وهو موضع تلك اللبنة الفضة ، و هو ظاهرها و ما يتعبه فيه من الاحكام ، كما هو آخذ عن الله في السر ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه ، لانه يرى الامر على ما هو عليه ، فلا بد ان يراه هكذا وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن ، فانه أخذ أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به الى الرسول . فإن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع بكل شيء.) اه

فانظر مقام الولاية، فإنّها لبنة الباطن، فلبنة الظاهر اسم الرّحمن في حضرة الواحدية ، ولبنة الباطن هي الإسم الأعظم. وخاتم الولاية لهُ هذه اللّبنيتن بالأصالة، فبه يشهدُ من يشهدُ من الأولياء لبنة الباطن الذهبية : وهي لبنة الإسم الأعظم الله. فافهم.

فالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم شهد لبنة الباطن اللبنة الذهبية، ولكنّه شهدها بمشكاة خاتم الولاية، وليست لبنته بالأصالة. فالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم عرج الى الذات، وتحقّق بالإسم الأعظم في مقام (ورأى من آيات ربّه الكبرى) ، ولكن بواسطة الختم الخليفة. أمّا لبنة الفضة وهي لبنة الرّحمانية والظاهر والأخلاق الإلهية والكمالات العليا ومقام الصّفات فهي للنّبي صلّى الله عليه وسلّم بالأصالة لذلك كان مظهر الذات، وصاحب الكمالات وكان المسمّى الإنسان الكامل وما من كمالٍ تجلّى به الله على الوجود إلاّ وهو مفاضٌ بواسطة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وما من أحمديّة يتحقّق بها الأولياء إلاّ وهي للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، لأنّهم ورثة له في مقام الختام، وهو القاسم لما أعطى الله تعالى. ولكنّ المعطي وصاحب الذات وصاحب اللبنة الذهبية ولبنة الذات وصاحب السرّ الذاتي والإسم الأعظم هو الخليفة وخاتم الولاية.

ألا ترى أنّ الشيخ الأكبر صرّح في الفتوحات بشهود اللبنة الذهبية والفضيّة ؟ وكذلك يشهدها كلّ وليّ محقّق حاز مقام القربة والخلافة الأسمائية. وهي أعلى التحقّقات ولكنّهم يشهدونها بمشكاة خاتم الولاية. وهو مقام العروج الذاتي الى سرّ الذات. فالنبيّ صلّى عليه وسلّم شهد اللبنة الذهبية، أمّا الفضيّة فهي مذكورة في الحديث الشريف وهي خاصة به، وهي لبنة النبوّة وهو خاتم النبوّة والنبيّ بالأصالة وهي لبنة الظاهر ولبنة حضرة الواحدية.
أمّا اللبنة الذهبية فهي لبنة الباطن ولبنة الولاية ولبنة الأحمدية ولبنة الإسم الأعظم ولبنة الذات، لبنة حضرة الأحدية. فافهم.

لا إله إلاّ الله محمد رسول الله، فالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو رسول الله. تعالى الله عمّا يصفون ويشركون.

فصاحب الإسم الأعظم وخليفته في الأكوان هو الخليفة : خليفة الله. وهو عينُ الرّوح الأعظم المتجلّي من سرّ الذات.

فلا موجود إلاّ الله سبحانه، ولكنّها الأسماء تحقّقت بخلفائها، فكان خليفة الإسم الأ‘ظم هو المكتوم، لأنّه عينُ الوجود، وكان مطهّراً وخارجا عن الأكوان والصّفات، وكان خليفة إسم الرّحمن الجامع للأسماء والصّفات هو رسول الله.

فالرّحمن إسم ظاهره الرحمانية وهو أعلى مظاهر الواحدية في التحقّق بالكمالات الإلهية والصفات الربّانية، وباطنُ اسم الرحمن هو اسم الله سبحانه.

قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107)

فافهم هذا التحقيق.

قال الشيخ الأكبر رضي الله عنه في كتابه فصوص الحكم :
"وكذلك خاتم الاولياء كان وليا و آدم بين الطين و الماء ، و غيره من الأولياء ما كان وليّا إلّا بعد تحصيله شرائط الولاية من الأخلاق الالهية في الاتّصاف بها من كون الله تعالى تسمّى "بالوليّ الحميد" . فخاتم الرسل من حيث ولايته ، نسبته مع الخاتم للولاية نسبة الأنبياء والرّسل معه ، فإنّه الوليّ الرسول النبي." انتهى

فهذا الذي ذكرناه، فإنّ الأولياء ما حصّلوا الولاية وهي التحقّق بالإسم الأعظم إلاّ بعد تحصيل شرائطها.
ولا وليّ إلاّ الله فهو الوليّ الحميد، الوليّ بالأصالة، فخاتم الولاية هو كلّ المراتب هو الوليّ والرّسول والنبيّ.

فولاية خاتم الرّسل من ولاية خاتم الولاية. فافهم.

وقال الشيخ الكاشاني قدس الله سره في تفسيره الإشاري التأويلات في شرح سورة الشرح : ( فكيف يثبت خيراً وشرّاً ويأمر وينهى وهو لا يرى إلا الحق وحده فإذا ردّ إلى مقام النبوة عن مقام الولاية وحجب بحجاب القلب ثقل ذلك عليه وكاد أن يقصم ظهره لاحتجابه عن الشهود الذاتي حينئذ، فوهب التمكين في مقام البقاء حتى لم يحتجب بالكثرة عن الوحدة وشاهد الجمع في عين التفصيل) انتهى

وقال (({ فإنّ مع العسر } أي: الاحتجاب الأول بالخلق عن الحق { يسراً } وأيّ يسر هو كشف الذات ومقام الولاية { إنّ مع العسر } أي: الاحتجاب الثاني بالحق عن الخلق { يسراً } وأيّ يسر هو شرح الصدر بالوجود الموهوب الحقاني ومقام النبوة.)) انتهى

فانظر إلى تحقيق المحقّقين فمقام الذات والشهود الذاتيّ هو مقام الولاية، فلا وليّ إلاّ الله سبحانه.
ومقام النبوّة هو مقام الكمالات والأخلاق الإلهية ومقام البقاء بالله سبحانه.

فمقام الولاية هو مقام الفناء وكشف الذات مقام شهود الحقّ سبحانه.

فالخليفة الختم كما وصفه الشيخ الأكبر : "زال بختمه عن مرتبته".
لأنّه هو الوليّ الرسول النبيّ. هو حقيقة جميع المراتب، فهو صاحب الذات. هو الخليفة في الأرض.

زال بختمه لذلك ضرب عليه الكتمُ، وكانت النبوّة هي الواسطة إليه والحجاب دونه. والنبوّة هي مقام الكمالات العظمى فإنّه لا تكتملُ الحقائق إلا باجتماع الشهادتين : لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله.

