الاثنين، 2 يونيو 2014

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 64


- 64 -

قلنا : "فيتجلّى نعيم الجنّة بهذا الاعتبار. ويُصبحُ العبدُ أنّى اشتهى شيئاً وأراده وجده، وليس يشتهي سوى النّعم والجمال والرّحمات والفضائل، لأنّ حياته قائمةً بالله تعالى على الاعتبارين : الباطن والظاهر. بخلاف الحياة الدّنيا، فالحياة فيها قائمة على المعنى الظاهر فقط. لأنّ النّفس تنزِعُ فيها إلى الطّبع والتّراب والعنصر وأناها الذي يميلُ بها ضدّ حقيقتها الأصلية التي ترجِعُها إلى ربّها.". اه.
قولنا أنّ الحياة الدّنيا قائمة على المعنى الظاهر، أي أنّ العبد فيها غير متحقّق، يعيشُ على ظاهر الحياة فقط، وهو غافل عن باطنها وحقيقتها، فيتحقَّقُ بظاهرها وأسبابها، بخلاف الآخرة فالحياة فيها حقيقية، لأنّ العبدَ المؤمن في الجنّة يُصبحُ متحقّقاً فيها مهما أراد شيئاً وطلبَهُ حقّقه له الله تعالى وأعطاه، فله مشتهياته ورغباته محقّقة حاضرة بلمح البصر. فهو في نعيمٍ مقيم عظيم. فحياته قائمة بالله تعالى ظاهراً وباطناً، وكلٌّ حسب منزلته في الجنّة، وحسب مستوى ترقّي قلبه في التجليّات والذوق. فيتمنّى بقدرِ ما يريدُ، والقلبُ هو الحاكم في الأمنيات والإرادة. ولذلك اختلفت منازل العباد في الجّنة، بقدرِ تحقّق قلوبهم ومعرفتها بالله تعالى وذكرها له سبحانه. فاختلفتْ لذَّاتُهم ورغباتُهم وخيالاتهم ووسعُهم وتجليّاتهم. فالحياة الحقيقية في الآخرة، إذ يُصبحُ العبدُ حيّاً بالله تعالى بالمعنى المقصود، حياتُهُ مستمدّّة من أصلِ الوجود من الحيّ الواحد المعبود سبحانه وتعالى. قال الله تعالى (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ). العنكبوت-64. فسمّاها الحيوان، وهي مبالغة في لفظ الحياة وزيادة في البناء للزيّادة في المعنى، وتثبيت معنى الآية السابق أنّ الحياة الحقيقية هي الآخرة (يا ليتني قدَّمتُ لحياتي)، مقارنةً مع الحياة الدّنيا التي هي لهوٌ وتلهيةٌ ولعبٌ وغفلةٌ، سريعة الزّوال، كثيرة الفتن، شيمتُها التحوّل والتقلّب، فحياتها لهوٌ ولعِبٌ لا يليقانِ بأهل العقل والرجاحة والأكياس الذين ينظرون في عواقب الأمور.
