الخميس، 30 يناير 2014

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 60



- 60 -

الكلامُ عن حضرة المهدي عليه السلام كثير، إذ حيثُ شرّقتََ أو غرّبتَ نحوَ الحقائق العليا فأنت لا تخوضُ في الحقيقة إلاّ عن حضرة المهدي، إذ حضرتُه هي حضرة الربّ المعتدلة، فهو حقيقة الحقائق، ما مُدٍحَ ممدوحٌ أو حُمِدَ محمودٌ إلاّ ومدحُه وحمدُهُ عاريةٌ وعرضيٌّ واستعارةٌ استعارها من حضرة هذا الخليفة حامل لواء الذات حقيقة وذاتاً وعيناً. ولمّا كان مظهراً وخليفةً فقد ارتفعَ عن التعيين والتخصيص تخلُّقاً بحقيقته الغنية والمطلقة والغيبية، لو شاءَ لأشهرَ مرتبتهُ، ولكنَّهُ صاحبُ الصّفاء الأسبق، والفناء الأطبق ، وصاحبُ الإطلاق المُطْلَق والأخلاق العالية العليا التي لا فوقها، فزال بحقيقته عن شهرته، وبحكمته وإطلاقه عن تخصيصه، ولولا غيرةُ التوحيد وحكمة الحقائق التي تركّبتْ عليها هذه الدّنيا لما ظهرَ هذا الختم والخليفة ليختمَ الدّنيا، ويُترجِمَ حقائق الوجودَ إلى واقعٍ موجودٍ، ويُتَرجمَ آثار الأسماء ومظاهر الخلائق إلى حقيقتها الذاتية ووحدتها الجامعة.

لذلك سيرتُهُ قبل ظهوره ملاحم باطنية كبرى، تُترجمُ عن حقيقة هذه الحياة التي غفل عن حقيقتها النّاس، وهي غفلة من حكمته سبحانه، ولا تستغرب أو تتعجّب من كونِ دربِ الكمال قليلٌ رجاله، قلّة لا تكادُ تُذكر، فتلك رحمةٌ الله بخلقه وعباده، فدربُ الكمال يسّاَقطُ دونهُ الرّجال والأفذاذُ والأبطالُ وما شئتَ أن تتخيّله من بطولاتٍ كبرى، فدربُ الله سبحانه ودرب الكمال والفناء، شيءٌ آخرٌ وقفَ دونه بالعجز الجميع، حيثُ لا سالك إلاّ بالعناية واجتباء الله سبحانه، وفي هذه الحقيقة النّاصعة الغريبة قال الإمام إبو يزيد البسطامي قدّس الله سرّه "السَّالكُ مردود والطّريق مسدود". نعمَ يا أخي لا تتعجّب، فهو طريقٌ مسدودٌ إلاّ من استعانَ بالله تعالى كامل الاستعانة، والسَّالكُ مردودٌ حتّى تأفلَ إرادته وهمّته النّفسية فيشهدَ الحقيقة الكبرى أنَّهُ لا سبيلَ إلى الفناء إلاّ بطرحِ النّفس ودعاوى السّلوك وقارونية الأنا، في ملاحم نفسية كبرى عظمى قال عنها أحدُ العارفين بالله والحكماء "الملاحمُ النّفسية أعظمُ ملاحماً من الملاحم التاريخية المسطورة في كتب التاريخ والمحفوظة في ذاكرة الشعوب". نعم إنّها ملاحمٌ تجلُّ عن الوصف ويعجزُ التصوّرُُ أن يتخيّلها، ولا يدركُها إلاّ أصحابُها المعانون لها، لأنّها ملاحمَ كونية تمورُ في وجدانِ هذا العبد السّالك إلى الله تعالى، التغييرُ فيها لا يُلامِسُ جزءاً من الحياة أو دولةً أو حتّى خريطة أرضيةً في صراعٍ عالميّ، بل هي ملاحمٌ كونية شاملة والتغييرُ فيها شاملٌ كاملٌ، والحربُ فيها على الصغيرة والكبيرة. وعبّرََ عنها أحد العارفين فقال : "ليس العجبُ في من هلك كيف هلك ، بل العجبُ في من نجا كيف نجا !؟ " نعم هذا وصفٌ لحقيقة هذه الملاحم التي يعيشُها السّالكون درب الفناء، فانظُر تشابه وصفهم وتقارب طرحهم. فما أعظمَ هؤلاء الرّجال، فمعرفة ما قاسوه وما سلكوه وما طووه، يجعلُ العارف بهذه الحقيقة مقدِّساً لهم معظّماً، حامدًا لله تعالى على وجودهم، لأنّهم المشاعل والمنارات والساداتُ وأهل الهمّة العظمى، في دنيا غدّارة جبّارة موَّارةٍ بالتقلّبات والأخطار والنّفوس العاتية بين أجناب العباد، ولكن لمّا خفيت هذه الملاحم فقد خفيَ أمرُ هؤلاء الرّجال والأبطال الحقيقيون، وخفيَ قدرُهم في الدّنيا، وما خفيَ إلاّ عن أهلِ الغفلة عن طريقِ الله تعالى، أهل الغفلة عن الطريق الصّحيح، طريق التغيير، وليس طريق النّسبة الشكلية والانتماء الظاهريّ وتكثير السّواد، وإعلاء الدّعاوى هنا وهناك. فصدق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقوله : "قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر . قالوا : وما الجهاد الأكبر ؟ قال : مجاهدة العبد هواه " رواه البيهقي، وفي رواية للنسائي : أخبرني حدثنا أبو مسعود محمد بن زياد المقدسي سمعت إبراهيم بن أبي عبلة يقول لأناس جاءوا من الغزو ((وقد جئتم من الجهاد الأصغر فما فعلتم في الجهاد الأكبر قالوا يا أبا إسماعيل وما الجهاد الأكبر قال جهاد القلب.)).
فإنّ أهل العلم بالله يصحّحون هذا الحديث في معناه، وهو معبِّرٌ عن حقيقة ما ذكرناه، أنّ درب الجهاد النّفسي والفناء والسلوك إلى الله تعالى أعظم بما لا مقارنة بالجهاد الظاهر. لأنّه جهادٌ شاملٌ كونيّ يفوقُ التصوّر، وخصوصاً تصوّر القاعدين المخذولين الذين لم يذوقوا معاني السّلوك والتغيير والتربية الإيمانية والإحسانية فتجدهم ينكرون الحديث متناً وسنداً. لا إشكالَ في تسنيد الحديث كما هي رتبته السندية فهذه وظيفة المحدّثين، ولكن التعدّي على المتن ومعناه بالإبطال فهذا شُغلُ الجهلة وأهل السطحية الذين ابتُليَ بهم هذا الدين وهذه الأمّة.

والجهادُ الأصغرُ في الحقيقة هو صورةٌ من هذا الجهاد الأكبر جهاد الهوى وجهاد الفناء، لذلك علا شأنُه وعظّم الله أهله الشهداء، فالشهادة هي نوعُ فناءٍ بتقديم الرّوح في سبيل الله تعالى، فيُبدِلُ الله العبد بروحه روحاً أصفى وجنّة أرضى. فمهما صفَتْ نية المجاهد والشهيد في سبيل الله فقد نالَ من معنى الفناء الذي يفنى به أهلُ الفناء، فكانت الشهادة في سبيل الله من أعلى منازل القربِ والدرجات عند الله تعالى، كأنّما العبدُ لمّا استجابَ لداعي الله تعالى ولم تثقل عليه نفسُه ولم يخلُد للأرض والدّنيا وزينتها وقدّم روحه وماله في سبيل الله تعالى ودفاعاً عن كلمته وعن الحقّ استعاضَ بوجودِهِ المتعلّق بزينة الدّنيا وشهواتها ومتاعها بالرّغبة في الله تعالى وطلبِ وجهه سبحانه، فنالَ معنى الفناء الذي يناله السّالكون بمجاهداتهم لنفوسهم، ينالُ ذلك النّصيب من الفناء والتحقّق عند الله تعالى بقدرِ خلوص نيته، التي خلصتْ تحقيقاً لأهل الفناء لأنّهم ما فنوا إلاّ بموتِ نفوسهم وخروجهم عن تأثير العنصر والتراب إلى صفاء الرّوح وحكمها وهم لا يزالون أحياءً.

وهؤلاء المتحقّقون السّالكون هم أهل النّسبة الحقيقية لله تعالى وهم الرجال على أقدام الصحابة رضوان الله عليهم، حازوا معنى النّظرة النبويّة والسّند الرّوحي والمدد الربّانيّ، أفاقوا على البرءِ من عيوبهم وأدوائهم الباطنية وعللهم النّفسية وتطهّروا منها فهم لا يبغونَ علوّاً في الدّنيا ولا ظهوراً ولا بهم لوثاتُ النّفوس المدسوسة المخبوءة التي تظهرُ عند الفتن والمحن، بل هؤلاء الرّجال تطهّروا من كلّ لوثة نفسية وخلِقٍ دنيّ أصفياءٌ أنقياءٌ أتقياءٌ، صحابة حواريون أنصار الله وأحبابه، ورثة الأنبياء عليهم السلام مؤمونة جوانبهم مدفوعة بوائقهم طاهرة أرواحهم إخوان القرآن، إذا تليَ القرآنُ بأخلاقه المقدّسة فهم أهلُ القرآنِ مصاحفٌ تمشي حقّاً، الإنصافُ مطلبُهم والعدلُ دأبُهم والرّحمة خلُقهم والعلمُ نورُهم والإيمانُ حقيقتهم، أين منهم الذين امتلأتِ الأرضُ اليوم ومن أزمانٍ من الأدعياء والسّفهاء والمتطاولون على الخلْق والمتعطّشون لدماء البشر يسفكونها هدراً، والمتعصّبون لانتماءاتهم القاصرة، والمتحيّزون لرسموهم العابرة، شتّانَ شتّانَ بين هؤلاء وأولئك. لذلك قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم .( بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا ، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ) رواه مسلم
وفي رواية (بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء ، قيل : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : الذين يصلحون إذا فسد الناس .). هؤلاء هم الغرباء الذين هم على أقدام الأوّلين من صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذين يقلّون عند الطمع، ويكثرون عند الفزع. وجاء في الخبر أنّ سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل المسجد ، فوجد سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه جالسا إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي ، فقال له عمر : ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن ؟ هلك أخوك ؟ قال : لا ، ولكن حديثا حدثنيه حبيبي صلى الله عليه وسلم وأنا في هذا المسجد ، فقال : ما هو ؟ قال : إن الله يحبّ الأخفياء الأحفياء الأتقياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا ، وإذا حضروا لم يعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل فتنة عمياء مظلمة ). نعم هؤلاء هم الغرباء الذين يورّثهم الله الأرض، فليس فوق هذا الوصف من سيّد الخلق صلّى الله عليه وسلّم وصفٌ.

فقلنا إنّ هذا الطريق حقيقتُهُ أن يُحاطَ بالعبدِ فلا يجدُ مهرباً ولا مخلَصاً ممّا هو فيه سوى الواحد الأحد سبحانه، إحاطةً من كلّ جانبٍ تُعلنُ حقيقةً عن إرادتِه النقيّة الخالصة الرّاغبة في وجه الله سبحانه، حيث هناك لا يكونُ لهُ من سلاحٍ ولا مددٍ سوى سلاح الاستعانة بالله تعالى والاضطرار الأعظم والفقر المطلق والعجز التامّ بين يدي الله سبحانه، فيتحقّق حقيقة ما قاله الإمام أبو يزيد البسطامي قدّس الله سره "الطريق مسدود والسالك مردود". فتموتُ المشيئة النّفسية والإرادة العنصرية، وهناك يأتيه المددُ من الله تعالى، مدد الرّوح، ويحيا من جديدٍ حياةً أخرى، هي الحياة بالله تعالى وهي المعبّر عنها بالبقاء بالله تعالى فيعوّضه الله تعالى قوّة وقدرة وحياة وإرادةً ومدداً منه خالصاً فيصبح على الوصف الذي جاء في الحديث القدسيّ "إِنَّ اللَّه قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيَّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إليَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إليَّ مِمَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّب إليَّ بِالنَوَافِلِ حَتَى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ." رواه البخاري.
كما قال الحكيم ابن عطاء الله السكندري قدس الله سره : "تحقّق بأوصافك يُمدّك بأوصافه . تحقّق بذلّك يمدّك بعزّه . تحقّق بعجزك يمدّك بقدرته . تحقّق بضعفك يمدّك بحوله وقوّته.". انتهى.

وهذه الحقيقة تلوحُ عند معرفة هذه النّفس، فالنّفس روح عارفة بالله وعنصر وتراب وكثافة، فكلّ عبدٍ هو مزيج بين الروح والنّفس العنصرية الكثيفة، وهذه الرّوح العارفة هي مقام الجمع، حيثُ يعرفُ العبد ربّه ويشهده شهوداً ويكونُ في ذاك المقام حيّاً به سبحانه وباقٍ به، فقال صلّى الله عليه وسلّم "من عرف نفسه فقد عرف ربّه". لأنّه في الحقيقة مرجعُ كلّ شيءٍ إلى الله تعالى سبحانه، فما قامَ شيءٌ بنفسه، فمهما عرفتَ نفسكَ فقد عرفتَ ما أودَعَ الله فيها، إذن فقد عرفتَ حقيقتها التي تقومُ بها، وهناك عند ارتفاع الحجب لا تجدُ إلاَّهُ وحده لا شريك له المدبّر الواحد القيّوم سبحانه، وما من شيءٍ إلاّ ويقومُ بالله تعالى، ولكن اختلفتْ المحاتد محتد كلّ شيءٍ وكلّ مخلوقٍ من ربّه فاختلفتْ حقائق هذه الأشياء، وإلاّ فلا موجود تحقيقاً إلاَّهُ سبحانه. إنّها الحقيقة الكبرى التي يعجزُ عنها الإدراك والاستيعاب.

ولذلك كان الوصولُ إلى الله تعالى، يستوجبُ أن تقطعَ كلّ ما يحولُ بينك وبينه سبحانه، وما يحولُ بينك وبينه هو كلّ شيءٍ، وقِفْ على عبارة "كلّ شيءٍ". فهذا معناه أنّك ستتعرَّضُ لقطّاع الطّريق لتصلَ إلى هذا الإطلاق وهذه الأميّة والتحرّر من كلّ شيءٍ، وقطّاع الطريق هم كلّ شيء، درجاتٍ وراء درجاتٍ، تتراكمُ عليك المعوّقات والمحبطات والمثبطات، كلّما طويتَ أشياء ومستوى، ابتلاكَ الله تعالى بمستوى أعلى من تجليّات الجمال والجلال، فانظُرْ في كلّ شيءٍ، فهي بين الجمال والمنحة وجنسهما، والجلال والمحنة وجنسهما، مستوى بعد مستوى، حتّى تصلَ إلى كمالات الجمال وكمالات الجلال، تُبتلى بهما فإذا صمدَ العبدُ وصدقَ في طلب وجه الله تعالى، هناك يُصبحُ العبدُ الذاتيّ، الذي صحّ له حقّاً وصدقاً طلب وجه الله تعالى، فما فتنه عن الطّريق شيءٌ من الأشياء، ولو وقفَ مع شيءٍ فتِنَ به، مهما كان هذا الشيء، حتّى لو كان مقاماً نورانياً أو علما من العلوم اللّدنية، فالحُجُب ليس ظلمانية فقط، بل الحُجُب حجب نورانية كذلك، وكم سالكٍ سقط مع هذه الحجب والفتن خصوصاً الحجُب النورانية فهي معوّقات السّالكين حينما يتجاوزون مراحل متقدّمة، والسّقوط كما أهل العرفان والتحقيق بالنّسبة لمن يقعُ في الحجب النورانية كالعلم فينشغل به عن وجه الله تعالى، السّقوطُ والفتنة هو التحوّل عن القصد والغاية والوجه المقصود وهو وجه الله سبحانه، أي تتحوَّلُ غاية العبدِ ويقفُ على ذاك العطاء وذاك المقام فيغدو ممتلئاً به باطنُه ومفتونة به نفسُه، فيحولُ بينه وبين وجه الله سبحانه ذلك. وهو شيءٌ ليس بالسّهل أبداً، لأنّ مستوى الفتن تزدادُ مع مرحلةٍ، فيُصبحُ العبدُ يرجو الخلاص من تناوبِها عليه بين الجمال والعطاء وبين الجلال والشّدات والمحن، فإن لم يُثّبته الله سبحانه يُفتنُ، إمّا بالعطاء والجمال والعلم والمقامات، أو يُفتنُ بالشدّة والهول والمحن والزلازل.