الحقيقة والشريعة. ولا سبيلَ إلى الحقيقة إلاّ عن طريق الشريعة. والله تعبّدنا بالشرائع. وتعرّف إلينا بالحقائق.

فنهاية العبادة هي المعرفة، أو حقيقة العبادة هي المعرفة بالله تعالى.

وكذلك لا تكتملُ الشريعة إلاّ بالحقيقة. ولا تقومُ الحقيقة إلاّ بقالب الشريعة.

لذلك يُبعث خاتم الأولياء بشريعة خاتم الرّسل. فالعبودية والأحكام اكتملت بخاتم الرّسل.

وما كان الخاتم إلاّ الحاكم العادل المهيمن الخاتم لخزانة الجود الإلهيّ. إذا ظهر فقد أعلن عن زوال الدّنيا، وإقفال باب الولاية.

فانظر لولاهُ ما تحقّق وليّ، ولولاهُ ما قامت نبوّة نبيّ لأنّ الولاية هي الأصلُ في النبوّة، فالولاية هي الوجه الألهي للنبوّة. هي الأحمدية.

يتبع ....

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 7



- 7 -


لتفهمَ كيفَ كان الخليفة هو صاحب الرتبة الأصلية والسيادة المطلقة والإمامة العليا، فاعلم أنّ الذات تجلّت وظهرت في روحها، فالرّوح هو مظهر الذات، والرّوح الأعظم هو حقيقة كلّ المخلوقات والأكوان والتجليّات، والرّوح الأعظم تعيّن في الرّوح الأمين أمين الملائكة وسيّدهم في عالم الرّوح واللّطافة والأملاك وهو عينُه الروّح الأعظم، وهو روح أهل الكمال، وهو رسول الوحي لكلّ الرّسل والأنبياء.
الرّوح الأعظم هو روحُ الله تعالى الذي ظهر فيه بذاته وتجلّت فيه حضرة الواحدية، وهو الإمام المنبين والكتاب الذي أحصى الله فيه كلّ شيءٍ. ما من ملك أو مخلوق أو كائنٍ إلاّ وهو مخلوق من هذا الرّوح الأعظم ، المسمّى بالرّوح وهو سيّد المقرّبين وهو حقيقة الحقائق من وجه كونه روح الله تعالى فافهم. ومظهر تجليّات الله تعالى سبحانه. فافهم.

سرّ هذا الرّوح الأعظم هي حضرة الأحدية والذات، ثمّ تعيّن هذا الرّوح في عالم الكثافة والأجسام فكان الخليفة المهدي عليه السلام.

فهو عين الروح المتجلّي من الذات، والإنسان له مرتبة الآخرية في الأكوان من حيث كثافته بخلاف الروح الذي كانت له اللّطافة والتي توسّطت بين السرّ والكثافة. فسرّ الرّوح هو هو سرّ الخليفة المهدي. أي أنّ ذات هذا الرّوح الأعظم المتجلّي الذي ظهر الله فيه بذاته هي ذات الخليفة الخاتم. فسرّ الرّوح الأعظم يرجعُ إلى هذا الخاتم.

كما توقّفَ الرّوح عند سدرة المنتهى، ونفذ الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلّم إلى سرّ هذا الرّوح الأعظم. فالرّوح مرتبة متوسّطة في عالم الظهور ، فافهم والإنسانُ الكامل له الآخرية التي مكّنته من النّفاذ إلى سرّ هذا الرّوح الأعظم وشهود الحضرة الأحدية.

وهي ليست سوى ذات وسرّ هذا الرّوح الأعظم الذي ظهر الله فيه بذاته. فافهم هذا التحقيق والذوق العالي.

ولتتخيّلَ هذا الأمر ببساطة، تخيّلهُ في نفسك وذاتك، وانظر إلى خيالك على سعته ونفوذه فيما شئت من خيالٍ بلا حصرٍ وكلّه صادرٌ منك، من ذاتك، فذلك الخيال اعتبره روحك السّارية وهي مظهرُ تجليّات خيالاتك وأفكارك وخواطرك وما شئتَ، أمّا مردُّ تلك الخيالات والأفكار والخواطر والأطياف التي تدورُ عقلك وفكرك وذهنك فراجعةٌ لك في الحقيقة أنت، فافهم.

فهذا هو المثال ببساطة متناهية، ولله المثلُ الأعلى. فالرّوح هو مظهر تجليّات الذات، وسرّ هذا الرّوح هو حضرة الأحدية.
فكان هذا الرّوح هو عين المتجلّي وكان الخليفة هو عينُ هذا الرّوح، فهو ليس سوى صاحب الذات والسرّ المتجلّي.

وفي هذا قال الشيخ الأكبر في الفتوحات المكيّة :

{"إني جاعل في الأرض خليفة" يُؤمن به من كل خيفة، أعطاه التقليد، ومكّنه من الإقليد، فتحكّم به في القريب والبعيد، وجعله عينَ الوجود، وأكرمه بالسجود، فهو الرّوح المطهّر والإمام المدبِّر، شفّعَ الواحدَ عينه، وحكم بالكثرة كونَه، وإن كان كل جزء من العالم مثله في الدلالة ولكنّه ليس بظلّ فلهذا انفرد بالخلافة وتميز بالرسالة فشرّع ما شرع، وأتبَع واتّبع فهو واسطة العقد وحامل الأمانة والعهد}

فقد عيّن أنّ الخليفة هو الرّوح المطهّر والإمام المدبّر، وهو عين الوجود المتجلّي كما شرحنا لك، وهو واسطة العقد وحامل الأمانة والعهد.
ولولاهُ لما عرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى سرّ الذاتـ فقد عرج الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم بالرّوح الأمين، وفي الحقيقة عرج إلى سرّه، إلى حضرته الأحدية، لذلك لو تقدّم الرّوح لاحترق. فحضرة الأحدية لا تقبل إلاّ الأحدية، ولا تقبل إسما ولا غيرا ولا وصفاً.

وهو واسطة العقد الذي به شهد من شهد الحضرة الأحدية، وبه صحّ لأفراد بني آدم أهل الكمال الخلافة والتحقّق بعلم الأسماء.

وعِلْم الأسماء المقصود في قوله تعال
ى {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا} ، هو حضرة الرّوح الأعظم. لأنّه هو الحضرة الأسمائية الجامعة.
فحضرة الأسماء هي حضرة الأعيان الثابتة المتجليّة من سرّ الذات، فافهم.