 

فالآخرةُ حصادُ زرعِ الدّنيا بميزانٍ دقيقٍ عادل عظيمٍ. لأنّها أي الآخرة باطنُ الدّنيا. ومهما كان العبدُ يسقي الجِرابَ الذي يسقيهِ، فمنهُ يستقي في الآخرة. فمن يسقي جرابَ النَّفسِ الأمّارة بالسوء، ويعيشُ في دائرتِها غافلاً عن ربِّهِ، وغافلاً عن وجودِهِ الحقيقيّ الذي به قام وهو وجودُ واجب الوجود سبحانه، فسيستقي من هذه النَّفسِ وتحقُّقَاتِها في آخرته، فتنعكِسُ عليه هذه الدائرة التي ارتهنَ فيها، وهي دائرة الوجود العرضيّ المزيّف الذي ينزِعُ إلى الشرّ والسّوء والمساوئ. فتسقيهُ نفسُه يومئذٍ سقياهُ التي استقى منها، ويحصِدُ زرعَهُ الذي زرعَه في الدّنيا. فيخلُدُ أهل الكفرِ والجحودِ والنّفاقِِ في النّار والجحيم، تسقيهُمْ نفوسهم بما تحقّقتْ به، وهي ما تحقّقتْ إلاّ بالكفرِ والجحودِ بالله تعالى مصدرِ النّعم والرّحمة والخير المطلق. أي تسقيهُم ما يُضادُّ هذه النعم والخير والرحمة وهو العذاب والجحيم والشقاء. فهذا هو جزاءُ الكافرين والمنافقين. قال الله تعالى {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ، عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ ، وَسَاءَتْ مَصِيرًا} الفتح-6 . فجعلَ دائرة السّوء نتيجة ظنّهم بالله ظنّ السّوء. ونالوا الغضب والطّرد والبُعد وعذاب الجحيم. أمّا المنافقين فإنّ أعمالَهُم الظاهرة على الطاعات والإسلام لم تشفَعْ لهم لأنّ حقيقتها هي الكفر والجحود، فسقتهُمْ نفوسُهم الجاحدة الكافرة باطناً الظانّة بالله تعالى ظنّ السّوء المطلق سقيا العذاب والبعد والجحيم مثل الكفرة، وكانوا أشدُّ كفراً وعداوة لله والمؤمنين فكانوا في الدّرك الأسفل من النّار، أي كانت نفوسُهم أشدّ سوءاً في ظنونها السيّئة بالله فانقلب ذلك عليهم وما شفعت لهم أعمالُهم الظاهرة لأنّ حقيقتها هي الكفرُ والعداوة والسّوء، كمن يُظهِرُ لكَ الإحسانَ والخير ويبشُّ في وجهَكَ وهو يكيدُ لكَ ويُريدُ أن يؤذيكَ من حيثُ أنتَ تُحسِنُ الظنّ به، فهو يستعمِلُ ابتسامته وخيره الظاهر لك وإحسانه من أجلِ أن ينالَ منكَ ويؤذيك، فأعمالُهُ ليستْ خيراً ولا إحساناً بل هي عينُ الأذى والكيد والإساءة والشرّ، وهكذا حالُ أعمالِ المنافقين ومعاملتهم مع الله تعالى. أمّا العصاةُ من الموحّدين، فتسقيهُم نفوسُهم ما لبِثُوا فيه من دوائر الظنّون السيّئة والأعمال الطّالحة السيّئة، ولكن يشفعُ لهمْ إيمانُهم بالله تعالى وتوحيدُهم، أي أنّهم ما كفروا وجحدوا المصدر والمرجع الأصل في الخير والنّعم، ولكن عصوا وتفاوتوا في العصيان والتمرّد، فسقتهم نفوسُهم بقدرِ ابتعادهم عن التحقّق والتزكية النّفسية والصّلاح. وردّوا بعد ذلك إلى الأصلِ وهو إيمانُهم بالله تعالى وتوحيدُهم. ولمّا كانوا عبيدَ الأجرِ والظاهرِ من الأعمالِ والأسبابِ، جزاهم الله تعالى ووفَّاهُم بظاهرها، وأقامَ لهم أعمالهم حاكمةً عليها، الصالحة والطالحة، وحكم عليهم الميزان.{فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة:7-8]. وكذا المؤمنين فإنّهم كانوا فريقين، فريقٌ كان من أهل الظاهر وطلاّب أجرٍ فقط، ما عبدوا الله تعالى بمكيالِ المحبّة والعشق، ولكن عبَدُوهُ بمكيالِ الأجر وظاهر الطاعات، فوفَّاهُم الله تعالى بميزانهم الذي أقامُوهُ في الدّنيا مع ربّهم، وهو ميزان الظاهر والأسباب، فأقام لهم الميزان حاكماً على أعمالهم الصالحة وطاعاتهم، فلمّا كانت أعمالهم الصالحة غالبة وطاعاتهم وافرةً جزاهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون، وهو أكرم الكرماء وأحسن الشاكرين، وأدخلهم الجنّة كما وعدهم. وفريقٌ آخر وهو فريقُ القلوبِ والتقوى، الذين عبدوا الله تعالى محبَّةً له سبحانه وطلباً لوجهه وذاته، فأقام الله لهم ميزانهم الذي أقامُوه مع ربّهم، وردَّهُم إلى قلوبِهم المُحبّة لله تعالى، فنالوا الكرامة عنده وسبقوا يوم القيامة. وزادَهُم على أعمالهم الصالحة وطاعاتهم مثاقيلاً لا يعلمُها إلاّ هو سبحانه، لأنّ مثاقيلَ أعمال القلوب لا يُقاسُ بها أعمال الظاهر. وما تفاوتت الأعمال الصالحات إلاّ بالنيات والقلوب، كما قال صلّى الله عليه وسلّم "إنّما الأعمال بالنيات". وهؤلاء جاؤوا ربَّهم بقلوبٍ محبّة ونياتٍ صافية خالصةٍ يطلبون وجهه، فردّهم سبحانه إلى ميزانِهم الذي جاؤوا به ربَّهُم وما خيَّبَهُم فسبقوا يومئذٍ. ولهذا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم " لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى شَيْءٍ إِلا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا ". فتأويلُ الحديث إن كانت الجنّة نعيماً خالِصاً لا حسرة فيها ولا ألم ولا حرمان وهو كذلك -أي لا حسرة فيها ولا ألم- ، فتأويلُ الحديث أنّ أهل الجنّة مقصود بهم عموم من يفوزون بالجنّة ويُبشّرون بها بعد الحساب أو عندَ دخولهم الجنّة ابتداءً، فيرونَ عظمة عطاء الله تعالى ووفرته، وميزانَ عطائه الذي قامَ على تعظيمِ المُنعِمِ سبحانه، فبقدرِ التعظيم والمحبّة لله يزدادُ ميزانُ القربِ والعطاء عنده سبحانه، فيتحسّرونَ على ما فاتَهم من أوقاتٍ ما ذكروا فيها ربّهم وما عظَّموا المُنعِمَ على النّعََمِ التي كانوا يتقلّبون فيها في الدّنيا، مع شهودِهم معنى الحياة الحقيقية ذوقاً وعياناً فيتحسّرونََ على ما فاتَهم من القربِ القلبيّ والحبّي لمولاهم سبحانه الكريم العظيم. وأدلُّ دلائل وعلامات تعظيم الْمُنعم والرّغبة في قربه ومحبّته هي ذكرهُ في الأوقات. وإنّما كانتِ العبادات وقامت الطاعات لإقامة هذه الصّلة بين العابد والمعبود، والخالق والمخلوق، ومن أجلِ ذلك كانتِ الصّلاة ركنُ الدين وعمودُه، لأنّها شملتْ هذا المعنى العظيم وهي ربط الصّلة بالله تعالى، وردّ العباد إلى المُنعِم بذاته سبحانه والوقوف بين يديه، كي لا يغفلَ العبادُ بشهودِ النّعم والتلذّذ بها على حسابِ المُنعِمِ وشهودِه سبحانه، فأقامَ لهم الصلاّة فيها تلك الصّلة المباشرة بين العبد وربّه، وفرّق أوقاتها على اليوم ليؤسّس هذه الصلة ويقوّيها لأنّها سرّ العبودية وحقيقة الفلاح، ولهذا جاء في نداء الصلاة حيّ على الفلاح، فالصّلاةُ عمودُ الدّين بهذا الاعتبار، فيها معنى الذكر بجماعه الذكر القلبيّ واللّسانيّ وتسخير سائر الأعضاء لهذه الصلة بين العبد وربّه وذكره سبحانه، فهي ليست ذكراً عادياً، بل ذكرٌ مكثَّفٌ شامل. ولسرّ الصّلاة وتميّزها ما اختارَ الله لها التّشريع إلاّ في السّماء عند سدرة المنتهى في ليلة المعراج، فأعظِمْ بها تكريماً وعماداً وشرفاً لهذا الإنسان، وحازتْ هذه الخصوصية لأنّ فيها كما قلنا معنى العبودية وسرّ شهودِ المُنعِم سبحانه والوقوف بين يديه وردّ العبدِ إلى ربّه يُناجيه ويذكرُه ويدعوه ويستشعِرُ قيامه ووقوفه بين يدي ربّه. ولمعنى التعظيم وشهود المُنعِم، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ((أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي)). فجعلَ محبّة الله تعالى تقومُ بشهودِ حقيقة تلك النّعم التي يتقلَّبُ فيها العبدُ، وحقيقتُها هي الله سبحانه. وهنا بابٌ مفتوحٌ للبصيرة والذوق والمعرفة، كيف أنّ العبدَ يتقلَّبُ في النّعمِ التي لا تُحصى، وكلّما شهدها بتدبّرٍ وذوقٍ زادَ تعظيمُه لربّه وشكره ومحبّته، وعرفَ قدر هذا التّخصيص وقدر تلك النّعم. إذ لا موجودَ سواهُ سبحانه، فكلّ القدرِ والشرف والتكريم والحبّ والخصوصية في الوجودِ أوّلاً أيّاً كان هذا الوجود، ثمّ في الوجود على الصورة الإلهية، ثمّ في تنزّلِ تلك النّعم التي لا تُحصى ولا تتناهى وهي ثمرة الصورة الإلهية. فهنا بحرٌ من التفاوتِ في تقدير هذه النّعم التي وهبها الله لخلقه. وهو الغنيّ العظيمُ في علاهُ. لذلك قال سبحانه عزّ وجلّ {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ..} [سورة الزمر:67]. فكانَ الذكر في الأوقات هو عنوان المحبّة وعنوانُ الرّغبة في القرب، وعنوان التعظيم للمُنعِم سبحانه. وكان الذّكر مطيّة القرب القلبيّ، والعلوّ في الدرجات عند الله تعالى، فيتحسَّرُ أهل الجنّة على كلّ ساعة مرّت لم يذكروا فيها الله تعالى. وكيف فاز الذاكرون الله بعظيمِ الدرجات، ومنازل الحبّ والقرب. فضلاً عن كونِ أجر الذكر أجرٌ عظيمٌ مع سهولته ويسره، فهو من أيسر العبادات إطلاقاً، وهو مع يُسرِهِ من أعظمِها ثماراً وأجراً.

والذِّكرُ كما قال أهل العرفان والتربية : هو منشور الولاية. من أُعطِيَهُ فقد أعطيَ باب الولاية والقرب. وما زالَ العبدُ يذكرُ الله تعالى حتّى يطوي الطريق إلى ربّه. وأنّ القلبَ سرُّهُ في التحقّق هو الذكر، وكثرة الذكر. لأنّ الذّكر هو مفتاحُ التجلّي، فمهما أقامَ العبدُ على ذكرِ ربّه، فقد أقامَ على تجلّيه عليه بقدرِ الذّكر والأوقات التي تستهلِكُ العبدَ في ذكره، ونوع ذكره، وكيفية ذكِره. وكثرة الذّكر تستجلِبُ الخشوعَ وتوسِّعُ مداركَ القلبِ لسعة التجلّي الأقدس، فهو مع دوامِ الطّرق والذكر والإقامة على الذّكرِِ يفتحُ منافذ القلبَ نحو الرّوح ليتلقّى منها أمداد الحقّ سبحانه إليها، يفتحُ المنافذ ويوجّهِها نحو الرّوح، فيخِفُّ العبدُ أكثر، من عبء الجسد وعبء الطّبع التّرابيّ الذي يشدّهُ للطبائع الدونية والمساوئ النّفسية، ويترقّى بالرّوح. لأنّ القلبَ سرّهُ التقلّبُ، وسرّهُ التوجّه، وحيثُ توجّه وجهةً استهلكتهُ كلّه، فإذا توجّه نحو الله تعالى وأمداده عبر الرّوح، فقد ارتفعَ عن توجّهه الدونيّ الترابيّ الدنيويّ. والقلبُ هو البرزخُ بين الرّوح العارفة بربّها الشاهدة له، وبين النّفس المتّصلة مباشرةً