وعليه فالرّحلة هي طيُّ النّفس، فمن لم يطوِ نفسَه فهذا غير مأمونٍ، ولا يُنصحُ لهُ بالتصدّر ودعوى الإمامة، اللهمّ فقط إن كان وراءه شيخٌ يقومُ عليه ويوجّهه وخرجَ بإذنٍ صريحٍ منه، ويكونُ مستعدٌّ أن يقفَ بإذن هذا الشيخ لا يخرجُ عن الشيخ قيدَ أنملة، أو إن لم يكن هناك شيخٌ أن يكونَ هذا المتصدّر على فقرٍ مستمرٍّ وتواضعٍ حاضر لا يغيب ومستعدٍّ في كلّ وقتٍ لقبول النّصيحة وشهودِ التقصير في نفسه وعدم رؤية نفسه فوق النّصح وفوق الغيرِ، وإلاّ هلَكَ وأهلكَ غيرَهُ هذا المتصدّر. إنّها حقيقة عظيمة، وكم تصدّر من لم يطوِ نفسه ولم يجعل وراءه شيخاً يعودُ إليه، فأصبحَ من قطّاعَ الطّريق من حيث لا يدري، قاطع لطريقه حيثُ انشغلَ عن لبّ الطّريق وهو طيّ النّفس والوصول إلى حضرة القدس، فبقيتْ نفسُه حيَّةً وهو متصدِّرٌ مفتونٌ بمدح المادحين وملتفتٌ لتعظيم المعظّمين وهو يُلقي عليهم من النّفائس والعلم أو غيره، وقاطع لطريق غيره، لأنّ النّفس غير مأمونة، ولا يصبحُ النّصحُ عنده لغيره خالصاً وصادقاً، ويدخلُ عليه الحسدُ والعُجبُ وطلب الحظوظ، وتتراكمُ عليه الأدواء وتقوى نفسُه وتشتدُّ، فهذا قد صار من قطّاع الطريق، وقد كانَ سالكاً طاوياً كادَ أن يحقّق مراده، ففتنه شيطانه ونفسُه. لذلك أوصوا وشدّدوا أن يكونَ الشيوخ المربّون والمرشدون أهل كمالٍ وتكميلٍ قد طووا نفوسهم مطلقاً. وأوصوا أن يكونَ الظهور بثوب المحمديّة، وهو ثوب الوراثة والكمال والخروج من النّفس وعيوبها.

رغمَ أنّني أطلتُ ولكنّني لم أستوفِ ما أردتُهُ في حقيقة السّلوك، فإذا عرفتَ أنّ الإنسان بين حقيقة نفسية وحضرة قدسية، عرفتَ أنّ الشيطان وإبليس لهُ العلمُ بكلّ حضرات النّفس قبل كمالها وخروجها الى الإطلاق وتحقّقها بصفات الله تعالى، لأنّك ما دمتَ مقيّداً بكثافتك البشريّة وتركيبك العنصريّ ولم تخرج منه  خروجاً كاملاً، فأنتَ مرهونٌ بهذه الكثافة البشريّة وهذا التركيب العنصريّ فيك، وهو ذاتُه لمن علِمَ شيطانُك وقرينُك، لأنّ الكمال هو التحرّر من قيد الكثافة والعناصر، فافهم. فسيُقيمُ عليك قرينُك حرباً شاملةً يقودُها إبليس، لأنّك في طريقك للتحرّر من هذه الطبيعة العنصرية، فهي بطبيعتها تُدافعُ عن وجودها فيك، فهذا هو قرينُك وهو حربٌ الشيطان عليك وهو ركونُ نفسك لمقتضيات الطّبع، ولماّ كان الإنسان مخلوقاً على الصورة، فقد صارَ الخروج عن مقتضيات الطّبع والعنصر والكثافة هي الخروج عن الأكوان، وبالتّالي فكلّ ما في الأكوان سيتعرَّضُ لك وتُبتلى به، ليُنظَرَ في حقيقتك هل أنتَ صادقٌ في إرادتك الخروج من هذه الأكوان وهذه الطبائع العنصرية القائمة فيك ؟ وعليه فكلّ شيءٍ هو غيرُ وجه الله سبحانه، لأنّ الله ليس كمثله شيءٌ، ومنهُ تجلّت الأشياء، فقد صارَ طريقُ العبد إلى الأميّة التي هي الذاتية والتحرّر من كلّ شيءٍ والتعلّق به. ولهذا كان الجهادالأكبر هو جهادُ النّفس وأهوائها، لأنّ طيّ النّفس ومعرفتها هي طريقُ معرفة الله سبحانه. والتحقّق بالكمالات والصورة التي خلق الله عليها الإنسان. هناك إذا تحقّق وعرفَ نفسه وطواها يصبحُ الإنسان الكامل، محمّد زمانه. إذ الإنسان الكامل هو سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم. فلا أكملَ منهُ فاعلمِ. فقد جعله الله حقيقة الصّورة. صورة العبودية المثلى والكمال الأعلى. وعلى هذه المحمديّة الكاملة يخرجُ الإمام المهدي عليه السلام. ذلك أنّ الإمام المهدي هو الوليّ النبيّ الرّسول، فهو أحمد بالأصالة في مقام الولاية والأحمدية، وهو محمّد كذلك لحقيقة الأكوان. فكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خاتماً لمقام العبودية ومنه خاتماً للكمالات الإلهية الإنسانية، وكان المهديّ خاتماً لمقامِ العلمِ والذاتية والولاية وصاحبُ هذه الكمالات الإلهية والإنسانية بالأصالة والعين لذلك يخرجُ حاكماً بالعدلِ مقدّساً للأرضِ من دجّالها وشرّها، فيُعطي أثرَ الإسم الأعظم في تجلّيه الكونيّ.

يتبع ..

الخميس، 26 ديسمبر 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 59



سألني سائلٌ لم أفهم قولكم : حكم المهدي ذاتي أسمائي وحكم المسيح روح الله عليه السلام صفاتي. ولماذا لا يقتلُ المهدي الدجّال عليه خزي الله ولعنته.

فقلتُ أجيبُه هنا لتوضيح هذه المسألة توضيحا يدفعُ الإشكال ويفتحُ الأقفال.

إنّ المهدي هو الخليفة، ومقامه هو الذات الجامعة، هو الإنسانُ الكبير، هو الروح الأعظم، هو آدم الحقيقيّ وآدمُ الأوّل الذي خُلِقَ آدمُ على صورته.

هو النَّفسُ الأولى، قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءًا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]. الآية هنا معناها محمولٌ على آدم الذي خلق الله منه حواء وهي زوجه ثمّ بثّ منهما رجالا كثيرا ونساءا. ولكن للآية معنى إشاريّ بطونيّ علميّ آخر أشارَ إليه بعض العارفين بالله تعالى. ولأنّ للنّصوص المقدّسة وخصوصا كلام الله تعالى المعظّم، له ظاهر وباطن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل آية منها ظهر وبطن؛ ولكلٍّ حد ومطلع» [التمهيد لابن عبد البر] . وقال ((ما نزلت عليّ آية إلا ولها ظهر وبطن، ولكل حرف حدّ، ولكل حدّ مطلع)) رواه الطحاوي والبغوي وأويعلى وابن حبان وأبو عبيد وقال ابن عبد البر في التمهيد صحيح.

فلكلّ آية من كلام الله تعالى ظهر وبطن وحدّ ومطّلع، وقد قال العارف بالله الجيلي قدس الله سره إنّ للنّصّ سبعة بطون، تماماً كما هو البطون له سبع طبقات. كما هي سبع سماوات. وهي كلّها تقابل الإنسان من حيثية ما، والله أعلم.
وعليه فنقول أنّ بعض العارفين بالله قالوا أنّ النّفس الأولى هي آدم الحقيقيّ (أي الخليفة) وهو الذي أسجد الله بسببه الملائكة لآدم، بسرّ الخليفة، فهي النّفس الأولى الكاملة العالمة، والإنسان الأوّل الذي خلق آدم على صورته، العبد الذي خصّه اللهُ بنزول الكتاب قبل نزول القرآن على الخلفاء من أفراد بني آدم. وقوله {خلق منها زوجها}، أي خلق منه مقام الفرق وهو آدم الثاني أبو البشريّة في مقام فرقه، ثمّ علّمه الأسماء وردّه إلى مقام الجمع وتحقّق بالصّورة وأسجد له الملائكة. والسّجود إنّما وقع بنفخة الروح فيه، فهي السرّ في الإنسان مطلق الإنسان، والإنسان مخلوق على الصورة بنفخة الروح فيه وما أودع الله فيه من أسرار البطون والظهور. وإنّما كان مقام الجمع هو الرّوح المحمدية الجامعة المسمّاة أحمد، روح سيّدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم ومقام الفرق هي مقامات الناس المختلفة في فرقهم قبل بلوغهم مقام الجمع والكمال. ومن النّاس اصطفى الله الخلفاء وجعلَ فيهم القابلية والإستعداد الذاتيّ لقبول هذا الكمال والرّجوع إلى مقام الجمع، فمنهم الأنبياء اصطفاءً وعصمةً، ومنهم الأولياء اصطفاءً وحفظاً، وخصوصا أولياء الأمّة المحمدية الذين خُصُّوا بالخصوصية الأحمدية بفضل خصوصية نبيّهم الخاتم سيّد ولد آدم سيّدنا محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

وعليه فالنّفس الأولى تحقيقاً هي العقل الأوّل أو القلم الأعلى أو الرّوح الأعظم الذي هو روح سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلّم والذي هو عين الخليفة والختم.

هذا الإنسان الكبير والخليفة ما مثّل إلاّ إسم الله تعالى بسرّه، لأنّه عينُ الإسم الذي ظهرت به الكثرة. ولكنّ الكثرة في حضرة إسم الذات هي عين الوحدة والذات، إذ الكثرة لا تبرزُ إلاّ بحضرة الصفات والآثار والأكوان، والأسماء هي أسماءُ الله الحسنى فهي دالّة عليه وحده سبحانه لا شريك له، فلا تعدّد في الحقيقة، وإنّما التعدّد اعتباري، بدأ بدائرة الحدوث والأكوان.
ففي مقام الذات والإسم الأعظم الله ، تنمحي الأسماء ولا يبقى لها غيرية إلاّ باعتبار العلم المنطوي في إطلاقها وكنهها وغيبها المطلق. فمقام الذات هو مقام الأحدية ومقام العماء، وكنه الذات الجامعة لماهية الحقائق. عند ارتفاع الإضافات الثابتة والاعتبارات الحادثة لا يبقى إلاّ هو وحده لا شريك له في أحديّته وعمائه وكنه ذاته المتجرّد عن الإدراك، إذ الذات تجلّت منها سائر التجليّات والاعتبارات والإضافات والحوادث. فهذا هو سرّ المهدي، سِرّهُُ أحديٌّ، فهو المطهّر عن الأكوان كما وصفه بعض العارفين بالله، وهو كذلك فهو الحقيق بهذا الوصف بإطلاقه وسرّه الخالص، وبولايته الأصالية فيه. وهو العبدُ قبل نزول الكتاب، وهو الإمام المبين الذي أحصى الله فيه كلّ شيء. فلذلك كان خارج التصنيف والترتيب وكما قال الشيخ الأكبر قدّس سرّه "زال بختمه عن مرتبته". لأنَّهُ لا يُعبِّرُ إلاّ عن الأحدية، فإشهارُهُ وإشهارُ مرتبته ينقُضُ الحكمة التي قامت عليها الأكوان، والصورة التي اصطفى الله لها الإنسان.

أمّا النبيّ الأميّ صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه، فهو العبد الذي خصَّهُ اللهُ برتبة الكمال التامّ عند تجلّي الكثرة، فهو العبدُ الحجاب على الله تعالى، لمّا أرادَ الله تعالى أنْ يتنّفسَ من أحديّته وكنزيّته، كما نقولُ تنفَّس الصّبحُُ، واصطلاح التنفّس ذكره الشيخ الأكبر، وهو نفيس، لأنّ المصطلح ورد على لسان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بقوله : "إنّي لأجِدُ نفَس الرّحمن من قبل اليمن". فلمّا أراد الله تعالى أن يتنّفس من كنزيّته وعمائه ليوجدَ الخلق ويعرِفوه، أوجدَ نسبةً بينه وبين خلقه، هذه النّسبة هي إسمُ الرّحمن (هذا الوقوف هو نوع شرح وإلاّ فالأسماء والعلم قديم ولكنّ الحقائق العليا صفتُها أنّها اعتبارية حينما تنزلُ إلى عالم الحدوث فيعجزُ الحدوث أن يستوفي معانيها التي تعالت عن الزّمان والمكان والتبعيض، فافهم) فقلنا اسم الرحمن : إسمٌ جامعٌ للأسماء، به رحِمَ الله الأسماء من كنز العماء ومن أحديّة الذات، فظهرت آثارها في الأكوان، وصارَ إسمُ الرّحمن هو الإسم الذي به تنفّس اللهُ تعالى، فهو كالأمّ والرّحم لباقي الأسماء غير إسم الله تعالى، لأنّ إسم الله هو الإسم الأوّل الدّال على الذات الجامع المحيط، ((
ولاحظ في اسم الرحمن لفظة الرحم، وهو الرّحم : ن، كما في لفظة القرآن لفظة قرأ : ن)) وكان إسم الرّحمن هو الواسطة لإسم الله تعالى والحجاب دونه، به ظهرتِ الأكوان والحوادث والخلائق، وخصوصية إسم الرّحمن هو في كونه إسم ذاتيّ فهو المدخل على إسم الله تعالى وواسطة التعريف به، وصفاتيّ لأنّه نقطة بداية تجلّي حضرة الصّفات والأكوان ونقطة بداية الزمان والمكان، ونقطة القسمة والفيض على الحوادث. وهذا الذي نذكرُهُ هنا من أنفس العلم والتحرير إن شاء الله تعالى في حقيقة الخليفة الختم وحقيقة النبيّ الخاتم عليه الصلاة والسلام. ولذلك خصّ النبيّ الخاتم صلّى الله عليه وسلّم بنزول القرآن، الذي يعني التحقّق بالذاتية والسذاجة الذاتية لقراءة كتاب الوجود المتجلّي من الواحد الأحد المعبود. ولهذا قال أهلُ العلم بالله أنّ القرآن أحدية وذاتٌ محضٌ، لأنّك به تقرأُ كلّ ما يتجلّى الله به من عمائه، ويُصبحُ العبدُ بنزول القرآن عليه فرداً وليّاً، متحقّقاً بالولاية كاملةً، وراجعاً للنّفس الأولى. وكلّهم أي هؤلاء الأفراد المطّهرون القرآنيون ورثة للمطهّر القرآنيّ الأوّل الذي خصّه الله بالأصالة بهذه العبدية والواسطة والرّحمانية المبعوث رحمة للعالمين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فهو الكاملُ الأكملُ في الخلق والمكمِّلُ لهم تحقيقاً. فخُصَّ بالأصالة بكونه خليفة إسم الرّحمن الذي تنفّسَتْ به الذات بتجليّاتها. فهذا هو خليفة إسم الرحمن والنبيّ بالأصالة في أمّ الكتاب، وهذا هو معنى الإنباء والنبوّة، أنّ إسم الرّحمن اختصّ بإنباء حقائق التوحيد والواسطة إليها عند جميع الخلائق والحوادث التي رحمت به، في نقطة البداية إذ نقطة البداية كما سبق أن قلنا هي الرّحمة، فالرّحمة هي السابقة لكلّ شيءٍ. فالنبيّ هو خليفة إسم الرّحمن، والمهدي الوليّ خليفة إسم الله تعالى، صاحب السرّ المكتوم الوليّ بالأصالة.