وانظر إلى قول الشيخ الأكبر في الاقتباس السابق :
(وإن كان كل جزء من العالم مثله في الدلالة ولكنّه ليس بظلّ فلهذا انفرد بالخلافة)
قوله ليس بظلّ، لأنّ جميع الخلفاء الذين شهدوا سرّ الذات وعرجوا كما عرج نبيّ الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، فشهدوا حضرة الأحدية بالإسم الأعظم. هم في الحقيقة أهل شهود ونيابة وقام الحقّ فيهم لطيفة صفاتية أسمائية. فكانوا كالظلّ. ولكنّهم ليسوا عين السرّ وعين الرّوح الأعظم. بخلاف الخليفة الذي هو الروح بذاته فهو الذات التي تجلّى منه الرّوح. فهو ليس بظلّ.

فأحدية الخلفاء وعلى رأسهم صاحب ختم الأسماء والصفات رسول الله صلى الله عليه وسلّم، أحديّتهم ظلالية وليست حقيقة، أحديّتهم شهودية وليست عينية. فافهم. بخلاف الخليفة الذي هو الرّوح فحضرة الأحدية هي حضرته، والرّوح هو عينُه وهو الخليفة في عالم الإنسان.

قال الله تعالى
{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.} [آل عمران:18]

في هذه الآية تحقيق ما ذكرناهُ من رتبة الإنسان الكامل الآخرية هي عين إثبات الأوّلية له في السرّ، فابتدأ بنفسه سبحانه شهد الله ثمّ ثنّى بالملائكة والعالم المتوسّط ثمّ ثلّث بأولي العلم، لتعود آخرية أولي العلم وهم الخلفاء أهل العلم بالله إلى سرّ الإسم الأعظم، فعلمهم قام بالله سبحانه. فرتبتهم أعلى من رتبة الملائكة كما شرحنا لك. فافهم.

فهذا الذي نذكرهُ هنا هو علم المحققين وعلم الأذواق الأنفس. وإنّما حالَ دون الكثيرين قبوله للقابليات العلمية، والوقوف بلا شوائب الحسد والنّفسية والعلل التي تشغلُ الذين حرمتهم نفوسهم قبول هذه العلوم.

ونحنُ نقدّمها بتحليل وشرح ومرّة بعد مرّة وفي أطرها التي يجب أن تؤخذ معها، حتّى لا يقع الالتباس.

ومهما التبس على أحدٍ بُعد ما نقوله عن الشريعة والتحقيق، فذلك راجع لا محالة لفهمه الملتبس وليس لما نذكره.

فقبول مثل هذا الكلام وهذا العلم، يحتاجُ إلى خلفياتٍ تحقيقية، إلى كمّ كبيرٍ من الخلفيات لذلك لا يمكن قصّ جملة أو عبارة لتشغلَ بها نفسك وتتثير بها الزوابع حولك وعليك. بل عليك إنزال القدر الكافي من الخلفيات المعلوماتية والتخيّلية والقاعدية لقبول هذا الكلام الأقدس، والعلم الأنفس.

ألا ترى أنّ بعض الملفات في عالم الكمبيوتر والأنترنت، تحتاجُ لقرائتها إلى تنزيل برامجها الكافية والصحيحة لتكون قاعدة كافية لكي تقرأ الملف وتراهُ بما هو عليه. وإلاّ بقيَ مشفّراً.

وكذلك هذه الحقائق تحتاجُ إلى خلفياتها التنزيهية والعلمية وماورائياتها لتقرأها وتفهمها على نحوٍ مقبول مرفوع عن الشبهات والتنكيسات والتشويهات.

ولهذا السّبب لم يكن علم الأولياء للجميع حتى لو كانوا علماءً من علماء الظاهر، واقفين على ظواهر الأمور وليس لهم برامج تنزيل هذه العلوم والحقائق.

فانظر وقارن، لتفهم أنّ طريق الصوفية الصّحيح، وليس ما اشتبه وكثر فيه الدجل والتلبيس والكثير من المغالطات والتشويشات، أنّ طريق هؤلاء الصوفية المحقّقين احتاج لجميع ما ذكروه من مراحل وشروط وضوابط ليصحّ للسّالك والمريد أن يصل إلى تنزيل هذه الحقائق في قوالبها الصحيحة من غير أن يتزندق أو ينحرف.

لذلك كانت هذه الحقائق ذوقية، تشترطُ شيخا واصلاً عارفاً متحقّقاً صدقاً، لكي يدلّ القاصدين بقدرٍ ومرحلة مرحلة، فكلّ مرحلة تحدثُ للعبد جذبات وأحوال لن يُدركها أبداً.

فمرحلة الإدراك وتنزّل العلم والعرفان هي آخر المراحل في الطّريق. وعليه فكان لزاماً من شيخٍ وربّان يقودُ هذه السّفينة والتي هي نفسك بحكمةٍ وعلم ورسوخٍ.

والعبرة ليست بالنظريات والفلسفات، فما أكثر الفلاسفة والمفكّرين، ولكنّ العبرة في الذوق، والتحقّق والتخلّق.

العبرة حينما تُدرك أنّ هذا الكون كلّه عبدٌ لله تعالى ومخلوق متوجّه بكلّه لله سبحانه ولغته التسبيح والتقديس للعليّ سبحانه في علاه وتنزيهه وتقديسه المتعالي عن ظلال الخلق وأطياف الكون. فالعبرة في ثمرة ذلك الإدارك أن يخشع القلب ويخضع لربّه بمعرفته ويسبحّه مع المسبّحين.



يتبع ..

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 6


- 6 - 

ومن هنا تفهمُ أنّ هذا الخليفة وهذا السيّد الصّمد لم يكن لعالم الأكوان ، لم يكن يًُمثّلُ فرداً بنفسه وشخصه وإلاّ لأقامَ الحقائق والشّرائع بالتصريح عنه وعن ختمه ومرتبته. بل هو يُمثّلُ الإطلاق هو يُمثّلُ الغيب هو يُمثّلُ نقطة الكمالات الغير المدركة والغير متناهية، يُمثّلُ كنه الذات والغيب المطلق. ما من كمال إلاّ فاضَ من ذاته والكمال الذي فاضَ عاجز عن إدراك ذاته. فقد ارتفع عن الفردية مطلقاً. فهو أكرمُ الكرماء وأرحم الرحماء وأعلم العلماء سرّ الكرم والرحمة والعلم وكلّ ما شئتَ من كمالات.

ولأنّ الحكمة اقتضت أن يحتجبَ عن التصريح والإفصاح، ألا ترى إلى الملوك كيف عظّموا مقاماتهم ومكاناتهم بالحجّاب والأبواب والوسائط.

وما أخذوا ذلك إلاّ من ملك الملوك وسيّد الحكماء فهو الذي ألهمهم وعلّمهم. وكذلك جعل الله الأسرار عزيزة كي لا تُبتذلَ بالإفشاءِ والإرخاص حينما تقعُ عند غير أهلها.

هكذا سبحانه اقتضى عالم الحكمة الذي دبّره فأحسن تدبيره. ومن هنا قال العارفون بالله : إفشاء سرّ الرّبوبية كفر.

وإذا وقفتَ على الاعتراض علينا فاقرأ عنوان هذه المدوّنة فهي اسمُها : المهدي الختم حضرة الإفشاء والكتم.

أمّا الختم فقد تخلّق بأخلاقه الأمناءُ المقرّبون فصانوا الأسرار صوناً، ما باحوا بها إلاّ بمقدارٍ يوجبُ حكمةً و بإذنٍ ولأمرٍ قضاهُ الله سبحانه. فهو سيّدُ الأمناء وهو صاحب الأخلاق أخلاق الله تعالى، فهو الخليفة وهو عبد الله أصالةً.

أمّا المجذوبُ فهذا لهُ سرّ واحدٌ وجهةٌ واحدة تقودُه، وهو الوحيد الذي أهّلته مرتبته وختميّته أن يعلمَ هذه العلوم المكتومة. أقصدُ الوحيد من غير الذين حازوا على الكمال والخلافة. ولنا عودة لهذا المجذوب لأنّ الحديث عنه هو جوهرُ إثبات الصورة للخليفة.

قلنا ما وقع الالتفات إلى عالم الأكوان عند الخليفة. لأنّهُ هو عين من صاغ الأكوان بهذه الحكمة وهذا الترتيب والتقريب.

وسنعودُ لكتاب الله تعالى لمعرفة هذا الذي نقولُهُ عن الخليفة الختم :

قال الله تعالى : {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} الكهف

لنقِف على هذه الآية كما وقف عليها بعض أهل العرفان، فقد نكّرَ الله "عبده" وعرّفه به بالضمير الراجع لله تعالى، وعرّفَ الكتاب.

- وهنا دلالة واضحة أنّ هذا العبد لا يُعرفُ إلاّ بالله. هذا أوّلاً.

- أنّ هذا العبد يُعرفُ بالكتاب فقد جاء الكتاب حجاباً عليه ، والكتاب هو الوجود. فتأمّل يرحمك الله من يمكنُ له أن يتعرّفَ على مقام هذا العبد المحض ، فإنّه لا يتعرف عليه إلاّ أهل الفناء الأكبر في الله تعالى، الذين صحّت لهم الطّهارة ومسّ الكتاب والتصرّف فيه. وهم الخلفاء والمقرّبون، وهم أهل الفردانية.

وهي آخر التحقّقات في منازل السّائرين إلى الله تعالى. لذلك تفهمُ الكتم المضروب حول هذا العبد، وكون الكلام عنه من العلم المكتوم إلاّ عند أهله، وأوانه وبقدره كذلك.

- والكتاب معرّف بـ : أل : ألف الذات ولام الأسماء، وهذا ما ذكرناهُ أنّ الكتاب حجاب دون معرفة هذا العبد المحض، ولا يتعرّفُ عليه على سبيل العلم واليقين إلاّ أهل الفناء في الذات والحائزين على الخلافة الأسمائية.

- تقدّمت قبل ذكر العبد في الآية الحمدلة، "الحمد لله" وهذا الذي ذكرناهُ فما قامَ بحقّ حمد الله تعالى إلاّ هذا العبد، عبد الله أحمد المهدي.
فهنا شهادة من الله أنّ هذا العبد سيّد الأحمدية وهو الحامد لله تعالى باستحقاقٍ، فهو خليفة الإسم الأعظم، وحامل لواء الذات وما حمد الله تعالى كما قلنا سواهُ.

- سبق ذكر العبد الكتاب، وهنا إشارةٌ جليّةٌ أنّ عبودبية هذا العبد وعبديّته قامت قبل أن ينزل عليه الكتاب، فصارَ هذا العبدُ لا تعلّق له إلاّ بالذات، أي أنّ سرّه ذاتيّ، سرّهُ هو كنه الذات الذي فاض منه الكتاب وتجلّى، ولهذا فهو العبد المحض الذي قامَ بحقّ حمدِ الله تعالى مطلقاً وقد قال صلّى الله عليه وسلّم "سبحانك لا أحصي ثناءً عليك أنتَ كما أثنيت على نفسك" ، لتفهم مطلقاً ويقيناً من هو هذا العبد. العبد في لفظة "عبد" والحقّ في لفظة "الله"، وتلك هي حقيقة الإنسان البرزخية : برزخٌ بين الخلقيّة والحقيّة، فكان عبد الله بالأصالة اللاّبس الحقيقيّ لثوب عبد الله هو هذا العبد، الخليفة المظهر الذي يظهر فيه الحقّ بذاته، إمام الخلافة الإلهية.


فإذا عرفتَ هذا، عرفتَ أنّ كلامنا عن المهدي شيءٌ من العلم المكتوم، وأنّ هذا الذي ننثرُهُ هنا تحقيقاً من الدرّ المنثور، والعلم المطمور.

وأضيفُ هنا فقرةً للشيخ الأكبر حول قوله صلّى الله عليه وسلّم "خلق الله آدم على صورته"، كلاماً من أنفس الكلام، وأعظم التحقيقات، فافهم دواعي حرص الشيخ الأكبر للتفريق في هذا المقام بين الدرّة اليتيمة الأصلية وغيره من المتحقّقين، لتفهم النقطة التي نبّهنا عليها سابقاً والشبهة التي قد يقعُ فيها من لم يتحقّق بعدُ بتمام العلم فيظنّ أنّ المرتبة التي تحقّق بها سائبة، ويشطحَ شطحاً غير محقّقاً.

يقول رضي الله عنه في الفتوحات المكيّة :
(قوله إن الله خلق آدم على صورته:
فقد أدخله الجود الإلهي في الميزان فيوازن بصورته حضرة موجدة ذاتا وصفة وفعلا ولا يلزم من الوزن الاشتراك في حقيقة الموزونين فإن الذي يوزن به الذهب المسكوك هو صنجة حديد فليس يشبهه في ذاته ولا صفته ولا عدده فيعلم أنه لا يوزن بالصورة الإنسانية إلا ما تطلبه الصورة بجميع ما تحوي عليه بالأسماء الإلهية التي توجهت على إيجاده وأظهرت آثارها فيه وكما لم تكن صنجة الحديد توازن الذهب في حدّ ولا حقيقة ولا صورة عين كذلك العبد وإن خلقه الله على صورته فلا يجتمع معه في حد ولا حقيقة إذ لا حد لذاته والإنسان محدود بحد ذاتي لا رسمي ولا لفظي وكل مخلوق على هذا الحد والإنسان أكمل المخلوقات وأجمعها من حيث نشأته ومرتبته فإذا وقفت على حقيقة هذا الميزان زال عنك ما توهمته في الصورة من أنه ذات وأنت ذات وإنك موصوف بالحي العالم وسائر الصفات وهو كذلك وتبين لك بهذا الميزان أن الصورة ليس المراد بها هذا ولهذا جمع في صورة واحدة خَلَقَ الْإِنْسانَ ووَضَعَ الْمِيزانَ وأمرك أن تقيمه من غير طغيان ولا خسران وما له إقامة إلا على حد ما ذكرت لك فإنه الله الخالق وأنت العبد المخلوق وكيف للصنعة أن تكون تعلم صانعها وإنما تطلب الصنعة من الصانع صورة علمه بها لا صورة ذاته وأنت صنعة خالقك فصورتك مطابقة لصورة علمه بك وهكذا كل مخلوق ولو لم يكن الأمر كذلك وكان يجمعكما حد وحقيقة كما يجمع زيدا وعمرا لكنت أنت إلها أو يكون هو مألوها حتى يجمعكما حد واحد والأمر على خلاف ذلك فاعلم بأي ميزان تزن نفسك مع ربك ولا تعجب بنفسك واعلم أنك صنجة حديد وزن بها ياقوتة يتيمة لا أخت لها وإن اجتمعت معها في المقدار فما اجتمعت معها في القدر ولا في الذات ولا في الخاصية تعالى الله فالزم عبوديتك واعرف قدرك. ) اه.

فهذه الفقرة تبيّن أنّ الحقّ تعالى أفنى أهل الكمال عن أنفسهم فقام فيهم لطيفةً، فكانت اللّطيفة إمّا لطيفة صفاتية وهم جميع أفراد بني آدم، وخاتم الصّفات هو رسول الله صلى الله عليه وسلّم. أو لطيفة ذاتية وهو المسمّى المهدي الخليفة الخاتم.

وأنّه صاحب حضرة الذات والأحدية وأنّه السيّد الصّمد، استغنى عن كلّ شيءٍ وافتقرَ إليه كلّ شيءٍ.

يتبع ...

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 5



- 5 - 


قال الله تعالى {قل هو الله أحد}

الواقف على هذه السورة التوحيدية التفريدية النّاعتة للذات العليّة، الواقف عليها وقوفاً عرفانياً فتوحياً مكيّاً أقدسياً يشهدُ ههنا حقائق التوحيد وحقائق ما كنّا نقوله. فافتح قلبك وعقلك.

قال تعالى :
"قل" قل يا محمّد عن شهودٍ وعلمٍ : هو الله أحد.

فقد قال بعض العارفين بالله في كلمة قل : تضمين لشهود النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لحضرة الأحدية، والتحقّق بسرّ الذات.

فالحضرة المحمديّة وقد أشرنا سابقاً هي حضرة الصفّات والأسماء، حضرة الرّحمانية الظاهرة وهي حضرة الواحدية المتجليّة عن الحضرة الأحدية.

وفي الحضرة الأحدية يفنى أهل الفناء الأكبر فلا يشهدون ثمّة نعتاً ولا إسماً ولا وصفاً، ما ثمّ سوى الأحد سبحانه.

ومع ذلك فسرّ الإنسان قابل لشهود هذه الأحدية، شهودٌ قامَ بالله، وذلك بالفناء في ذات الله سبحانه.
فإذا عاد الفاني إلى حضرة الواحدية متحقّقا بالوجود الحقّاني الموهوب الجديد عاد الى حضرة البقاء بالله سبحانه. وهناك يكونُ وارثاً عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. وفي الحقيقة نائباً عن الخليفة لأنّه باقٍ بالله تعالى. فافهم.

فهنا لطيفة باهرةٌ، لمتوسّمٍ، كيف صحّ هذا الشهود الأحديّ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ؟ ولغيره من الخلفاء أهل الكمال والفردانية ؟


" قل هو الله أحد" قل عن شهودٍ يا محمّد وعلمٍ وحقّ يقينٍ هو الله أحد. وذلك بقوله تعالى في سورة النّجم : {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} النجم 17-18

رأى الحقّ تعالى في مقامِ الوحدة، رأى الرّوح الأعظم عند الأفق الأعلى عند سدرة المنتهى، حين دنا فتدلّى في مقام قاب قوسين، ثمّ اخترقَ إلى سرّ الذات فشهدَ بالإسم الأعظم حضرة الأحدية : "أو أدنى". حين ارتفعت الصّفة الاعتبارية فلم يبقَ إلاّ هو سبحانه في حضرة الأحدية.

وفي هذا المقام رغم هذا الشهود الأحديّ فإنّ كنه الذات يبقى غيباً لا يُدرك، تعالى الله عن خلقه وتعالى عن الشريك والنّظير والمثيل.

فقولنا المثلية في الآية لا نقصدُ بها النّظير والأكفاء، بل ذلك عينُ إثبات الأحدية لله تعالى، وعين ما ذكرناهُ من كرمِ الله واصطفائه لبني آدم حين خلقهم على صورته، وخصوصا الأفراد الخلفاء الذين أودعَ الله فيهم سرّه الكامل، فصحّ لهم الفناء فيه والبقاء به. قال الله تعالى في حقّ آدم عليه السلام :
{فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} فبتلك النفّخة من روح الله صحّت لآدم الصورة والخلافة الأسمائية.

وبالرّوح وقع العروج للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى مقام السرّ وراء سدرة المنتهى. حيث لا أين ولا كيف ولا زمان ولا مكان.

فالخلاصة هنا في تلك اللّفتة أنّ شهود الحضرة الأحدية ما كان لولا وجود صاحب هذه الرّتبة وهذا السرّ الذاتيّ، فإنّ الفناء وقع في ذات الله بالله تعالى، والبقاء به وقع بالله تعالى فهو بقاءٌ بالله تعالى.

فوجبَ أن يكونَ شهود الذات وقع بمرآة صاحب الذات، وإلاّ لادّعى المرتبة من شاء.

النبيّ الخاتم صلى الله عليه وسلّم هو رسولُ الله.
فمن هو صاحب المشكاة والمرآة والسرّ الذاتيّ الذي به صحّ للنبيّ وأهل الكمال من بني آدم الفناء في ربّهم والبقاء به سبحانه ؟

كيف صحّ ّ للإنسان الكامل الذين هم أفراد بني آدم وهم خلق الله تعالى الذين هم ورثة للإنسان الكامل الذي هو سيّد الوجود وسيّد الخلق صلى الله عليه وسلّم، كيف صحّ لهم الشهود الأحديّ ؟ لولا وجود صاحب هذه الرّتبة وهذا الختم الذاتيّ ؟

ألا ترى أنّ النبوّة والرّسالة ختمت ببعثة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ومع ذلك فالأفراد والخلفاء كانوا من أمّته صلّى الله عليه وسلّم وحازوا على مرتبة الفناء والكمال والخلافة بالولاية.

فلو كانت النبوّة هي المشكاة والمرآة ورتبة الخلافة لما صحّ لوليّ أن يكون خليفة من الخلفاء.