فهذا هو مقام النّفس الأولى، فهو بالنّسبة للمخلوق رجوعٌ للإسم الواسطة الذي ظهرتْ به الكثرةُ (اسم الرحمن)، فهو إسم ذاتيّ له وجهٌ إلى الذات (إلى إسم الله تعالى). رجوعٌ إلى النّفس الأولى. وهو إسمٌ صفاتيّ من كونِ المخلوق حقيقتهُ صفاتية حتّى لو بلغَ مُنتهى الكمال والتطهير عن الأكوان وتحقّق بالصفّات الإلهية ورجع إلى البقاء بالله تعالى، فهو باقٍ بالله تعالى وهو مهما استغنى فغناهُ بالله تعالى، بخلاف صاحب النّفس الأولى والخليفة صاحب السرّ الأحديّ، فهو ذاتيّ بالأصالة، فرجُوعهُ إلى إسم الله بالذات والخلوص، بل ما خرجَ عنهُ أي ما خرج عن إسم الله أصلاً حتّى قبل كماله وتحقّقه بالصّفات الكمالية في عالم الصّفات، لأنّه وليٌّ بالأصالة وجامعٌ للأضداد، فمولدهُ بمكّة العماء وولايته أصلٌ. فهو الوليُّ صاحبُ المرتبة التي إليها يرجعُ الجميعُ أنبياءً وأولياءً، لذلك فهو الختمُ الخليفة. فلا يظهرُ إلاّ في آخر الزمان ليُعيد الأرضَ إلى قدسيّتها ويختمَ خزانة الوجود الإنسانيّ والجود الإلهيّ الذي كان قائماً به أصلاً. فهو الظاهرُ بالأعيانِ والممكنات والكائنات، هو عينُ الأوّل الآخر الباطن الظاهر.

فيتقلَّبُ في الأضداد، لأنّهُ يُمثِّلُ حضرة العماء، والكنه الجامع لماهية الحقائق، فهو يتلوَّنُ بتلك الحقائق، يراهُ الآخرون على الظاهر المتلوّن والمتقلّب ويحسبونه على شاكلتهم وشاكلة الآخرين، ولكنّه متفرِّدٌ في عمائه وغربته وأحديته وجذبه، يتقلَّبُ في الأضداد، ويرتقي علماً ونوراً وسلوكاً وإسراءً إلى الله تعالى
والمخلوقات لا يشعرون به، ولا يدرون عن سرّه، ولا يخطرُ ببالهم هذا العلم الغريب العالي العجيب، وهذه المرتبة لعنقاء مغرب الأسطورية في وجودها، موجودةٌ إسماً معدومةٌ عيناً، فلا يخطرُ ببالهم ذلك أبداً. فهذا علمٌ يعلمُه العارفون بالله تعالى، بقيَ مكتوماً عن غيرِ أهله لا يعلمه سوى الأمناء في الأزمنة السابقة. ولكنَّهُ في آخر الزمان يبدو بعضُهُ بحكم ظهور أو قرب ظهور صاحبه. وطبيعة آخر الزمان العلمية الإفشائية.

فكان تحقُّقُ المهدي في عمائه وجذبه، لامسَ عالم الأسماء فقط، بحكم أنّ إسم الذات (الله) متعلّق بالأسماء لا الصّفات في عالم العماء فالأسماء متضمّنة في الذات بُطوناً، إذ هي عينُها في ذلك المستوى كما سبق أن ذكرنا، ولامسَ تحقُّقُ المهدي عالمَ الأسماء كذلك بحكم أنّ الإسم له وجهين ، وجه للذات فهو الذات بذاتها وأحديّتها، ووجهٌ آخر للأكوان وآثاره فيها وهناك بهذا الوجه الثاني يتميّز الإسمُ بكونِه إسماً مختلفاً عن باقي الأسماء وله خصوصيته الخاصّة به.

فكان حكمُ المهديّ الخليفة عند بيعته يعكِسُ خلافة جذبه ورحلة إسرائه، ويعكِسُ مقامه ورتبته الذاتية المتعلّقة بالأسماء،  أي أنّ الحُكم العمائيّ الوِلائيّ "ذات أسماء"، كما كان يتقلَّبُ أثناء جذبه في الأسماء والأضداد. وكما هو الإسم الأعظم "الله" إسمٌ جامع للأسماء خارج الصّفات.  ولمّا كان المجذوبُ لا يكمُلُ ولا يدخلُ دائرة التقديس والصّمدية إلاّ بالتحامه بالرّوح، التي هي روحه، وهو روحُ القدُس هناك  يُقالُ لهُ
:   {ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}. التكوير/20-21.
فقد صارَتِ خلافة المهديّ أوّلاً ذاتية عمائية وهو في جذبه وإسرائه وكانت هناك رحلة جهاده، وعدله الذي أعطى الحقائق الأسمائية حقّها بسذاجته الذاتية وتقلّبه فيها، إذ هو ذلك التقلُّبُ هو عينه الدّال على هذه الذات التي جمعت ماهية الحقائق والأضداد بالفعل والسجيّة والسذاجة ومن غير تكلّف أو قوّة في هذا العبد، خلاف غيره الذي ما ظهرتْ حقائقهم في الأرض والسماء إلاّ بالقوّة والتحقّق وتحقيق شرائط الولاية، وفي هذا العبد ظهر ذلك عليه بالفعل التلقائي وبالسذاجة فدلّ على مرتبته وحقيقته السّاذجة ولطيفته الذاتية التي قامت فيه. فكان الختم المعظّم والإمام المقدّم على الجماعة. فافهم هذا الكلام المحقّق النّفيس.

فقلنا كانت خلافته ذاتية أسمائية أعطت العدل التامّ الكامل، ثمّ لمّا نزل الرّوح على قلبه والتحمَ به، وهو عينُ الرّوح وإنّما لمّا خرج من التركيب العنصريّ وتأثير الكثافة البشريّة والطباع العنصرية فيه، صار إلى مقامه الأعلى، فتسوّدَ ذلك الهيكل الإنسانيّ على غيره ممن تقدّم أو تأخّر من أشكاله، لأنّه صاحبُ الرّوح بالأصالة والقائم بأمر الله، وأمرُ الله هو الرّوح الأعظم، فلمّا تحقّق الجسدُ، واستوى ماتَ دجَّالُ الكثافة البشرية الذي هو السّامريّ، وإنّما مات بخروج المهدي عن طبائعه العنصرية والتحامه بروحه، فانعكس ختامُ مسيرة المهدي بنزول النبيّ المؤيّد بروح القدس المسمّى روح الله المسيح ابن مريم عليهما السلام، فقتل المسيح ابن مريم الدجال، الدجال البشريّ، وإنّما قتله المهديّ بتحقّقه والتحامه بالرّوح، روح القدس بالأصالة قبل ذلك، فافهم. فتعلَّقَ حُكمُ المهديّ بالأسماء والرّوح، وختاماً نزل المسيح على الأرض، لأنّ تحقّق المهدي والتحامه بالرّوح في الحقيقة أعطى المرتبة لصاحبها، والإنسانُ أعلى درجةً ورتبة من الرّوح كما سبق أن ذكرنا، لأنّ الإنسان له الرّتبة الآخرية في الظهور والكثافة، فكانت له الرّتبة الأولية في السرّ، لذلك تفهمُ اختراق الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلّم سدرة المنتهى ووقف الروح الأمين هناك، لأنّ مقام العروج هو العروج لسرّ الرّوح، فكان الإنسانُ هو صاحبُ رتبة السرّ، له الأولية لأنّه له الآخرية، وتوسّط الرّوح والملائكة بين الأولية والآخرية، فافهم هذا الذي نقولُه.
 فلمّا نزل الرّوحُ على المهدي، الذي هو روحه بالأصالة، بَطُنَ المهديّ لأنّ له مرتبة البطون والإمامة العليا، وأخذ الإنسان الرّتبة والسيادة العليا، وعادتِ الأمورُ إلى نقطة بدايتها، أي انعكسَ ذلك في خلافة الظاهر لمّا نزل المسيح ابن مريم ، انعكس ببطون المهديّ وظهور المؤيّد بروح القدس نبوّة وصفاتٍ، فصارَ القائدُ للعرش هو المؤيّد بروح القدس النبيّ عيسى عليه السلام، وصار الإمامُ الأعلى الباطن هو صاحبُ العرش بذاته أي المهديّ، فافهم هذا التحقيق الخافي الصَّعبُ فهمه، الشاهد أنّ المهدي هو صاحب الرتبة الشريفة الأوّل بسرّه الآخر بظهوره وعرشه، ولذلك صلّى المسيح عليه السلام خلف المهديّ إعلاناً لهذه الحقيقة أنّ البطون والأوليّة والإمامة هي لصاحب الرّوح أصالةً، وأنّ روح الله عيسى عليه السلام هو المؤيّدُ بروح القدس صفاتٍ ونبوّة فقط. وهناك قتلَ روحُ الله الدجالَ الذي هو من عالم الصّفات. فهذه حقائق.

يتبع ..


الاثنين، 4 نوفمبر 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 58



- 58 - 

قال سبحانه {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدً}.

فلمّا أوى الفتية إلى الكهف، أوَوْا إلى كهف الحقيقة لترقّي عقولهم عن الوهم الذي يتداوله النّاس بينهم، الوهم في طبيعة المعاملات ودوافعها ومخارجها، فإنّك تكونُ مشغولاً بعملٍ أو نوع حياةٍ أو تجارةٍ أو نوع شُغلٍ، فإذا بك تصطدِمُ بحقيقةٍ تلوحُ لكَ عن هذا العمل والشغل والاهتمام الذي كنت تدمنه وتتفاعل معه فتغدُو بعد ذلك متحاشياً له راغباً عنه زاهداً فيه، كأنّك اكتشفتَ فيه شيئا أسقطه من عينك وأخرجه من قلبك، فسبحان مقلّب القلوب. عن شَهْرِ بْنِحَوْشَبٍ قَالَ قُلْتُ لِأُمِّ سَلَمَةَ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ عِنْدَكِ؟
قَالَتْ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ (يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاأَكْثَرَ دُعَاءَكَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ؟ قَالَ (يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ!)
فَتَلَا مُعَاذٌ {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}

فالقلوب بين إصبعين من أصابع الله، بين لَمَّتين لَمَّة الملك ولمّة الشيطان، لمّة الرّوح ولمّة العنصر والطبيعة الترابية والنّزغات النّفسية، فلمّا أوى الفتية وقد اعتزلوا ما يعبد النّاس من دون الله، فوصف الله حالهم في الكهف، فقال ترى الشمس تَّزَاورُ عن كهفهم، كهفهم أي ذواتهم وعوالمهم وأبدانهم، تزاور ذات اليمين، والازورار هو الميل، والشمس هنا المقصود بها شمس الرّوح، شمس الحقّ سبحانه، إذ دخلوا حضرة الجذب لحضرة الله سبحانه، فكانت الشمس ونور الحقّ يزّاور عنهم ذات اليمين أي يميلُ إليهم ذات اليمين، وذات اليمين أي أنّهم يميلون إلى الحقّ والفضيلة والخير ولطافة الرّوح العارفة العابدة لذلك وصف الشمس بالازورار والميلان من جهة اليمين، بينما وصف الشمس بالقرض ذات الشمال، أي تقطعهم عندما يميلون إلى جهة العنصر والتراب والنّفس، فذكر هنا اللّمتين التي يترواحُ فيها هؤلاء الفتية لأنّهم في كهف الذات، حيث الجمال والجلال منه سبحانه، وما من تجلٍّ إلاَّ منه سبحانه، ولأنّهم مرادون للخلافة الكليّة فظهرتْ عليهم الأحوال في تقلّباتها ذات اليمين وذات الشمال، فقال و هُم في فجوةٍ منه، أي في متَّسعٍ في كهفهم لم تسكُن قلوبهم لجمالٍ أو جلالٍ، قلوبهم في فجوةٍ من الازورار والقرض، في قبضة الملك الديّان سبحانه، يتعهَّدُها. ثمّ تلا ذلك قوله : ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدً. فتأمّل يرحمك الله تعالى كيف ذكرَ معنى الحديث الشريف السّابق في تقلّب قلب العباد بين إصبعين من أصابع الله تعالى، وأنّ الهداية بيده سبحانه والإضلال بيده سبحانه. فمن والى الله واهتدى بهديه فهو هاديه فهل مضلٌّ لمن لاذ بالله سبحانه ؟ أم من استغنى ونكص على عقبيه وأخذته العزّة بالإثم فمن يهديه بعد إضلال الله له ؟ ذلك من آيات الله. فكانت هذه الآياتُ تصِفُ بالدقّة حضرة المهدي المجذوب وتقلّبه في الأضداد، فهو الخاتمُ الفتى والأصلُ الجامع بين الأضداد، الظاهر بجميع الحضرات حضرة أهل اليمين وحضرة أهل الشمال وحضرات السّالكين ثمّ حضرة التقديس وأهل الكمال عند كماله وتمامه. الجامع لفصوص الأنبياء جميعاً، فهو الخليفة الوليّ النبيّ الرّسول، والجامع لفتوّة الفتيان، ومسالكهم، الظاهر بها المتقلّب فيها السادّ لثغراتها جميعاً، حتّى يكمل فيكون الأصل العالم الواحد الأحد السيّد الصّمد.

و لا عجبَ، فسورة الكهف قراءةُ بداياتها هي المانعة ضدّ الدجال والعاصمة من فتنته كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، والمهدي هو الرجل الذي يخرج الأرض وأهلها من فتنة الدجالوينقذهم منها. وهنا جديرٌ أن نضع نقلاً سبق أن وضعناهُ عن الخاتم في تركيبه العنصري وفترة جذبه وتقلّبه في الأضداد كما هو الأصلُ، قال الشيخ الأكبر في كتاب الفصوص في كلمة شيثية ((وهذا العلم كان علم شيث عليه السلام وروحه هو الممدّ لكل من يتكلّم فيه مثل هذا من الأرواح ما عدا الخاتم فإنّه لا يأتيه المادة إلاّ من الله لا من روح من الأرواح، بل من روحه تكون المادة لجميع الأرواح وإن كان لا يعقل ذلك من نفسه في زمان تركيب جسده العنصري. فهو من حيث حقيقته ورتبته عالم بذلك كله بعينه، من حيث ما هو جاهل به من جهة تركيبه العنصري. فهو العالم الجاهل، فيقبل الاتّصاف بالاضداد كما قبِلَ الأصلُ بذلك، كالجليل والجميل، وكالظاهر والباطن والأول والآخر وهو عينه ليس غير. فيعلم ولا يعلم، ويدري ولا يدري، ويشهد ولا يشهد.)) انتهى.

فذكرَ أنّه يقبلُ الاتّصاف بالأضداد في مرحلة جذبه كما قبل الأصل ذلك وهو عين الأصل لا غير. والأصل هو الله سبحانه الذي تجلّى بالجمال والجلال سبحانه.