فالولاية هي الأصلُ، فالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم شهد الله ورأى من آياته الكبرى في مقام الولاية العظمى. فافهم.

فصاحبُ الصورة الأصليّ وصاحبُ المرتبة والختم هو الوليّ الختم، الوليّ المحض، الوليّ بالأصالة الذي كان وليّاً وآدم منجدل بين الماء والطين.

الله تعالى ما تسمّى بالنبيّ ولكن تسمّى بالوليّ، وختْمُ الولاية يعني التحقّق بمسمّى الوليّ كاملاً أي أنّ الوليّ الختم هو صاحب الذات والإسم الأعظم، هو صاحب الأحدية. هو صاحب كنه الذات.

لولاهُ ما فنى فانٍ ولا دخل حضرة الله أحد،
"خلق الله آدم على صورته"

هذا هو الاصطفاء العظيم للإنسان، هي تلك الصورة والصورة المقصودة هنا هي الصّفات السّبع فافهم : الحياة والعلم والإرادة والقدرة والكلام والسمع والبصر.

هذا الذي نذكرُه هنا هو أنفسُ العلم والتحقيق مطلقاً.


فتفسير الحديث النبويّ الشريف : خلق الله آدم على صورته هو بكلّ بساطة وتحقيق : خلق الله آدم على صورة الخليفة.

قال الله تعالى
(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)

ثمّ لإثبات هذا التحقيق يقول تعالى بعد قوله تعالى "
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" يقول : اللَّهُ الصَّمَدُ.
للتعريف بمرتبة هذا الختم، حتّى لا يلتبسُ على المتحقّقين الذين يصلون إلى هذه المنازل العالية وشهود الأحدية ثمّ التحقّق بمقام البقاء به سبحانه. هناك في مقام معرفة الله تعالى من حيث التنزيه الأعظم والتحقّق بسرّ الذات، وفي مقام الحيرة والعجز في مقام الكمالات اللاّمتناهية يتعرّفُ العبدُ في هذا المقام الأعلى مقام الخلفاء والمقرّبين وغاية الواصلين يتعرّفُ الواصل والوليّ في ذاك المقام الأبهر مقام مسّ الكتاب والتصرّف، يتعرّفُ على صاحب المرتبة على العبد المحض على اللاّبس الحقيقيّ : السيّد الصّمد.

ويّقالُ له هذا هو صاحب الصّورة والخليفة حتّى لا تُعجب بنفسك ولا تغترّ بما ليس لك، فأنت عبدٌ ومخلوقٌ ولو وُهبتَ هذا الوهبَ الأعظم. فما ثمّ سوى الدرّة اليتيمة والياقوتة الفريدة التي لا نظير لها.

ما ثمّ سوى اللاّبس الوحيد، صاحب سرّ الذات وكنه الذات حيث العجز عن إدارك كنهه، حيث قال الله تعالى
{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}
نعم إنّه الخليفة السيّد الصّمد الذي لم يكن له كفؤاً أحد.

ولدينا مزيد
ٌ في هذا الباب وأكثر إن شاء الله ..



يتبع ..

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 4



- 4 -

قبل أن نخوض في الصورة التي صحّت للختم والخليفة علامةً على الذات والسرّ والولاية الكاملة.

نخوضُ في مبحث التوحيد، من باب الذوق والتحقيق، لا من باب القادحين المنكرين والمعترضين على ما لا تسعه منهم حقائقهم تسليما وإيماناً وحبّاً. على أنّ زماننا يوجبُ وسع القبول للحقائق، ويوجبُ الفهم لمن ألقى السّمع وهو شهيد، أمّا صاحب القلب فذاك ذائقُ مشاهد.

غيرَ أنّ الاعتراض يُصاحبُ أهل الدّعاوى، إلى حينٍ فقط، وهذا الحين يكادُ يُطوى، فزمن الختم زمن العدل وزمن الفصل وزمن الحكم والحسم.

وزمن خذلان كلّ ذي خذلان، وانتصار كلّ ذي نصر ومحلّ الصدق والإيمان.

وعلى قدر القوابل والصّفاء تتحقّقُ القلوب، وعلى قدر الوسع للتجلّي وعلى قدر رشّة النّور القابلة للنور الأزليّ القديم.

فنقولُ أوّلاً : قال الله تعالى "ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا ،فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين" الأعراف 143

فهذه الآية تخبرنا أنّ سيدنا موسى عليه السلام ما رأى ربّه وهو موسى ولن يراه، ولكن رآه بالله، فما رأى الله غير الله سبحانه.
وتحقيق رؤية الله بالله قوله تعالى : فلمّا أفاق من السّكر والصّعق وعاد إلى الصّحو بالله تعالى قال سبحانك تبت إليك من نفسي وأناي، والتجأتُ إليك وحدك لا شريك لك وأنا أوّلُ المؤمنين في الصفّ الأوّل صفّ أهل المشاهدة والبقاء به سبحانه. فافهم.

وهذه النّقطة تفتحُ لنا نفوذاً لتفهيم من يريدُ أن يفهم حقيقة الإنسان وحقيقة الخلافة ومعناها، على وجه التحقيق.

فما هذه المصطلحات التي أطلقها أهلُ الله تعالى : الفناء في الله والبقاء به ؟

كيف رأى موسى الله بالله تعالى ؟ فما رأى الله غير الله.

حينما نتحدّثُ عن رؤية الله تعالى فهنا بابٌ كبيرٌ، أمّا كنه الذات وسرّ الذات فليس لأحدٍ أن يدرك كنهه تعالى سواه.

ولو صحّ لأهل الكمال شهود الأحدية، والفناء في سرّ الذات. ولكنّ كنه ذات الله غيبٌ ويبقى غيباً أبد الآبدين.

فالخلق وعلى رأسهم سيّد الخلق صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعلى آله وصحبه، مقامهم التحقّق بسرّ الذات والعجز والحيرة، والتحقّق بالكمالات اللاّمنتهية كما ذكرنا في مقام المكالمة الأزليّة والمشاهدة الذاتية.

غيرَ أنّ كنه الذات وحقيقة الذات تبقى غيباً، قال الله تعالى {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3)} البقرة
فاقرأ قوله تعالى يؤمنون بالغيب والمقصودون هنا هم السّابقون والمقرّبون أنبياءً وأولياءً، الخلفاء المطهّرون الذين تحقّقوا بالطّهارة فصاروا من الماسّين للكتاب المذكور ألم : ألف الذات ولام الأسماء وميم الصّفات والتعيّن.
{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ* فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ* لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ} الواقعة 77-79
فحقيقة الكتاب هي الذات والأسماء والصّفات المكنّاة بالحروف المقطّعة " ألم ". فهم برغم فنائهم في سرّ الذات وشهودهم ومسّهم للكتاب أي تصرّفهم فيه بقوله تعالى : يقيمون الصّلاة ، اي الصلّة بالله الغير منقطعة وهي الولاية التامّة والعبودية والعبدية الخالصة. ومما رزقناهم ينفقون : ويتصرّفون من ثمرة هذه الصّلة وهذه الهبة والخلافة التي وهبها الله لهم. غير أنّ كنه الله غيبٌ عندهم، فهم يؤمنون به غيباً، فكنه ذات لله تعالى لله تعالى وحده لا شريك له.