عَنْ عُبَادَةَ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنِّي قَدْ حَذَّرْتُكُمُ الدَّجَّالَ حَتَّى قَدْ خَشِيتُ أَنْ لا تَعْقِلُوا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ رَجُلٌ قَصِيرٌ أَفْحَجُ أَدْعَجُ أَعْوَرُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ لَيْسَ بِنَاتِئَةٍ وَلا حَجَرًا فَإِنْ أُلْبِسَ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَإِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا».


فقوله صلّى الله عليه وسلّم إنّكم لن تروا ربّكم حتّى تموتوا، أي لا تحلم ولا تتوقّع أيّها العبدُ أن ترى الله قبل أن تموت، وفي هذا الحديث الشريف المروي من عدّة طرق، الواردة فيه هذه العبارة : وَإِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا. من جوامع الكلِم، أوَّلُ ما فيه عصمة أمّته من فتنة الدجّال الكذاب الفتنة الكبرى إذا ظهر بخوارقه ودجله الأكبر وله تأييد من الشياطين والعفاريت والسّحر والتكنولوجيا، فيفتن النّاس أعظم فتنة مدّعياً فيهم الربّوبية والألوهية. وهو الكذَّابُ الأعور الدجَّالُ المفسد في الأرض، صورة الدجل والشرّ والعور، عين المادّة وعين النّفس طافيَ البصيرة، لذلك هو أعور، أي له عينٌ واحدة هي عين المادّة والنّفس وليس له عين الرّوح والبصيرة. لأنّ الإنسان الكامل حقّ وخلق، فالدجّال هو صورة الإنسان الأعور المفصول عن مدد روح القدس المبتور عن حضرة الألوهية الجامعة، المفصول عن حضرة الجمع والواحدية والأحدية. وما ظهرَ هذا الدجّال وبفتنته الكبرى التي لم تعادلها فتنة في تاريخ البشرية إلاّ بتجليّات الخليفة، لذلك ما تصدّى لهُ إلاّ الخليفة. فافهم. ولهذا كان الذي يقتلُ الدجّال هو مقلوبه أي الإنسان المؤيّد بروح القدس ورمز روح القدس نبوَّةً، وهو المسيح بن مريم عليهما السلام، فالدجال مقلوب ومعكوس المسيح روح الله عليه السلام. لذلك ما سلّطَ الله عليه إلاّ المسيح روح الله ليقتله قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: ((لم يسلط على قتل الدجال إلا عيسى بن مريم عليه السلام)). رواه أبو داود.فالحقائق تصرِّحُ بذلك. فهنا حقائق وسنعود لها.
فقال صلّى الله عليه وسلّم : إنّكم لن تروا ربّكم حتى تموتوا، أي رؤية الله ليست واقعة إلاّ في الآخرة فقط في العموم، إلاّ من ماتَ موت الفناء الأكبر في الدّنيا فشهد الدّنيا والآخرة والحقائق على ما هي عليه وعرف الله سبحانه حقّ المعرفة، وهم أهلُ الفناء الأكبر والبقاء بالله تعالى، فهؤلاء ماتوا، ماتت نفوسهم وخرجوا عنها مطلقاً، فنوا عن نفوسهم في الله فهم بالله باقون، وهم أهل الكمال وأهل الكشف الأكبر. أكابر القوم والعارفين بالله تعالى. أمّا غيرُهم ممّن لم يمتْ ولم يفنَ عن نفسه، فهذا فليحذرْ أن يخدعه الدجّال بتلبيساته، فإنّك لن ترى الله حتى تموت، أو حتى تنتقل إلى عالم الآخرة وهناك كما قال الله تعالى {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)} سورة ق. ثمّ أعطاك علامةً إذا التبس عليك الأمر أنّ ربّك ليس بأعور، والدجَّالُ جعله الله أعور العين، ليُعلمَ أنّه الطافي العين والبصيرة الكذاب، المقطوع عن حضرة الألوهية الجامعة، وإنّما كان ظهوره من حقائق التجليّات الإنسانية في الأرض، فافهم. فهو صورة الإنسان الكبير مفصولٌ عن حضرة الجمع والواحدية، ما عبّرَ إلاّ عن الخلقية والمادة فتظاهرَ هذا المسخ المفتون الدجال مع إبليس، وإبليس هو روحه وممدّه لفتنة الخلق والنّاس وادّعاء ما ليس له.

فإذا قلنا أنّ الخليفة المهدي هو المظهر الذاتي الذي يظهرُ فيه الله تعالى، فهذا كلامُ الحقائق المكتوم، بل الدجَّالُ علامةٌ من العلامات الدّالة على حقيقة الإنسان الكبرى وأنّه صاحب الصورة، وأنّ ثمّة خليفة هو صاحب المظهر الذاتيّ وإلاّ ما تجلّى هذا الدجَّالُ بهذا العلم الماديّ وهذا التدجيل وهذا السّحر وهذه الخوارق الكبرى الفاتنة التي ضاهت معجزات الأنبياء، وهي ممدودة من المادّة والعلم الماديّ والسّحر والتدجيل والعفرتة والشيطنة وليست من جنس معجزات الأنبياء عليهم السلام المؤيّدة بروح القدس ، فافهم. ثمّ انظُرْ متى ظهرَ الإمام المهدي ؟ فقد ظهرَ في مواجهة الدجّال وظهيره إبليس بفتنتهما الكبرى هذه، فما ظهرَ هذا الإمام الأعلى إلاّ في زمنِ الدجّال المدّعي ما ليس له. إنّما ظهرَ ليدفع تدجيله وفتنته وخوارقه الزائفة وينقذ الأرض منه ومن كذبه ويردّ المرتبة لصاحبها ولإتمام عالم الحقائق المتجلّي من أسمائه إلى آثاره على الأرض، ويقدّس الأرض من شرّها مطلقاً، ولذلك كان ختام حكم المهدي هو نزول المسيح روح الله عليه السلام، فيقتلُ المسيح ابن مريم عليهما السلام الدجال. ويخلّص الأرضَ منه، ولماذا لا يقتلُ المهدي الدجّال ؟ فقد ذكرنا وجهاً من سبب ذلك وهنا حقائق وعلمٌ كبيرٌ، تعلّق بالمراتب والمنازل والحقائق. فالمهدي مقامُه الخلافة الذاتية، والخلافة الذاتية حكمُها متعلِّقٌ بالأسماء. فإسمُ الله، هو الإسم الجامع للأسماء، وهو باطنُ الصّفات. أي بمعنى آخر، إسمُ الله حينما يتجلّى تتجلّى معه الأحدية والواحدية. فيتجلّى البطونُ للظهور، فيُعطي الإسم الأعظم الله، وإسم الله كما قلنا هو العلَمُ على الذات، والذات هي الجامعة لحضرة الأسماء. وهنا علمٌ دقيق، صعبٌ تمييزُه هكذا بلا خلفيات. ولكن ما نقولُه أنّ إسم الله هو إسم الذات، وفي الذات الأسماء هي عين الذات. هذا في مستوى، وفي مستوى آخر، في عالم الأرض والتجليّات، فحكمُ المهدي تعلّقَ بالأسماء، (ذات أسماء) متخطّياً حضرة الصّفات، ففي عالم التجليّات والأرض، نقولُ ذات ثمّ صفات ثمّ أسماء. بهذا الترتيب. لأنّ إسم الذات "الله"  توسّط لديه إسم الذات الصّفاتي "الرحمن" فظهرت الأسماء وآثارها في الأرض فافهم، لذلك فهي ذات صفات أسماء بهذا الترتيب. أمّا في عالم العماء فالأسماء هي عين الذات، فالأسماء متضمّنة في الذات بأعيانها العلمية، فلا وجود إلاّ للواحدية الإلهية، والواحدية هي مظهر الألوهية من حيث الوحدة والكثرة. فمن حيث الوحدة ذات ومن حيث الكثرة أسماء. فحكمُ الخليفة هو حكمُ الله في الأرض، فهي خلافة الله في أرضه، وبالتاّلي فهو حكمٌ ذاتيّ أسمائيّ، وعالَمُ الأسماء هو العدلُ، لأنّه يُعطي كلّ إسمٍ حقّه ومرتبته وحكمه، لذلك يظهرُ المهدي بالعدل المطلق التّام، كأعدل ما يكون فيملأُ الأرضَ عدلاً. ولهذا نجِدُ مجموع أحاديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حينما تتحدّث عن حكمِ المهدي تتحدّث عنه بصفة العدل، رجلٌ يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت من قبله ظلما وجورا. فافهم. فهذا حديث جامع الكلم صلّى الله عليه وسلّم، ولا يَفهمُ معنى العدل الكامل في الأرض إلاّ أهل الله أهل التحقيق من القوم، كما هو تصريحُ أعلمهم بالله تعالى رسوله صلّى الله عليه وسلّم فوصف المهدي بالعدل والقسط، فيفهموا أي هؤلاء العارفين بالله مرتبة المهدي وأنّه صاحبُ الأسماء، صاحب جمعية الأسماء، وليس جامع الأسماء سوى إسم الذات الله. فافهم. فلذلك أعطى الأسماء عدلها في التجليّات، قال الله تعالى {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ} سورة الملك. فارجِعِ البصرَ كرّتين في الأكوان وفي خلق الرّحمن فهل ترى من فطورٍ ؟ ارجِع البصر ينقلب إليك البصرُ خاسئاً خائباً وهو حسيرٌ كليلٌ أن يرى تفاوتاً أو فطورا أو قصورا، سبحانه الخالق المبدع العادل المنظّم الذي خلق فسوّى وقدّر فهدى وأعطى كلّ شيءٍ قدره وعدله واعتداله في اتّساق رهيب بديع وفي حكمة لا نهاية لإدراكها وإدراك غورها. فهذا حكمُ الله وتجليّاته سبحانه، وكذلك حكمُه إذا ظهرت خلافته في الأرض في آخر الزمان فسترى العدل المحكم التّام المطلق حتّى تمتلأ الأرض بعدله في الأرض. فتكونُ مرحلة حكمه كأنّها جنّة من العدل والرّحمة والخير والرفّاه.
فقلنا كان حكمُ المهدي ذاتيّ أسمائيّ، وعالَمُ الأسماء في الفرقِ -أي من حيث الحقائق الفرقية منقطعة عن حضرة الجمع والوحدة والذات- هو عالمُ إبليس، لذلك كان إبليس عدوّاً للخليفة، فافهم، ألا ترى أنّ عداوة إبلس قد أعلنها الله حينما خصّ آدم بالخلافة الأسمائية وعلّمه الأسماء كلّها ؟ فإبليس عادى الخليفة، عادى أن يكونَ الإنسان هو حامل سرّ الخلافة، قال الله تعالى {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} سورة البقرة 30-34.
فقصّة عداوة إبليس بدأت مع قصّة آدم عليه السلام وتعليم الأسماء. وقصّة الخليفة. لذلك فالمهدي في جذبه حربُهُ مع إبليس حرب كبرى، إبليس العالم بمداخل النّفس بجميع مداخلها وخديعتها ومكرها، وهنا كلامٌ كبير حول إبليس وعداوته الكبرى للإنسان، وحسده وشرُّهُ المستطير وحقده الدّفين على الإنسان، وكيف أنّه استكبر كبراً وجعل من نفسه ملكاً على عرشٍ في جزيرة على البحر يريدُ أن يُعوّضَ على نفسه ممّا فاته من طمعه أن يكون هو الخليفة، فإبليس يرى أنّه مسلوبُ الخلافة من الإنسان، وأنَّهُُ الأحقُّ بها، لذلك أقام مملكته مشابهة لتخيّلاته في مملكة الله سبحانه. وذلك كلّه من إرادة الله وتدبيره وتدوير الصّراع بين الخير والشرّ، والحقّ والباطل، والوجود والعدم والابتلاء الأعظم الذي ابتلى به الإنسان، فجعل له المصير بين جنّة ونار. فهذا كلّه حقّ ولكنّ أكثرَ النّاس لا يعلمون. إبليس أقام مملكة عظمى مهمّتها الكيدُ للإنسان وإضلاله، وسخّر ذريته وقبيله وسلّطهم على جميع البشر، وله مع كلّ مولود بشريّ قرينٌ يرسلهُ ليوسوس له ويتجسّس عليه، لذلك إبليس يجمعُ كلّ خواطر النّاس، من مات منهم ومن يعيش، ولا يصلُ إلاّ لأهل التقديس والكمال الذين نعتهم الله في قوله  تعالى ((فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)) ص/82-83. فهؤلاء سماء قلوبهم محروسة مقدّسة. أو قلوب الذاركين الله تعالى الذين يحصّنون أنفسهم يومياً بالأذكار والصلاة والطاعات وذكر الله تعالى على الدّوام. ومع ذلك فهؤلاء يحدثُ أن يغفلوا مرَّاتٍ فيهجم عليه القرين والشيطان بوسواسه أو تجسّساته. فافهم عدوّك الأكبر، فهو لن يغفل عنك، بالوسوسة والتجسّس على خواطرك ونفسك، ولا يزالُ يكيدُ لك ببراعة وعلمٍ بما تكنِّهُ في نفسك، ويعلمُ نقاط ضعفك. ولكنّه عند ذكر الله تعالى يخنس ويهرب. وعلى العموم فكيدُ الشيطان ضعيفاً {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} ، وإنّما كيدُهُ من النّفس ونقاط الضّعف التي يستغلّها فقط. فمن حصّن نفسه بذكر الله تعالى، واجتنب نقاط الضعف من الغضب وما حذّر منه الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم فالشيطان لا يجدُ إليه سبيلاً.

فقامت عداوة إبليس وقبيله مع الإنسان، وإنّما أعدّ إبليس معركته الكبرى للخليفة المهدي، لأنّه يعلمُ يقيناً أنّ الخليفة هو الحاجز والحدّ الفاصل بينه وبين طموحاته وأحقاده المجنونة. فتظاهر إبليس مع المفتون السامريّ الدجّال الذي جعله الله مظهر هذه الفتنة. وكلّ ذلك من تجليّات الحقائق وآثار الأسماء وآثار الخلافة الإنسانية الكبرى التي اصطفى بها الله الإنسان. فكان لا بدّ أن تنتهي القصّة وتُختمَ، وختامها زوالُ الشرّ والباطل وانتهاء الكيد الشيطانيّ والتدجيليّ وانتصار الحقّ، فيقضي الخليفة على روح التدجيل والشرّ، على العدوّ الأوّل إبليس، وهذه هي ليلة صلاح المهدي التي ذكرها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : (المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة) رواه ابن ماجة، وابن أبي شيبة. حديث صحيح. فالخليفة المهدي يُقدِّسُ الأسماء، ويقضي على إبليس روح الدجال، ويخربُ مملكته وعرشه على الماء في مثلّث برمودا. ثمّ ينعكسُ ذلك على الصّفات، فينزلُ المسيح روح الله للأرض في نهاية خلافة المهدي فيقتل الدجّال، فحكم المسيح بن مريم عليهما السلام في عالم الصّفات، لأنّه رمز روح القدس، معكوس الدجّال فيقتله، ألا ترى قوله صلّى الله عليه وسلّم أنّ الدجال يذوبُ عند رؤية سيدنا عيسى عليه السلام، فكلّ ذلك من عالم الحقائق، ولكنّ سيدنا عيسى يقتله بحربةٍ ليرى النّاس ذلك ويطمئنوا. وينتهي عالم التدجيل والشرّ الأكبر بوجهيه الإبليسي والبشريّ.

ثمّ هناك لفتةٌ أخرى أنّ الأرضَ هي عالمُ الخلافة والعبودية، فمن ظهرَ فيها بالربّوبية فهو دجَّالٌ وكذَّابٌ، وليس له تحقُّقٌ، لأنّ التحقّق أنّ الإنسان برزخٌ بين الحقية والخلقية، بين الربوبية والعبودية، فالأرضُ عالم العبودية، والأرض هي أرضُ التجلّي، والسماء هي سماء الرّبوبية، والألوهية هي الجامعة بين الشقّين، وحقيقتهما. قال الله تعالى {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} ﴿الرحمن:19-20﴾. فهما بحرانِ لا يبغيانِ على بعض، ومن جاءنا في بحر العبودية يدّعي الربّوبية فهذا دجَّالٌ. لذلك فإبليس والدجّال ممكورٌ بهما مستدرجان، فاتهما التحقيق والفهمُ والعلمُ، وإنّما جعلهما الله لتدوير الفتنة والابتلاء في الأرض. فما تحقّقَ من تحقّقَ من العباد المخلصين إلاّ بمحض العبودية والعبدية، لذلك وصفَ الله تعالى عبده المهدي وفي سورة الكهف المخصوصة بدفع فتنة الدجال بقوله : {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} الكهف/1. أنزل على عبده. فوصفه بالعبدية المحضة. ليُعلمَ ما خفيَ على الأدعياءِ والمدسوسين من حقائق الإنسانية والخلافة في الأرض.

يتبع ..


الخميس، 31 أكتوبر 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 57



- 57 - 

فقلنا الخليفة واحد، الخليفة هو مسمّى الله سبحانه وحضرة الذات، هو الله الأحد، لأنّه ما في الوجود سواه وحده لا شريك له، هو الأوّل الآخر، الباطن الظاهر، ما بطن إلاّ هو سبحانه، وما ظهر إلاّ هو، ولكنّه الوهم الذي قامت به الحياة، فإذا زال الوهْمُ بدا الوجود وجود الواحد الأحد، فإذا كان الله هو الباطن الظاهر والأوَّلُ والآخرُ، والعبد والربُّ، والخلْقُ والحقُّ، لزِمَ ظهورُه في مظهرٍ ذاتيّ، هذا المظهر الذاتيّ هو الخليفة، هو الإنسان الكبير، هو السيّد الصّمد، خليفة الله في أرضه، أي الظاهر بحقائق الموجودات جميعها، لأنّ الأرض هي محلّ ظهور الموجودات إلى وجودها. جميع الموجودات، كالأعداد مثالاً، برزت من العدد واحد (1)، فكلّما أضفت واحد نتج عدد آخر، وهكذا بلا نهاية، فجميع الأعداد مندرج فيها الواحد، فهو أصل الأعداد. فإسم الله تذوبُ معه كلّ الأغيار، لذلك نقولُ : لا إله إلاّ الله، لا موجود إلاّ الله ، لا فاعل إلاّ الله ، لا حيّ إلاّ الله، ففي حضرة الله تزولُ الأغيار وتتلاشى الأشياءُ من وجودها وتعودُ لموجدها وقيّومها. تفقدُ الأعدادُ نسبتها فلا يظهرُ فيها إلاّ الواحد الأحد. قل هو الله أحد. أحدية تمحو كلّ شيءٍ معها وكل غيرية وكلّ اثنينية.

فهو وهمٌ قامت به الحياة، وهمٌ شامخٌ متدرِّجٌ أقامتهُ الحقائق، وهم ٌ متفاوتٌ متوزِّعٌ على أشواطٍ وأطوار وطبقات ومراحل، تجلّت به اعتبارات الحوادث والحجب دون الحقيقة الكليّة المطلقة ودون تجلّي القديم، فلا يزولُ هذا الوهْمُ بكليّته إلاّ بتجلّي الأحدية، لذلك منعَ أهلُ الله التجلّي بالأحدية، لأنّ الأحدية ليس لأحدِ فيها قَدَمٌ سواه وحده لا شريك له، كما قال أهل العلم بالله تعالى. لأنَّ الأحدية أحدية عينٍ وذات وأحدية شهودٍ وظلٍّ، وذلك أنّ أهل الذات الخلفاء الأفراد صحّ لهم شهود هذه الحضرة به سبحانه، حيث لا إسم ولا نعت ولا غير، ولا تمايز ولا تعدّد، حيث المعنى واحد والحقيقة واحدة، إذ هم مشاهدون لهذه الحضرة بالله تعالى كما قال سبحانه {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فقوله تعالى (قُلْ) كما قال بعض أهل العرفان هو إثباتٌ لشهوده صلّى الله عليه وسلّم هذه الحضرة الأحدية، قل يا محمّد عن شهود ومعاينةٍ وتمكينٍ هو الله الأحد. ولكنّ حقائق الذواتِ (ذوات الخلفاء) وتحقّقاتها هي التي تشهدُ لكلّ شاهدٍ لهذه الحضرة هل هو أهلٌ وجديرٌ جدارة تامّة أن يتجلّى بها وتُنسب إليه ؟ بيدَ أنّ أرض التجليّات، التجليّات الحقيّة والخلقية هي امتحانُ هذه الحقائق وهذه التحقّقات، وهي الاختبارُ والشاهدات لهذا النبيّ وهذا الفرد وذاك الوليّ وذاك المحقّق هل وسعُهُ أن يملك جميع الحضرات ويتجلّى بها بتفاصيلها ويتمكّن فيها ؟ وأن يسعَ علمُهُ التّفاصيل والإطلاق ؟ وحيثُ أنّ الجميع وقفَ في ذلك المهمه وتلك المفاوز وتلك العقبة بالحيرة والعجز عن الإدراك وبالقصورِ عن الوسع المطلق فقد كذَّبتِ إذ ذاكَ الحقائقُ والتحقّقاتُُ والعلمُ والوسعُ والإطلاق والتقييد والإجمالُ والتفصيلُ هؤلاء المحقّقين والأفراد والخلفاء، فصاحوا بالعجز عن درك الإدراك ونادوا بالحيرة بين العلم والجهل، فقال صفوتُهم وحضرةُ جمعهم صلواتُ الله وسلامه عليه "لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك" وقال له الله تعالى {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} سورة طه :114. وقال الله تعالى {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [سورة الزمر:67]. فلا شيء يغيبُ عنه سبحانه، فما قدروا الله حقّ قدره، فوقعَ التحقيقُ هنا في النّسبة الصّحيحة لصاحب الأحدية والواحدية الأصليّ الذي ملكَ أرض التجليّات الواحدية من سماء الأحدية، فهي في قبضته لا يفوتُه منها شيءٌ لا قليل ولا كثيرٌ {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}. فافهم. فكان الخليفة : خليفة الله في أرضه هو الذي رجعتْ إليه الأحدية لأنّه هو حقيقة الواحدية، لأنّ التجليّات تجليّاته الذاتية، فلا يفوتُهُ منها شيءٌ، لأنّه عينُ التجليّات والتفاصيل والتقييدات والمحدودات المفاضة من سماء الذات، فشتّانَ بين المتحقّق بالخلْقِ والتبعية، وبين المتحقّق بالعينية والأصالة والسذاجة الذاتية. ولهذا منع أهلُ الله التجلّي بالأحدية لغير الله تعالى، يريدونَ لغير الخليفة لأنّه عينُ إسم الله سبحانه. لأنّ المنْعَ وقعَ بالنّسبة للأرض أرض التجليّات، فوقع المنعُ لتجلّي الأحدية إلاّ لصاحبها الذاتيّ الذي ثبتت لهُ بالوسع والعلم المطلق والخلافة الكاملة، {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة-115). فهذا هو معنى قولهم منَعَ أهلُ الله التجلّي بالأحدية لأنّها لا تصحّ فيها قدَمٌ لأحدٍ سوى الله سبحانه عزّ وجلّ والله هو الواسع العليم. وهنا أضعُ اقتباساً جليلاً نفيساً للفرد المحقّق عبد الكريم الجيلي قدّس الله سرّه. قال في كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل في باب : "في الزبور" :

((... ألا ترى إلى قوله تعالى حيث أخبر عن سليمان أنّه قال {هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} فقال في جوابه : {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ} ثمّ عدّد ما أوتي سليمان من الاقتدارات الإلهية ولم يقل فآتيناه ما طلب لأنّ ذلك ممتنع اقتصاره على أحد من الخلق لأنّه اختصاص إلهي، فمتى ما ظهر الحقّ تعالى في مظهر بذاته كان ذلك المظهر هو خليفة الله في أرضه، وإليه الإشارة في قوله تعالى {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} يعني الصالحين للوراثة الإلهية، والمراد بالأرض هنا الحقائق الوجودية المنحصرة بين المجالي الحقيّة والمعاني الخلقيّة وإليها الإشارة في قوله : {إنّ أرضي واسعة فإيّاي فاعبدون}. فإن قلت إنّ دعوة سليمان مستجابة باعتبار أنّ المملكة الكبرى لا تنبغي لأحد من بعد الله وهو حقيقة سليمان فقد صحّت الدعوة له فقد صدقت، وإن قلت : إنّ دعوة سليمان غير مستجابة باعتبار عدم قصر الخلافة عليه وأنّ ذلك قد صحّ لمن بعده من الأقطاب والأفراد فقد صدقت، فاعتبر كيف شئت، فلمّا علم داود امتناع قصر الخلافة عليه ترك هذا الطلب، فطلب سليمان تأدّباً إلهياً يريد تفرّده بالمظاهر الإلهية لتفرّد حقّه بها، وهذا ولو كان ممتنعاً فهو جائزٌ الطلب للوسع الإلهي والإمكان الوجودي، ولكن لا يعلم أحد صحّ له ذلك أم لا، وفي هذا المقام أخبر الحقّ تعالى عن أوليائه فقال تعالى : {وما قدروا الله حقّ قدره} و {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} فصار من هذا الوجه ممتنعا، فلهذا قال الصدّيق الأكبر : (العجز عن درك الإدراك إدراك). وقال عليه الصلاة والسلام : (لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك) . فتأدّب صلّى الله عليه وسلّم في طلب ما لا يمكن حصوله، واعترف بالعجز لكمال ربّه، وكان عليه الصلاة والسلام أعرف بربّه من سليمان، لأنّ سليمان عرف ما ينتهي فطلب حصوله، ومحمّدا صلى الله عليه وسلم عرف ما لا ينتهي فتأدّب عن طلب إدراك ما لا يدرك، أعني تأدّب فترك الدعاء بحصول ذلك لعلمه أنّ الله لم يجعله لأحد، وإنّه خصوصية فيه ذاتية استأثر الله تعالى بها عن سائر خلقه، فانظر بين من لمعرفته بربّه حدّ ينتهي، وبين ما لا حدّ لمعرفته بربّه ولا نهاية لها.)) انتهى.

فانظُرْ لهذا الكلام العظيم النّفس الجليل التحقيق، الموافق لما قلناهُ، فشرح الأرض بقوله : الحقائق الوجودية المنحصرة بين المجالي الحقية والخلقية. ثمّ ذكرَ أنّ الخلافة الكبرى هي خصوصية ذاتية استأثر بها الله تعالى عن سائر خلقه، وذكر أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كانت معرفته بربّه كاملةً فلم يطلب إدراك ما لا يمكنُ إدراكه. ثمّ ذكر المظهر الذاتيّ الذي استوجبَ هذه الخلافة الذاتية الكاملة والمملكة الكبرى في الأرض، بقوله : ((فمتى ما ظهر الحقّ تعالى في مظهر بذاته كان ذلك المظهر هو خليفة الله في أرضه)). فهذا من أنفس الكلام وأعلمه. فسماء الأحدية قد شهدها الخلفاء والأفراد عليهم السلام كما ذكرنا، فمن كان صاحبها في التحقيق ؟ فهو الخليفة في الأرض. لأنّ الوجود هو وجود الله سبحانه جميعا، فلا شيء يخرجُ عن كونه ووجوده فافهم. فمسمّى الله ليس هو سوى الجامع لحقائق الأسماء. فكان لهُ خليفة في الأرض، يُطلقُ عليه خليفة في أرض الكثرة والعدد وليس هو سوى المعنى الأحديّ والحقيقة الكليّة المطلقة الغير مُدْرَكِ كنهها. فافهم.

وفي هذا المعنى الذي أشرنا إليه قال الشيخ الأكبر في قصيدته الرائعة الذائقة في مقدّمة الفتوحات واصفاً هذا الخليفة الختم :

ومتى وقعتَ على مفتِّش حكمةٍ... مستُورةٍ في الغضّة الحوراء
مُتحيّرٍ مُتشوّفٍ قلنا له... يا طالب الأسرار في الإسراء
أسرِعْ فقد ظفِرَتْ يداك بجامِعٍ... لحقائق الأموات والأحياء
نظرَ الوجودَ فكان تحت نعاله... من مستواهُ إلى قرارِ الماء
ما فوقه من غاية يعنُو لها... إلّاهُو فَهْوَ مَصِّرِفُ الأشياء
لبِسَ الرِّداء تنزُّهاً وإزارُهُ... لمّا أراد تكوّن الإنشاءِ
فإذا أراد تمتُّعًا بوجوده... من غير ما نظرٍ إلى الرّقبَاء
شالَ الرِّداء فلمْ يكنْ متكبِّرًا... وإزارَ تعظيمٍ على القرنَاءِ
فبدا وجودٌ لا تقيُّدُه لنا... صفة ولا إسمٌ من الأسماء

إنْ قيل من هذا ومن تعني به... قلنا المحقّقُ آمِرُ الأمراء
شمسُ الحقيقة قطبها وإمامُها... سرّ العباد وعالمُ العلماء
عبدٌ تسَوَّدَ وجهه من همِّهِ... نورُ البصائر خاتِمُ الخلفاء
سهل الخلائقِ طيّبٌ عذبُ الجنى... غوثُ الخلائق أرحَمُ الرُّحماء
جَلَّتْ صفاتُ جلالِهِ وجمالِهِ... وبهاءُ عزّتِهِ عَنِ النُّظراء

فقال : أيّها الطّالب الأسرار في الإسراء، والإسراء هي سورة صاحب الإسراء والجسم الإسرائيليّ المهدي عليه السلام، وسورة واقع آخر الزمان، إذا ظفرتَ به فقد ظفرتَ بجامع حقائق الأموات والأحياء ومصرّف الأشياء. ثمّ أشارَ إلى ما كنّا نقوله عن حضرة الأحدية، فقال :

لبِسَ الرِّداء تنزُّهاً وإزارَهُ... لمّا أراد تكوّن الإنشاءِ

أي هو صاحبُ رداء التنزيه والتشبيه حينما تجلّت به حقائق الإنشاء والأكوان والموجودات ولاحت آثارُها وقامت حياتُها. فبه تجلّت. فلمّا ظهرَت تجليّاتُه تنزّهََ عنها وتنزّهَ سبحانه عن التشبيه، فهو الظاهرُ في التشبيه ولكن خفيَ ظهورُهُ تنزيهاً، وهو الباطنُ في سرادق التنزيه تعالى وجلّ عن الإدراك. {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [ البقرة : 115 ].


ثمّ قال :

فإذا أراد تمتُّعًا بوجوده... من غير ما نظرٍ إلى الرّقبَاء
شالَ الرِّداء فلمْ يكنْ متكبِّرًا... وإزارَ تعظيمٍ على القرنَاءِ
فبدا وجودٌ لا تقيُّدُه لنا... صفة ولا إسمٌ من الأسماء

فإذا أراد الشهود لوجوده من غير نظر إلى الرّقباء والعيون، شالَ رداء التعظيم، وهو رداءُ ظهورِه في عالم الكثرة، إذ هو الملك السّلطانُ ذو الكبرياء والجلال يُشارُ إليه بالبنان، هو السيّد الصّمد، هو الرّوح الأعظم، فقال شال رداء التعظيم والظهور فلم يكن متكبّراً على أقرانه من الأنبياء والخلفاء عليهم السلام أهل الشهود والخلافة والجمال الذين تحقّقوا بحقائق الولاية والخلافة، فلمّا شالَ الرّداء بدا وجودٌ من غيرِ تقييد ولا تمايزٍ لا صفة فيه ولا إسم ولا غيرية. مُنتهى الكرم والجود، ومُنتهى العظمة والتواضع لهذا الخليفة. الذي هو مالك الملك والعظيم في علاه سبحانه.