فرتبة الخلفاء في تحقّقهم بالرّحمانية وهي جميع ما فاضَ من الكمالات الإلهية والتجليّات الحقيّة خلافةً للنبيّ صلى الله عليه وسلّم في مقام التخلّق والكمالات.
أمّا رتبة الذات والإسم الأعظم فرتبة الخلفاء فيها تأتي خلافةً لصاحب الذات، عينُ المذكورُ في الآية صاحب الكتاب : العبد المحض وهو حقيقة الكتاب وحقيقة الإنسان الكامل.
إنّه الم هدى للمتقين : الم هدى = المهدي.

العبد المحض المذكور في بداية سورة الكهف : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا.} الكهف
المخصوص بنزول الكتاب عليه، بخلاف المطهّرين الخلفاء من أفراد بني آدم الورثة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقد خصّوا بنزول القرآن وراثة له صلى الله عليه وسلّم، بقوله تعالى : {الرّحمن علّم القرآن} وقوله صلّى الله عليه وسلّم : " أَهْلُ الْقُرْآنِ ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ"
هؤلاء هم المفردون السّابقون المقرّبون الخلفاء المطهّرون الذين حازوا على رتبة الرّحمانية، وتحقّقوا بها فصحّ لهم بعد ذلك التحقّق بالإسم الأعظم.

رتبة الرّحمانية هي مقام الكمالات الإلهية والأخلاق الربّانية وهي مقامُ المثلية في قوله صلّى الله عليه وسلّم : "خلق الله آدم على صورته"
فإنّه لولا تلك الصورة والمثلية لما صحّ لأهل الكمال الفناء في الله تعالى والبقاء به.
فنزّههم الله تعالى في قوله : {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}

وإلاّ كيف صحّ لهم الفناء في ذات الله والبقاء به والتخلّق بأخلاق القرآن وأخلاق الله تعالى كما قال صلّى الله عليه وسلّم : "تخلّقوا بأخلاق الله".
فافهم فلولا الصورة والمثلية لما صحّت للإنسان الخلافة، أقصد لما صحّت لأفراد بني آدم الخلافة والتحقّق بأخلاق الله تعالى والبقاء به.

فالمثلية هي الخصوصية، وهم مع ذلك مؤمنون بالله غيباً، فافهم كما ذكرنا فكنه الذات لا يُدركُه مخلوق. وقولنا مخلوق تفهمُه بقولنا سيّدُ الخلق هو سيّدنا محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فقد شرحنا في موضع مختلف هذه المثلية بكلام نفيسٍ، وقلنا هي الرّحمانية ومن أجلها خلق الله الخلق والأكوان، فاسم الرّحمن هو الإسم الجامع الثاني بعد اسم الذات فكان حضرته أسمائية صفاتية.
وكان واسطة للتعرّف إلى الله تعالى فلا يُعرفُ الله تعالى إلاّ بواسطة أسمائه وصفاته. وهو اسمُ الرّحمن وخليفة اسم الرّحمن هو خاتم الأنبياء والرّسل سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم. لذلك كان الحجاب والباب والواسطة لمعرفة الله سبحانه قال الله تعالى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.} [آل عمران:31]

غيرَ أنّ صاحب الكتاب العبد المحض ذكرت عبديّته قبل نزول الكتاب، أي تعلّق بالذات مطلقاً، لذلك كان سرّه هو الذات.
هو عينُه صاحبُ كنه الذات. هو العبدُ المحض في مقام العبدية وهو الحقّ تعالى في مقام الأخلاق الإلهية والتصريف والولاية. فافهم.

ولولاهُ لما شهدَ الخلفاءُ وأهل الكمال حضرة الأحدية وفنوا في الذات وسرّ الذات، فافهم.

وهذا هو معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم "خلق الله آدم على صورته" فلولا وجود صاحب الذات وصاحب كنه الذات والحقّ بنفسه لما فنى في الحضرة الأحدية والذاتية أحد. مستحيل.

فما كان لهم البقاء بالله إلاّ بالله تعالى.

وما رأى موسى الله إلاّ بالله لا بنفسه المسمّاة موسى. "قال لن تراني"
وهنا كلامٌ عزيزٌ، ولكنّني فتحتُ لك مفتاحاً عظيماً للتحقيق وفهم حقيقة الخلافة. من أنفس المفاتيح لتفهم لماذا صحّ الفناء والبقاء والشهود والتصريف للإنسان الكامل من أفراد بني آدم ؟ لولا وجود الختم خاتم الولاية وصاحب الذات والسيّد الصّمد والمعنيّ بقوله صلّى الله عليه وسلّم "تخلّقوا بأخلاق الله". فهي أخلاقه وهي مرتبته وهي حضرته بالأصالة لذلك صحّ للخلفاء من بني الإنسان المثلية والصورة والخلافة. فافهم.


يتبع ..

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 3

- 3 -


حينما نقول : قل هو الإنسان الكامل. قل هو الله أحد.

أي نريدُ إرجاع السرّ للإنسان الكامل. فالإنسان خليفة في عالم الأرض، والأرض هي أرض التجليّات الخلقية والحقيّة. فافهم.

في عالم الأحدية لا وسع لمخلوق ولا أيّ شيءٍ أن يكون، إفهم قولنا الأحدية. لا تقبل التثنية والغيرية. فحضرة الأحدية حضرة لا تقبل إسماً ولا وصفاً ولا غيراً. هناك يُقالُ ما وحّد الأحد الواحد موحّدٌ. ما وحّد إلاّ نفسه.

كيف يوحّدُهُ غيرهُ وهو الواحد الأحد ؟ تعالى الله عمّا يشركون، وتعالى عمّا يدّعون.

كما عجز الخلق عن حمده، فما حمد الله سواه وحده لا شريك له. فما وحّده سواه وحده لا شريك له. فهو الحامد والحمد والمحمود. فأين الحامدون ؟

قلتُ في حضرة الأحدية لا وجود للأغيار ولا لإسم أو وصفٍ أو نعتٍ أو غيرٍ.

أين الحوادثُ والأغيار وأين الزمان والمكان ؟ تعالى الله عن خلقه سبحانه، ما الخلق سوى تجليّاته وآثار أسمائه وصفاته سبحانه.