وهذا الذي كنّا نقوله عن الحضرة الأحدية وشهودها، فلا تمايز فيها ولا تقييد لظهور أو إسم أو نعت، فيشهدُها الأفراد المتحقّقون، لذلك قال الشيخ الأكبر "فبدا وجود لا تقيّده لنا" لنا نحنُ متكلّماً عن الأقرانِ والخلفاء وهو منهم، وإلاّ ما صحَّ لهُ هذا الوصف وهذا العلم الذي هو آخر العلمُ عند المحقّقين، معرفة صاحب هذا الأمر، فنسبَ الشيخ الأكبر في هذه القصيدة نفسه إلى شهود هذا التحقيق وأنّه خليفة محقّق وفي أبياتٍ أخرى يذكرُ ذلك تصريحاً. ولكنّهُ أثبتَ الأمر والحضرة والرّتبة لصاحبها بالأصالة، فهو يُعرّفُ به. فهذا ما ذكرناهُ حول حضرة الأحدية التي ارتفع فيها التعدّد والتمايز، فهو معنى واحد متعالٍ شامخٌ آخرُ درجاتِ المتحقّقين. فكانت أرضُ الواحدية والكثرة هي التي ثبتَت فيها عظمةُ الخليفة الختم وكبرياؤه وعلمه ووسعه وإطلاقه وملكه فافهم، فهذا نفس ما كنّا نشيرُ إليه يُثبتُه هنا الشيخ الأكبر. ثمّ يُعيِّنُ لنا من هذا المقصود بصاحب الإسراء وجامع حقائق الأموات والأحياء، وصاحب هذا الوجود المطلق بإطلاقه وتقييده، صاحب حضرة الأحدية وحضرة الواحدية. فيقول :

إنْ قيل من هذا ومن تعني به... قلنا المحقّقُ آمِرُ الأمراء
شمسُ الحقيقة قطبها وإمامُها... سرّ العباد وعالمُ العلماء
عبدٌ تسَوَّدَ وجهه من همِّهِ... نورُ البصائر خاتِمُ الخلفاء
سهل الخلائقِ طيّبٌ عذبُ الجنى... غوثُ الخلائق أرحَمُ الرُّحماء
جَلَّتْ صفاتُ جلالِهِ وجمالِهِ... وبهاءُ عزّتِهِ عَنِ النُّظراء

إنّه خاتم الخلفاء. الخليفة. جلّ عن الكفؤ والنّظير إلى آخر القصيدة.


وهنا في هذا المقام نقتبِسُ اقتباساً جليلاً عظيماً سبق أن وضعناهُ، لكنّه جديرٌ بالإشارة إليه، لنفاسة ذكره وعلمه والإشارة إليه :

يقول الشيخ الأكبر رضي الله عنه في الفتوحات المكيّة :
(قوله إن الله خلق آدم على صورته:
فقد أدخله الجود الإلهي في الميزان فيوازن بصورته حضرة موجدة ذاتا وصفة وفعلا ولا يلزم من الوزن الاشتراك في حقيقة الموزونين فإن الذي يوزن به الذهب المسكوك هو صنجة حديد فليس يشبهه في ذاته ولا صفته ولا عدده فيعلم أنه لا يوزن بالصورة الإنسانية إلا ما تطلبه الصورة بجميع ما تحوي عليه بالأسماء الإلهية التي توجهت على إيجاده وأظهرت آثارها فيه وكما لم تكن صنجة الحديد توازن الذهب في حدّ ولا حقيقة ولا صورة عين كذلك العبد وإن خلقه الله على صورته فلا يجتمع معه في حد ولا حقيقة إذ لا حد لذاته والإنسان محدود بحد ذاتي لا رسمي ولا لفظي وكل مخلوق على هذا الحد والإنسان أكمل المخلوقات وأجمعها من حيث نشأته ومرتبته فإذا وقفت على حقيقة هذا الميزان زال عنك ما توهمته في الصورة من أنه ذات وأنت ذات وإنك موصوف بالحي العالم وسائر الصفات وهو كذلك وتبين لك بهذا الميزان أن الصورة ليس المراد بها هذا ولهذا جمع في صورة واحدة خَلَقَ الْإِنْسانَ ووَضَعَ الْمِيزانَ وأمرك أن تقيمه من غير طغيان ولا خسران وما له إقامة إلا على حد ما ذكرت لك فإنه الله الخالق وأنت العبد المخلوق وكيف للصنعة أن تكون تعلم صانعها وإنما تطلب الصنعة من الصانع صورة علمه بها لا صورة ذاته وأنت صنعة خالقك فصورتك مطابقة لصورة علمه بك وهكذا كل مخلوق ولو لم يكن الأمر كذلك وكان يجمعكما حد وحقيقة كما يجمع زيدا وعمرا لكنت أنت إلها أو يكون هو مألوها حتى يجمعكما حد واحد والأمر على خلاف ذلك فاعلم بأي ميزان تزن نفسك مع ربك ولا تعجب بنفسك واعلم أنك صنجة حديد وزن بها ياقوتة يتيمة لا أخت لها وإن اجتمعت معها في المقدار فما اجتمعت معها في القدر ولا في الذات ولا في الخاصية تعالى الله فالزم عبوديتك واعرف قدرك. )
انتهى.


فهذه الفقرة عظيمة دقيقة عميقة، من وقفَ عليها أدرك ما نُدندِنُ حوله، لأنَّهُ يتكلَّمُ عن الصورة الإنسانية، فافهم. لذلك أشار الشيخ الأكبر إلى قوله تعالى "خلق الإنسان ووضع الميزان". حتّى لا يغترَّ من لم يتحقّق بدرجات التحقيق في هذا التحقّق العظيم، فخطابُه هنا للمحقّقين الذين تحقّقوا بالصّفات السبع، وصاروا إلى مقام الخلافة فشهدوا ذواتهم هي الحقّ سبحانه، لأنّهم صاروا الى ما ذكره الحديث القدسيّ الصحيح الذي رواه البخاري : "فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَتِي يَمْشِي بِهَا". فنبّههم أن يقفوا على الميزان، فلا ينخدعوا بظاهر الصورة الإنسانية، لأنّها الصورة التي استوجبت الخلافة الكليّة، فينسبُوا لأنفسهم هذا التناظر والتكافؤ والتعادل، فقال تحقيقاً : ((فاعلم بأي ميزان تزن نفسك مع ربك ولا تعجب بنفسك واعلم أنك صنجة حديد وزن بها ياقوتة يتيمة لا أخت لها وإن اجتمعت معها في المقدار فما اجتمعت معها في القدر ولا في الذات ولا في الخاصية تعالى الله فالزم عبوديتك واعرف قدرك)) انتهى. فهي ياقوتة يتيمة مقابل صنجة حديد كما تساوتا في المقدار في كفّة الميزان فما تساويا في القدر والحقيقة، وهي صورة منفردة وهيكلٌ واحد لا نظير له ولا كفؤ ولا ندّ. والفقرة شرحت وفصّلت، وهذا من أنفس العلم وأنفس التحقيق.

وكذلك قال في القصيدة السابقة وصفاً لهذا الختم :

جَلَّتْ صفاتُ جلالِهِ وجمالِهِ... وبهاءُ عزّتِهِ عَنِ النُّظراء


وهنا يقودُنا الكلامُ إلى الخليفة الأعظم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فهو أعظمُ خليفة لله تعالى، أعظمُ خليفة للخليفة الأوّل. لأنَّهُ الذي جعلهُ الله الأنموذج الكامل والإنسان الكامل المتحقّق بحقائق الذات وتجليّاتها، فهو سيّد الخلق جميعاً، وسيّد الأوّلين والآخرين من الخلفاء والأفراد والأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام، لذلك قال "إنّما الله المعطي وأنا القاسم". فمجموع ما تفرّقََ في المحقّقين والأفراد والخلائق أجمعين من كمالات وتحقّقاتٍ اجتمعَ فيه صلّى الله عليه وسلّم، فهو المتحقّق الأعظم بالأحدية الظلالية الشهودية، ثمّ الواحدية في أرض التجليّات والأسماء. لذلك ذكرنا أنّ الأحدية أحدية عينية، وأحدية شهودية، ثمّ الواحدية كذلك هي واحدية عينية وواحدية ظلالية أسمائية، فالعينُ والذات والأصلُ هو الخليفة، فجلّ عن النّظير بين المطلق الذي به تجلّت الأسماء، من ذاته، وبين القابل للتحقّق وإن جاد عليه الله تعالى بغاية التحقّقات، والقابلية الكبرى، فكان صلى الله عليه وسلّم قاسماً للعطاء بين القِدَم، وبين نقطة بداية الخلق والحدوث، فهو صلّى الله عليه وسلّم الجيبُ الحادث الكاملُ القابلُ لتجليّات القدم. كما سبق أن ذكرنا النّقطة البيضاء والنّقطة السوداء، فقلنا النقطة السوداء هي نقطة الإفاضة وبحر العلم وبحر الإطلاق والنقطة البيضاء هي نقطة القابلية والتجلّي، فافهم. لذلك فالمهدي هو صاحب الكتاب، أنزل عليه الكتاب، كتاب الوجود المطلق، كتاب الغيب المطلق، لأنّ الله علمه واحد أحد غير متغيّر فافهم. كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان، فالمهدي هو صاحب الكتاب وهو الإمام المبين الذي أحصى الله فيه كلّ شيءٍ، والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو القارئ لهذا الكتاب، هو القلبُ القارئ الجامعُ الأوَّلُ من كتاب العماء، فهو سيّدُ المتحقّقين وهو صاحبُ التمكين وهو الخليفة الأعظم للوجود والأكوان. فكان القاسم لما أعطى الله سبحانه على الموجودات والكائنات والحوادث. وكان هو رسول الله تعالى إليها، محمد رسول الله. صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه. فرسول الله صلى الله عليه وسلّم هو أوّل المخلوقات وبه ظهرت المخلوقات والأكوان، ومن أجله خلقت. والخليفة هو الحقّ سبحانه. هو صاحبُ العماء والكتاب والإطلاق. فهيهات أن نُقارِنَ بين الخالق والمخلوق. فافهم. لذلك قال الله تعالى {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ *قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ * فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُون} الأنبياء/105-109.
فكان المُرْسَل بالرّحمة إلى العالمين والخلائق أجمعين هو نبيّ الرحمة خليفة اسم الرّحمن صلى الله عليه وسلّم، ورسالتُه أنّ الله واحدٌ سبحانه لا إله إلاّ هو وحده لا شريك له، فهذه هي رسالة نبيّ الرّحمة صلوات الله وسلامه عليه. وهي التعريف برحمة الله الرّحمن الرّحيم سبحانه ووحدانيته المطلقة الجامعة. وإسم الرّحمن له من إسم الله جميع التحقّقات وجامع لجميع الأسماء، إلاّ أنّه صورة ذاتية ظلالية وليس ذاتية محضة وعينية، أي أنّه إسمٌ برزخٌ بين الذات والصّفات، جامع للأسماء جميعها المتجليّة من حضرة الذات، ولولا هذا الإسم لما تعرّفَ أحدٌ على الله تعالى أبداً، فهو واسطة الحدوث، وهو واسطة التعرّف، وهو مدينة العلم والتجليّات، فإسمُ الله هو مكّة العماء، وإسمٌ الرّحمن هو مدينة التجلّي، فافهم. وهناك تلحظُ الفرقَ في الأسماء، بين مكّة وكعبة السّجود وقبلة الأشباح ظاهراً، وباطناً قبلةُ الأرواح، وبين مدينة التجلّي والسّلوك والتحقّق والتشرّع، فمكّة للعرفان والأحدية والمدينة للتجلّي والواحدية. فكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مولده بمكّة هجرتُهُ إلى المدينة، وكان المهدي مولده بمكّة وهجرته لبيت المقدس. النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مولده بمكّة العماء والأزل وهجرته لمدينة التجلّي والعلم والحوادث، والمهدي مولده بمكّة العماء وهجرته إلى الرّوح الأعظم، فالقدس حيث المسجد الأقصى هو رمز الرّوح. فكان المهدي صاحبَ الكتاب، هو العبدُ في مكّة العماء قبل نزول الكتاب أي الرّوح. والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو صاحب القرآن، الذي أنزل عليه ليقرأ كتاب الرّوح. فهو العبدُ في مكّة العماء، ولولا هذه المكيّة لما صحّت له قراءة كتاب الرّوح، فالمكيّة هي الأميّة، هي العبدية وهي أعلى درجات التحقّق، فالعبدية هي العبودية المطلقة المحضة. العبدية أعلى من العبودية، لأنّ العبودية اشترك فيها المتحقّقون بالعبودية بنسبها المختلفة، أمّا العبدية فهي الأمّية هي آخر منازل العبودية ونهاياتها. قال الله تعالى
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الإسراء/1. وقال الله تعالى  لْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا.} الكهف/1.
فانظُرْ كيفَ نالَ العبدية سيّدنا محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، نالَها بالأحمدية، فغاية العبدية هي الأحمدية، أي نالها في مقام ختم الولاية، بالمهدي، فصاحب الإسراء في التحقيق هو المهدي الخليفة، فغاية العبدية نالها الإنسانُ الكامل الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه لذلك فاز بالقرب من ربّه غاية القرب، والحمدُ والمقامُ المحمود كذلك ناله بالأحمدية في مقام ختم الولاية بالمهدي، فالآية في التحقيق تعنتُ المهدي، فافهم. فأحمد هو المهدي في مقام العبدية المحضة، فكان سيّدنا محمّد هو أحمدُ الخلق لربّهم بهذا الشرف العظيم الذي نالَه.
 وقال الله تعالى {الرحمن علّم القرآن}. الرّحمن إسم ذات، له هذه النّسبة المكية الذاتية، وله نسبة الصّفات والمدنية، وهو صورة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الرّحمانية التي خلق الله عليها آدم عليها السلام. والصورة الرّحمانية هي صورة الله سبحانه. فقال صلّى الله عليه وسلّم "خلق الله آدم على صورته" وقال "خلق آدم على صورة الرّحمن". فكلاهما صحيحٌ ودقيق وله دلالاته فافهم.


يتبع ..




السبت، 26 أكتوبر 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 56



- 56 -

قال سبحانه عزّ وجلّ :
- إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا
- فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا
- ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا


فأجمل القصّة هنا : أوى الفتية إلى الكهف وطلبوا الرّحمة والرّشد، فاستجاب الله لهم فضرب الله على آذانهم كي لا يلتفتوا إلى الدّنيا التفات توجُّهٍ وطلبٍ، فكأنّهم في الدّنيا يعيشون كما يعيشُ النّاس ظاهراً، وبواطنهم مضروبةٌ عنها ملتفتون إلى ربّهم فقط. ثمّ بعثهم الله بعد استيقاظهم وصحوهم من سُكرِ الجذبِ، وبعد بلوغهم الكمال والرّشد، أو بعد عودتهم إلى السّلوك والتفصيل والرّشد.

ثمّ فصّلَ أكثر في أحوالهم أثناء وجودهم في الكهفِ بما يبدو وصفاً قليلاً، وهو وصفٌ عظيمٌ استوفى جانب الحقائق عند أرباب العلم والحقّ، ونحنُ هنا نقتبِسُ من أهل العرفان وشيءٌ من قراءتنا في الآيات.

قال سبحانه {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدً}.

فلمّا أوَوا إلى الكهف، أي جعلوهُ ملجأً لهم ومأوى بعدما ضاقت بهم الأرضُ وانصرفتْ قلوبُهم عن دنيا النّاس، وتكرّرَ الفعل (أوى) فقال وصفاً لهم : إذ أوى الفتية إلى الكهف. ثمّ قال في تفصيل قصّتهم وهم يتحاورون بينهم : {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِه ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا}. فالإيواء مذكور في القرآن في عدّة مواضع وهو يعني المسكن والملجأ والعناية والتعهّد والكفاية، فقد اعتزلوا عبادة غير الله تعالى واعتزلوا ما يعبدُ النَّاسُ إلاّ الله تعالى سبحانه، فكان هنا مفهومين في الجملة، فدلّ أنّ هؤلاء الفتية قبل لجوئهم للكهف، قد فتحَ الله عليهم نافذة الشهود الكلّي، نافذة الجذب إلى الحضرة الأحدية، فهذا الكهفُ لا يدخلُهُ إلا مجذوب لحضرة الأحد سبحانه، فلمّا شهدوا أحدية الأحد سبحانه، وهي أولى مراتب الجذب في سير التدلّي، فالطريقُ كما قال أهلُ العرفان طريقانِ: طريق تدلّي وطريق تدنّي، التدلّي يكونُ من الأعلى إلى الأسفل، والتدنّي يكونُ من الأسفل إلى الأعلى.

وكلاهما طريقانِ للكمال، واختلفت الطَّرائقُ، واختلف المدارسُ، واختلفَ السّالكونَ طريق الله تعالى بحسبِ ما سبقتِ العناية لهم، وما ترتَّبتْ أسبابُ سيرهم، فكان المجاذيب ابتداءً هم أهلُ طريقة التدلّي، لأنّهم مجذوبون ابتداءً جذب الذات، وكان المجتهدون المجاهدون السّالكون بالمجاهدات والهمم همُ أهلُ طريقة التدنّي. الفضلُ لا يُمكنُ حصرُهُ في طريقٍ لأنّ كلاهما طريقانِ للوصولِ والكمال، وفي حضرة الكمال اختلفتْ عطايا الواحد الأحد سبحانه لعباده، وكلّ وما أعدّ الله له من رزقه وسابق العناية الأزلية.

لكن المعلومُ أنّ طريقة التدلّي والجذب ابتداءً هي طريقة أكابر الأكابر، أي هي التي أجراها الله على أكابر آل البيت عليهم السلام. وقد كان ختم الولاية مجذوب الابتداء من أهل طريقة التدلّي، فهي الأكملُ، لأنّها محضُ فضلٍ من الله ووهبٍ واجتباءٍ خالص. وكلا الطريقان اجتباء، ولكنّ طريقة التدنيّ جرت بطريق الأسباب والعزائم والمجاهدات، والثانية جرت بطريق الاحتباء الخالص والجذب الكلّي التامّ. طريقة التدلّي يبدأُ السالك بدخول الحضرة الأحدية، حضرة الذات، ثمّ ينزلُ إلى حضرة الصّفات، ثمّ ينزلُ إلى حضرة الأفعال. طريقة التدنّي يبدأ السّالك بشهود لا فاعل إلاّ الله سبحانه، ثمّ يدخل حضرة الصّفات، ثمّ يدخل حضرة الذات، فهي آخر منازله. فيبدأ الأوّل من حيثُ ينتهي الثاني، والعكس. ولاحظ كلاهما ذاتيين، من أهل الذات. ولكن أهل الكمال تفاوتوا في التّحقيق والتحقّق.وكمثال على طريقة التدنيّ والمجاهدات هي ما خطّه الإمام الغزالي حجّة الإسلام رضوان الله عليه في كتابه الإحياء الذي رصد طريقاً للمجاهدة والإستقامة حتّى تلوح على العبدِ علامات الاعتدال والوصول والتخلّق. فإذا وفّق فتح للعبد، وجذب إلى حضرة الذات. ومن طريقة التدنّي طريقة النقشبندية الصّديقية التي هي طريق التحقّق الصفاتيّ، صفة صفة، تخلّي ثمّ تحلّي، حتّى يتحقّق العبد بدلالة الشيخ الكامل الواصل بخلاف المستدلّ بكتاب الإحياء فهو في واقع في جهد مضاعف أضعاف مضاعفة، وبوجود الشيخ يختصرُ للسّالك الجهد والتحقّق والدّلالة للتحقّق بالصّفات. أمّا طريقة التدليّ فهي كمثال طريقة الشاذلية، أي في مجملها هي طريقة جذب ابتدائيّ، والجذب ابتداءً طريقته تُسمّى طريقة الشكر، لأنّ العبد يُجذبُ ابتداءً، فإذا عادَ إلى الصّحو عاد شاكراً بكلّيِّته، بعدما ذاق وشاهد نعم الله عليه وعرفه معرفةً حقّة، كما قال صلّى الله عليه وسلّم (أفلا أكون عبداً شكوراً). والطّرق المسلّكة بين الطريقين، والسّالكون بين الطريقين، كلّ لما أولاه الله وبما سبقت له العناية.

فقلنا فتح الله لأهل الكهف شهوداً ودخولاً لحضرة الأحدية، فما رأوا إلاّ الله تعالى، فاعتزلوا العباد وما يعبدون جميعا، إلاّ الله سبحانه وعبادته، وفي الجملة مفهوم آخر: اعتزلوا العباد، وقد علموا وشهدوا أنّهم ما يعبدون إلاّ الله تعالى، برغم اختلاف عباداتهم، فهم ما عبدوا إلاّ الله تعالى، أي أنّ الفتية شهدوا حضرة الأحدية، فعرفوا أنّ القومَ مهما عبدوا لن يعبدوا إلاّ الله سبحانه، لأنّه لا موجود إلاَّهُ، فكيف يعبدون سواه، ولكنّ النّاس لا يُدركون ذلك. فهذه هي الحقيقة، فما عبد النّاس إلاّ الله مهما عبدوا غيره في عالم الأسباب والكثرة، فليستِ الكثرة سوى تجليّاتِ أحديّته سبحانه. بل هو العابدُ والمعبود، ألا ترى قوله تعالى في سورة الفاتحة : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. فهذا كلامُ الله تعالى، وكان الله ولا شيء غيره، وكان الله ولا شيء معه، فالكلامُ هنا كما قال أهل العلم بالله تعالى : هو كلامُ الله بلسانِ الخلق والعباد، إيّاكَ نعبدُ، فهو العابدُ بلباس الخلق، فافهم. فليس حقيقة الخلق سوى الحقّ سبحانه، فالخطابُ واضحٌ، ثمّ وضّحَ لخلقه طريقَ الاستعانة في العبادة بقوله سبحانه : إيّاك نستعين. أي يا عبادي لستُم سوى ظلالاً لحقيقتي وقيوميّتي، فإنِ أردتُم عبادتي، فاستعينُوا بي وبحولي، فكما كنتُ حقيقتكم وسرّكم وإرادتكم الباطنة فيكم، فأنا حقيقتُكم الدَّالة لكم على طريق عبادتي واستعانتي، فاستعينوا بي واعبدوني بي، بحولي وقوّتي وحقيقتي الموجودة فيكم، فهذه هي الحقيقة، لذلك من ظنَّ أنّ العبادة طقوسٌ وطاعاتٌ مُفرغَةٌ من رُكنِها الحقيقيّ وهو جزء الاستعانة بالله تعالى، فهو واهمٌ مشركٌ من حيث لا يدري، ناسبٌ لنفسه الفعل والقيومية والدلالة، فكيفَ تصحُّ عبادتُهُ وهي قائمةٌ بتلك النّسب القادحة في التوحيد له سبحانه ؟ من كرِمِ الله تعالى أن جعلَها عباداتٍ مسجّلة في سجلِّ القيام بتكليفها بحسبِ نسبة الاستعانة فيها والخشوع والخضوع والاستمداد،  بيدَ أنّ صاحب هذه العبادات النّاسب لنفسه الفعل والقيومية لم يقُمْ بحقيقتها، لأنّ حقيقتها أن تكونَ العبادةُ توحيداً، والتوحيدُ فيها أن تشهدَ الفعلَ لله تعالى والقيومية له وحده لا شريك له والدلالة منه، فاستعنه متبرِّئاً من حولك وقوَّتك وفعلك ونسبِ الفعل لنفسك وجهدك ونشاطك وشطارتك. أي بقدرِ استحضار الله سبحانه فاعلاً ومُعيناً في عبادتك فأنت مقتربٌ من حقيقة العبادة، فما العابدُ إلاّ هو في الحقيقة فأكمِلْ الحقيقة بشطرها الآخر لتتمّ لك الحقيقة بشطريها، فاجعلهُ -عزّ وجلّ- حقيقة عبادتك ومُعينك في عبادتك، واستعنهُ سبحانه، فالشريعة عبادته والقيام بأمره، والحقيقة استعانته في هذا الأمر وهذه العبادة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي فَإِذَا قَالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَل)). صحيح/ رواه جمهرة من المحدثين والصحاح. فالفاتحة جسّدت حقيقة الصّلة بين العبد والمعبود، كما كانت حقيقة الوجود شطرٌ عبدية وشطر حقيّة وربوبية. شطرٌ خلقية وشطر حقيّة.


الحمد لله ربّ العالمين : فكأنّ الحمد قام لله تعالى بربوبيته للعالمين، فحمد نفسه بنفسه إعلاناً بإسقاط العالمين من القيّومية والوجود الحقيقيّ، وأثبت وجودهم بحمدِه وربوبيته لهم لتعود حقائقهم وتفاصيلهم وحيواتهم إليه وحده لا شريك له قبل وجودهم، فوجودهم مجازيّ إمكانيّ مُحدثٌ اعتباريّ، مُتَوَهَّمٌ، فهذه آيةٌ معجزةٌ في الحقائق وحدها، من وقفَ عليها وقفَ على حقيقة العقائد وحقيقة التوحيد. فالله هو الموجود وهو الربّ الذي قام بربوبية العالمين والمخلوقات، فأثبت أحديّته باسمه الدّال على ذاته ليُعلمك أنّه هو الله حقيقة الحقائق وهو المُسمّى الحقّ والخلق. فكان إسم الله هو الإسم الجامع. الدّال على الواحدية بقوسيها الحقّي والخلقي، وقولنا الواحدية لأنّها الوحدة الجامعة للكثرة، والجامعة للشقّين، لذلك قال سبحانه وتعالى : {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}. غافر/16. فأتبع اسم الله باسم الواحد ثمّ اسم القهّار. فكان إسم الواحد هو المدخل على إسم الله وعلى معرفته، وكان القهرُ هو طريق شهود واحديته، لذلك اعتبر بعض المشايخ الذكر باسم القهّار من أسماء الوصول والتقدّم. لأنّ القاهرية إذا نزلت على العبد، وتجلّى عليه اسم القهّار لاحت له أعلام الواحدية، والواحدية هي علامة التحقّق بالإسم الأعظم. فإذا عرفتَ هذا، عرفتَ أنّ اسم الله له خليفة، هو حامل سرّه، جمع بين هذه الشقّين الشقّ الحقّي والشقّ الخلقيّ، خليفة له البطون والظهور حقيقة، هو معنى ومجلى اسم الله، وإلاّ فاسمُ الله قد جمع الشقّين فافهم. وكان دالاًّ على الواحدية والأحدية. فكان الإنسان هو الخليفة لهذا الإسم الحامل هذا السرّ المعظّم، هو عين اسم الله، بذاته هو الخليفة المهدي الخاتم. الوليّ. وهو الرّوح في مستوى الرّوح، لأنّ الروح الأعظم هو الروح المتجلّي بالوترية والشفعية، الوحدة والكثرة. فافهم. فهذا تحقيق التحقيق.

والخليفة واحد، الخليفة الأصليّ والوليّ الخاتم، وما عداهُ من الخلفاء الأفراد الكمّل هم خلفاء لهذا الخليفة. فهو صاحب السرّ الأوّل والذات والإسم الأعظم. وما عداهُ نائبٌ ووارث لخليفة إسم الرّحمن الذي هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فافهم ما ذكرناهُ.
لذلك نعتَ الله سبحانه تعريفاً بصاحب هذا الإسم، لمّا سألوا النبيّ صلى الله عليه وسلّم عن الله. فقال الله تعالى : {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}. قل يا محمد هو الله أحد. هو، وإسم "هو" أخصّ من إسم الله، لأنّه دلّ على الذات الساذج. هو،
ضمير غائب ومجهول، تعالى أن يُعرف أو يُدرك سبحانه، عزّ وجلّ عن الإدراك، لا يُدرِكُه سواه وحده لا شريك له، قل هو الله. الله : الإسم الجامع الدّال على الذات، قل هو الرّوح الأعظم، قل هو الخليفة الخاتم، قل هو الله أحد. هو أحد في أحديّته، لا موجود سواه، وجميع ما تراه إن هي إلاّ اعتباراتٌ قائمة به ولا انفصال بين ذاته وصفاته، فالحمدُ لله ربّ العالمين. ثمّ تنزّلَ في الخطاب فقال : الله الصّمد، هو السيّد الصّمد الذي استغنى عن غيره، وصمدت إليه المخلوقات والكائنات وافتقرت إليه، لم يلد ولم يولد، هو الأوّل الآخر الباطن الظاهر، لم يلد ليس آدم ولم يولد ليس عيسى بن مريم عليهم السلام. ولم يكن له كفؤا ولا نظيراً ولا ندّاً أحد.

يتبع ..

الجمعة، 11 أكتوبر 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 55


 - 55 -

{أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} الكهف/9-10.

أم حسبتَ أنّ أمر هؤلاء الفتية عجَبٌ بما وجدُوهُ في كهفهم ورقيمهم وأمرِ لبثهم وحقائقهم العظيمة، كلاَّ كما قيل إذا عُرِفَ السّبب بَطُلَ العَجَبُ من وجهٍ، من وجه حقيقتهم ونسبتهم العظيمة القائمة بالله تعالى، وما انتسب لله تعالى فأيُّ كرامةٍ تتجاوزُهُ أو تسخيرٍ يقِفُ دونهُ ؟ إنّما خلقنا هذا الإنسان وسخّرنا له كلّ شيءٍ، فمن كان لنا كُنَّا له وأيَّدناهُ من عندنا، قال سبحانه {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الجاثية/13). فإذا عُرِفَ السّبب بَطُلَ العجبُ من وجه القدرة والكرامة والنّسبة لله تعالى وزادَ العَجَبُ من وجهٍ آخر، فحُقَّ لك أن تعحب من أمرهم لما أولاهم الله به من عناية وحفظ وتعهُّدٍ، فاقَ المقاييس البشريّة والعقول الترابية، {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (البقرة/105).