ولكنّنا نتحدّثُ عن هذا التوحيد الأعظم، والعرفان الأكبر الذي يتجاوز المنكرين من الطّرفين، سواء الذين زعموا التنزيه حتّى عطّلوا، أو الذين زعموا التشبيه والتجسيم وهؤلاء أقرب للوثنية في الحقيقة. ففسطاط التنزيه أقرب لفسطاط الواحدية والأحدية.

غير أنّ التوحيد والعرفان أعلى من علم الكلام، وأعلى من التزيه المطلق. فالله فوق التنزيه، والله تعالى تجلّى بين التنزيه والتشبيه.

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : "كان الله ولا شيء غيره" وتكملُ هذه العبارة تحقيقاً بقولنا : وهو الآن على ما عليه كان.

فأين الحوادث والخلق والأغيار ؟

ههنا علم الشهود والعرفان، علم الذوق وليس علم الكلام، وهو فوق التخريص والإنكار والطّعن في علم المحقّقين.

فما أردناهُ أنّ الكون والخلق هم تجليّات الحقّ سبحانه. فلولا الخلق ما كان حقّ، ولولا الحقّ ما كان خلق.

لولا المرزوق ما كان رزّاق، لولا المخلوق ما كان الخالق، لولا الصّمد ما كان المصمود ، لولا المالك ما كان المملوك ، لولا القاهر ما كان المقهور.

فافهم الخلق تجليات الحقّ سبحانه، وأثار أسمائه وصفاته العليّة.

الأسماء انبثقت من حضرة الذات، من حضرة الأحدية والهوية ، فأعطت حضرة الواحدية.

الأسماء في حضرة الذات ليست سوى الذات، ومن هنا تفهم قول المحقّقين لا يوجد اسم أعظم وإسم غير أعظم، لأنّ الإسم الأعظم في الحقيقة ما أخذ هذه الأعظمية إلاّ بدلالته على الذات. والأسماء كلّها دالّةٌ على الذات.
قال سبحانه وتعالى
(قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (110)

فحضرة الأسماء هي حضرة الذات في الحقيقة، ولكن باعتبار اختلاف الأسماء في دلالاتها ونسبها وتخصّصاتها فهي عالم الصّفات. فافهم.

في الأرض، في عالم الأكوان والخلق صارت الأسماء معبَّرةً ومقدّرَةً بنسبها ودلالاتها وتخصّصاتها وهناك اختلفتْ مداليلُ الأسماء واعتباراتها، فصار هناك الإسم الأعظم، بهذا الاعتبار فقط. والإسم الأعظم يريدون به الدّال على الذات بإطلاق.

وهو إسمُ الله، فحينما تطلق إسم الله في جملة أو دعاء، ودعاؤك متوجّه لحاجة أو غرض أو تأثيرٍ فاسمُ الله جامعٌ لجميع الأسماء، متضمّنٌ بصفةٍ ضمنية لما تريدُه، من رزقٍ أو غنى أو رحمة أو مغفرة أو كرمٍ أو عفوٍ أو دفع ضرّ أو هبةٍ أو غير ذلك. فهو ينوبُ على الأسماء جميعها.

يا الله ارزقني ، فالله يرزقُك سبحانه باسمه الرزّاق. فاسمُ الرزّاق ليس هو سوى اسم الذات "الله" في الحقيقة. فالرزّاق دلّ على الذات، على الله الواحد الأحد، والعكس فالله دلّ في عالم العلم والآثار على اسم الرزّاق.

لا إله إلاّ الله ... وهكذا.

نعودُ لما كنّا عليه من حقائق التوحيد، فالخلق ليسوا سوى أصداء التجليّات الحقيّة، والله تعالى أبرز العالم من العماء إلى عالم المادّة والتعيّن بصفة عامّة، أبرز العالم من العماء إلى عالم اللّطافة والرّوح ومن عالم اللّطافة والرّوح إلى عالم الكثافة والأجسام.

وكلّها عوالمٌ تعيّنت بتجليّات أسمائه وصفاته سبحانه وحده لا شريك له. كأنّها ظلالٌ وأطيافٌ من اسمه النّور. فما ثمّ في التحقيق سواه.

قال الله تعالى
﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة البقرة

فهذه الآية معنيةٌ بظاهرها وباطنها، فأينما تولّي وجهك فثمّ وجه الله تعالى، فمردُّ الأشياء والخلق إلى الذات. إليه سبحانه.

حينما تنفذُ وراء ظهورها فما بطونها سوى الله تعالى. فهل موجودٌ في هذا الوجود غيره سبحانه ؟

تعالى الله عمّا يُشركون. فما في الوجود سواه سبحانه.

فإذا فهمت هذه الرّشحات البسيطة، فاعلم أنّ أرض التجليّات وعالم الخلق والأكوان، اصطفى الله منها الإنسان.

وجعل هذا الإنسان خليفةً حاملاً لسرّ العالم، وما كان لهذا الإنسان أن يحمل سرّ العالم ويكون جامعاً لهذا العالم لولا أن جعله الله على صورته.

فهذا هو معنى الخلافة، بل على العكس بسبب الخلافة التي اصطفاها الله للإنسان صحّت الصورة لهذا الإنسان أن يكون على صورة الله تعالى.
فكان الإنسان مختصر العالم، فافهم مصطلح مختصر العالم فإنّه نفيس دقيق، لذلك كان الإنسان آخر مخلوق في الخلق. فالآخرية في الخلق هي عينُ إثبات الأوليّة له في السرّ. فافهم. ليكون مجموعٌ فيه جميع العالم وجميع ما وُجِدَ في العالم يرجعُ إليه بسرّه.

فلو سألنا سائلٌ أين معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم
"خلق الله آدم على صورته" في كتاب الله تعالى ؟
لأجبناهُ قوله تعالى
" ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".

لاحظ قوله تعالى "ليس كمثله شيء" فقد وقعت الكاف قبل المثل. فكأنّ الله تعالى ينزّه المثل عن الأشياء بإطلاقها. والمثل هنا هو الإنسان الكامل، وهو بالأحرى أفراد بني آدم الخلفاء الذين حازوا الخلافة الأسمائية. وعلى رأسهم سيّد الخلق صلّى الله عليه وسلّم.

فهذه الآية هي عينُ قوله صلّى الله عليه وسلّم : "خلق الله آدم على صورته"

فأفراد بني آدم الذين اصطفاهم الله للخلافة وأوّلهم أبونا آدم عليه السلام صحّت لهم الخلافة بهذه الصورة، صورة الخليفة الأوّل.

فما هي هذه الصورة التي أثبت الله بها الخلافة للخليفة ؟ وأريدُ الخليفة الأوّل وحقيقة الإنسان الكامل وحامل السرّ الذاتي ؟

هذا ما سنتكلّمُ عنه لاحقاً مع مزيد توضيحات في هذا الفنّ وهذا العلم، وهو علم الذوق والتحقيق.

يتبع ..