فلمّاَ ضاقتْ عليهم الأرضُ بما رحبتْ، ولا بدّ أن تضيقَ بهم الأرضُ لأنّ قلوبهم شمّت ريحَ الرّحمن، ومن شمّ ريح الرّحمن جفى قلبُهُ لا محالة الأكوان والأوطان، واستوحشَ من أهلِ الدّنيا ولاحتْ عليه علاماتُ الغربة وأماراتها، وتغيّرتْ مناظيرُهُ للدّنيا والحياة، وفُتِحَتْ لهُ في قلبه نافذة إلى عالم أوسع وأرحب وأقوم ، إلى عالم الحقّ الموجود وحده لا شريك له، فغُمَّ عليه ممّا كان فيه، وبدأ ينزوي عن مناظيره السّابقة الماديّة، وليس بالضرورة انزواء جسدياً، بل هو انزواء شعوريّ.
فلمّا ضاقت عليهم الأرضُ بما رحبت أوَوْا إلى الكهف كهف القلب وكهف الملكوت المواجه لنافذة قلوبهم التي فتحت لهم فيها، وقالوا ربّنا آتنا من لدنك رحمةً، وتكرّم علينا بالنَّفَس الرّحمانيّ بعدما أذقتنا شذًى من نَسيمِه وأوردْتَ علينا نفحةً من هبوبه، فما عادَ لنا صبرٌ على فراقه أو طاقةٌ أن نتوجّه إلى غيره، كما قال الإمام ابن الميلق الشاذلي الشافعي رضي الله عنه (731-797 هـ). في قصيدته المنفوحة :


من ذاق طَعْمَ شراب القوم يدريه ... ومن دراهُ غداً بالرّوح يشريه
وقطرةٌ منه تكفي الخلْقَ لو طعِموا ... فيشطحون على الأكوان بالتيه

فمن ذاقَ نفحةً من النّفس الرّحمانيّ لا بُدَّ أن يحصلَ له جذبٌ إلى حضرة الله سبحانه، وتبدأُ رحلة أشواقه ولواعجه وصبابته المنفردة، أشواق بداياتُها لا تُشبهُ الأشواق الظاهرة، بل هي أحوالٌ من الغربة العظيمة ورحلة قهرية كبرى لأنّ روحه حوّلتْ وجهتها وتولَّهت بربّها وقلبُهُ غيّرََ تعلّقه بل استهلكته حضرة الله سبحانه في التعلّق، ولكنّه لا تتنزَّل حقيقة المشاهد والأحوال التي يُكابِدُها بَعْدُ على حضرة شهادته وعالم ملكِهِ ليعيَها ويُدركَها، ولهذا سمّوا المجاذيب لأنّهم مجذوبون من غير شعورٍ منهم لله سبحانه والله تولّى جذبهم إليه وأحوالهم، ولا يُدركون حقيقة تلك الأحوال ويفهمون تلك المنازل والمشاهد التي مرّوا بها إلاّ في النّهايات. فاختصرَ الله سبحانه دعاء هؤلاء الفتية في قوله : ربّنا آتنا من لدنك رحمةً، لأنّ السرَّ كلّ السرّ في النّفس الرحمانيّ والرّحمة، فالقلبُ الذائقُ الجامعُ لهذه الأحوال العظام وهذه الرّيح التي لا تُعادلها رياحُ الحوادث والخلْق هو القلبُ الرّحمانيّ، فدعَوا ربّهم : ربّنا آتنا من لدنك رحمةً ورُدَّنا يا اللهُ بفضلك ومنّك من فرقنا إلى جمعنا، وأخرجنا من وهمنا إلى حقيقتنا التي هي وجودُك، أخرجنا من وهْمِ اعتقادِ وجودنا إلى التوبة المطلقة من وجودِنا فلا نشهد موجوداً إلاّك يا عظيمُ هناك عند مقام الجمع وبرزخ الرّحمة وبحر القدم وأين الحادث من القديم يا عظيم ؟ سبحانك لا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك فلا تكلنا إلى أنفسنا ولا تكلنا إلى غيرك، وتداركنا برحمانيتك لنتحقّقََ بصفاتِكَ وأخلاقك فتُمحقَ صفاتُنا وأخلاقُنا المذمومة الموصوفة بكلّ نقصٍ وعجزٍ وعدمٍ. آتنا من لدنك رحمةً كما وجد موسى عليه السلام عبداً آتاه الله من لدنه رحمةً وعلما، فسبقت الرّحمةُ العلم، فبالرّحمة نعلمُ بك {الرحمن علّم القرآن}. آتنا من لدنك رحمةً لنعثرَ على برزخ البحرين ومجمعهما، وقد فتحت لنا إلى هذا البحرِ نافذةً فغيّبتنا عن ذواتنا، فجُدْ علينا برحمتك فنتحقّق بعلم الحقيقة والشريعة، ونشهد بحر القدم وبحر الحادث بك يا ربّنا، وهيّئ لنا من أمرنا رشداً لنبقى بك ونتأيّدَ بكَ عن نفوسنا وزيغنا، ببقائكَ وفنائنا. بحياتك وموتنا، بوجودك وعدمنا، بحولك وقوّتك وعجزنا، بغناك وفقرنا، بعلمك وجهلنا.

{فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدً} فاستجبنا لهم دعاءهم وطلبهم، فضربنا على آذانهم في الكهف، وصرفنا مصارفَ قلوبهم عن غيرنا، ووجّهنا أسماع قلوبهم ومنافذها نحونا وتجليّاتنا حتّى لا يقِفُوا على غيرنا فيُفْتَنُوا، فظاهرهم أيقاظٌ وباطنُهم نيامٌ، ظاهرُهم في عالم الملك والشهادة وباطنهم في عالم الملكوت عند الله تعالى يتعهدهم سبحانه. ظاهرهم صحوٌ وحقيقتهم سكر وجذب، وعلامة كونِهم عند الله تعالى يتعهّدهم في السّماء قبل أن يستيقظوا ويرجعوا الى مقام الصّحو والبقاء به سبحانه، قوله سبحانه {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا}. مدّة لبثهم المعجزة، فقال ضربنا على آذانهم سنين عددا، ظاهرها عدد معلوم قليل كما هو حساب عالم الملك والشهادة، وحقيقة لبثهم عند الله تعالى {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا}. فلبثوا بأيّام الله تعالى يوماً أو بعض يومٍ كما ذكروا ذلك بعد استيقاظهم وصحوهم {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ}. فكانت ثلاثمائة سنين مدّة لبثهم هي بعض يومٍ عند الله، في عالم الملكوت. {وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج:47]. أمّا عدم تحقيق الفتية لمدّة لبثهم فذلك راجعٌ للرّسوخ، فبقدرِ الرّسوخ والتحقيق يكونُ المرءُ علمُه محقّق، والله أعلم. ولذلك قالوا يوماً أو بعض يومٍ وقال الرّاسخون منهم ربّكم أعلمُ بما لبثتم، ففوّضوا فتفويض العلم والمشيئة لله تعالى من علامات التّحقيق. فكلّما زادَ العلم والتّحقيق والرّسوخ زادَ التفويض لله تعالى في العلم والمشيئة، لأنّهما له بإطلاق فالعلمُ علمُ الله تعالى، والمشيئة لله وحده، وإن كان هؤلاء المحقّقون نوّاباً لهُ، ألا ترى أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ردّ المشيئة والعلم في حديث المراحل الزّمنية للأمّة المحمدية، في حديث حذيفة رضي الله عنه "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها..."، ففوّض الرّفع لعلم الله تعالى ومشيئته المطلقة في جميع المراحل إلاّ مرحلة الخلافة الإلهية في آخر الزّمان فما ذكر تفويض المشيئة، لينبّهك يا مؤمن أنَّهُ هو الذي في الأرضِ إله كما هو في السّماء إله، وهو الظاهرُ بالصورة الآدمية في آخر الزّمان فكانت مشيئتُهُ واحدة "خلق الله آدم على صورته". لتعرفَ قدرَ هذا المهديّ فهو الدرّة اليتيمة، فتعالى أن يتساوى الخالق بالمخلوق في القدْر. وإن تساووا في الظهور والإنسانيّ ومظهر الخلافة فما استووا في القدر والحقيقة. فإلى الخليفة المنتهى والعلم والإمامة والمشيئة والحقيقة والتّصريف. ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون.

ولستُ أزعُمُ علماً بحقيقة تلك المدّة واللّبث ولماذا خُصّصتْ بذلك القدر، فهذا علمٌ له أهله من أهل التّحقيق، وما نحنُ سوى مُقتاتين على هؤلاء العارفين بالله تعالى، وهم لا يخرجون هذا العلم وتفاصيله، فهو لأهله، وإن صدرت منهم بعضُ الرَّشحات فبقدَرِها وللضرورة.
ولكن يبدو لي اختلاف قولهم يوماً أو بعض يومٍ، راجعٌ أنّ هناك منهم من يلبثُ يوماً كاملاً من أيّام الله تعالى، وهو تحقيقاً المهدي عليه السلام. وهذا مذكورٌ بطريقة غير مباشرة في حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الذي رواه مسلم في صحيحه عن مدّة لبث الدجّال : (أَرْبَعُونَ يَوْمًا ، يَوْمٌ كَسَنَةٍ ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ..). فذكر بعض العارفين بالله أنّ يوم كسنة هو اليوم الذي يتقابلُ فيه المهدي في جذبه مع إبليس (وإبليس روح الدجّال) في المواجهات ومداخل النّفس، أي اليوم الذي يتقابل المهدي مع الدّجال في ثوبه الإبليسيّ في حضرة الربّ سبحانه في عالم الملكوت وهو يوم من أيّام الربّ سبحانه، فكان من جنس السنة، فكان لبث المهدي في الكهف مدّة يومٍ. ثمّ يوم كشهر وهو يوم من جنس ليلة الحضرة المحمديّة، "ليلة القدر خير من ألف شهر" فذكر هنا الليلة المحمديّة من جنس الشهر. ويوم كجمعة أي كأسبوع وهو اليوم المعبّر عن أيّام الأسبوع السبعة أي نسبةً للسّموات السبع والله أعلم. ثمّ باقي الأيّام كسائر أيّامنا. وكونها أربعين يوماً لأنّ المهدي لا يبلغُ الكمال إلاّ عند الأربعين من عمره. فكانت أربعين يوماً بمقاديرها المختلفة. فهذا علمٌ فوق العلوم الظاهرة. واعلم أنّ العلم لا ينتهي ومطلق عند الله تعالى. لذلك قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام "لو شئتُ لأوقرت سبعين بعيراً من تفسير سورة الفاتحة"، وفي رواية (لو شئتُ لأوقرت سبعين بعيرا من باء بسم الله الرحمن الرحيم). فهذا العلمُ من علم الله تعالى اللّدنيّ الذي يُعلّمه أولياءه. وعلمُ الله تعالى مطلق بلا نهاية.

ثمّ لتعلمَ حقيقة هذا الخاتم الذي ردّ الله إليه حقائق الأمور، فظهرَ بحقائقها على الواقع مترجمة بآثارها في الأكوان، ليُعْلَمَ لأهل البصائر والعلم أنّه الذاتيّ الذي انعكستْ سيرتُهُ على الأكوان، فهو القطب الحقيقيّ، صاحب التّصريف الحقيقيّ، وليس صاحب التصريف سوى الله سبحانه. ولذلك ما فوّض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم -في حديث حذيفة- المشيئة والعلم في مرحلة حكم هذا القطب في آخر الزّمان ليدلّك أنّه القطب المتصرّف ويفعل ما يشاء وإليه يرجعُ الأمرُ كلّه. ولذلك كان علَم الساعة فهو صاحبها في الأساس. وجميع أشراط السّاعة الكبرى هي من آثار سيرة المهدي عليه السلام وظهوره.

ولستُ أدري لماذا كانت المدّة ثلاثمائة سنة التي ذكرها الله تعالى سبحانه وعلاقتها بالحقائق، ولكن يبدو لي -والله أعلم- أنّ هذا العدد من السّنين، له علاقة بالعدد ستمائة، لأنّ الله تعالى قال {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ}. فقيل أنّهم كانوا يتقلّبون في السنّة مرَّتين، مرَّةً ذات اليمين ومرّة ذات الشمال، كي يُروّحَ الله عنهم، تارةً يلتفتونَ إلى الجهة الحقيّة وتارة يلتفتون إلى الجهة الخلقية، تارةً إلى الفضيلة والنّور والجمال والبسط والرّوح، وتارةً إلى الطّبع والكثافة والجلال والقبض والنّفس. ومن هنا صارَ العدد ستمائة تقليبة، ثلاثمائة إلى اللّطافة والحقيّة وثلاثمائة إلى الكثافة والخلْقية. وسرّ هذا العدد والله أعلى وأعلم، هو حرف النّون، الذي عبّرََ عن الدائرة الوجودية، فإذا اعتبرنا الوجود دائرةً، نصفها حقّ ونصفها خلق، كما ذكر الله "قاب قوسين أو أدنى"، فهما قوس الحقية وقوس الخلقية، ولكلّ إنسانٍ هذه الصورة "خلق الله آدم على صورته"، أي نصفه روح وغيب ونصفه جسم وحسّ، والنّون مُعبِّرٌ عن هذه الصورة كما أشار إلى ذلك الشيخ الأكبر، أنّ (ن) رسمُهُ نصف دائرة، فكانت نصف الدائرة المشهودة المحسوسة في عالم الحسّ والملك والشهادة هي رسمُ (ن) الظاهر، وأمّا النّصف الثاني الغيبيّ والقوس الحقّي فهو الغير مشهود لنا وغير مرسوم وغير ظاهر في الرّسم، اي القوس الأعلى فتأمَّلهُ (ن)، فكان النّون معبّر عن القوسين، قوس الغيب وقوس الشهادة. القوس الظاهر السّفلي هو قوس الشهادة، والقوس المخفيّ المستور الأعلى هو قوس الغيب. لذلك كانت نون، رسمها نونان : نون ثمّ واو ثمّ نون. فكلّ شيءٍ من الله بقدر وتقدير فاعلم.
والحروف التي جاء القرآن بلغتها ورسمها لها أسرار لا محالة، فهذا تقدير العزيز العليم الخالق سبحانه.
فالنّون في حساب الجمل عددها خمسون، وخمسون هي عددٌ مميّز منه سبحانه لذلك شرع الصّلوات خمسين صلاةً ابتداءً ثمّ خفّفها الله على حبيبه وصفيّه صلّى الله عليه وسلّم خمساً. كما قال صلّى الله عليه وسلّم "فراجعت ربيّ فقال هي خمس وهي خمسون لا يُبدَّل القول لدي". وحتّى اختصارها إلى خمس رجعت إلى عدد الهاء الذي عدده خمس، وهي هاء الهويّة -ذكر ذلك الشيخ الأكبر- فنابت الهاء عن النّون، رحمة من الله سبحانه بأمّة حبيبه صلّى الله عليه وسلّم. فالحاصلُ أنّها خمسون، قيل هي متعلّقة بالهمّة والأقلام الكاتبة، فالنّون مذكور مع القلم، قال الله تعالى {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}. فكانت خمسون من كلّ جهةٍ، والجهات ستّ في الكون، فهي نون: نون الغيب ثمّ واو الجهات ثمّ نون الشهادة، فالواو عددها ستة. فانظر لهذا الإحكام، فإذا ضربنا خمسون في ستّة حصل لدينا ثلاثمائة، هذا بالنّسبة لنون واحدة، وهما نونان، نون الشهادة والحسّ والكثافة والخلْق، ونون الغيب والرّوح واللطافة والحقّ. فصار لدينا ثلاثمائة مرّتين، فصارت لدينا ستمائة. وهي تمامُ الهمّة الكاملة التي يتواصلُ فيها الرّوح بالجسم، والغيب بالشهادة، والقلبُ بالرّوح. وهو عدد أجنحة الرّوح الأمين، أجنحة سيّدنا جبريل عليه السلام. جاء عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل له ستمائة جناح) رواه البخاري ومسلم. فافهم، فإنّ الرّوح عند نزوله قلب العبد الكامل، فذلك يدلُّ على كمال العبدِ واستعداده الكامل للتلقّي من الرّوح، وانفتاح كلّ نقاط التواصل والبورت والمنافذ بين الحقّ والعبد، فهذا علامة الهمّة الكاملة التامّة. فيصيرُ الإنسانُ روحاً في حقيقته وإن بدا على الهيئة البشريّة. فكانت ستمائة تقليبة، نصفها ذات اليمين لجهة الغيب والرّوح، ونصفها ذات الشمال لجهة الشهادة والحسّ والطّبع. فهي ترقّيات وتهيئة للاستعدادت الذاتية للقلب أن يكون محلاًّ قابلاً لنزول الرّوح عليه. ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195)﴾. [سورة الشعراء]. وهذا مصداق قول الله تعالى في الحديث القدسيّ (ما وسعني لا سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن).

يتبع ..