بعالمِ الحسّ والطبائع الترابية والعنصرية، والذكرُ يملأُ هذا القلبَ بأنوارِ الحقّ سبحانه، وأمداد الرّوح، مهما زادَ وتقوّى وتركّز هذا الذكرُ زادت الأنوار والأمداد، واتَّسعتِ المنافذ نحو الرّوح. فيستجلِبُ هذا التوجّه نحو الحقّ سبحانه أنوارَ تجليَّاتِه عليه. فيُصبِحُ العبدُ في معية الحقّ، معيِّة بقدرِ حضورِهِ في الذكر وبقدر كثرة ذكره. ولهذا كان الذِّكرُ أفضلُ العبادات مُطلَقاً. قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - :"ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من تعاطي الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم غداً فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم " قالوا : بلى يا رسول الله، قال: " ذكر الله".حديث صحيح. إنّ الأعمالَ والطّاعات تتعاظَمُ عند الله بقدرِ نيتِها وخلوصِها، وتفاوتت أقدارُها ودرجاتُها عنده سبحانه، ولكنَّ الذِّكرَ هو السرُّ الذي يجعَلُ لجميعِ العباداتِ والطّاعات معناها الحقيقيّ، فدوامُهُ في الأوقات يغمُرُ العبدَ ويجعلُه في معيّة الله تعالى، فتأتي طاعاتُهُ خالصةً قائمةً بروحِها فيها معنى العبودية والمحبّة لله تعالى والتعظيم. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ : جَبَلُ جُمْدَانَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سِيرُوا سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ " . قَالُوا : وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ .. ". حَدِيثٌ صَحِيحٌ. سبق المفرّدون وهم السّابقون من عباد الله تعالى الذين استهتروا بذكر الله تعالى حتّى أصبحت أنفاسُهم ذاكرة لله تعالى.



___________

وقولنا : (والإشارة هنا، هي في كونِ أنّ الإنسان لا نهاية ولا حدّ لشرّه إلاّ إذا تجلّى الله عليه بمحاسنه وفضائله وكمالاته. قال لي أحد مشايخي قدّس الله سرّه وسرّهم : "الإنسان لا نهاية لشرّه ومساوئه إلاّ إذا تجلّى عليه الله بمحاسنه وفضائله".) اه.

أي أنّ النّفسََ الإنسانية لا نهاية لشرّها ومساوئِها ما دامت ملتفتةً لنفسِها معرضةً عن ربِّها سبب وجودِها وسبب النّعمِ التي تتوالى عليها، فلا ترتهنُ إرادتُها حينئذٍ سوى في الأنانية والشرّ والمساوئ والجحود. قال العارف ابن عطاء الله السّكندري رضي الله عنه
(لا نهاية لمذامك إن أرجعك إليك، ولا تفرغ مدائحك إن أظهر جوده عليك). ولذلك يتجلّى التدجيلُ على أوجِهِ في العالم، فهو ارتهانُ النّفس البشريّة في سجنها النّفسيّ حتّى ترتكسَ إلى قاعِ الحضيض، وتهوي الى دركة البهيمية بل الشيطانية، ولا تزالُ تهوي هذه النّفس المسجونة في قفصِها النّفسيّ إلى دركات الانحطاط، وتُسمّى حينها النّفس الدجّالة، وهذا يُفسِّرُ ما جاءَ من أوصافٍ وأحاديث تصِفُ آخر الزّمان، وانقلابَ مفاهيمه وانحراف سلوكياته، وقلّة خيره وصالحيه، وتهارج النّاس على الدّنيا وبيعهم لدينهم بعرض من الدنيا قليل، ويُصبحُ المحافظ على دينه كالقابض على الجمر، لأنّه وقتها يُصبِحُ المحافظ على دينه المتمسّك بانتمائه الحقيقيّ وهو الانتماء لله تعالى، يُصبحُ غريباً معاكساً للتيّار العامّ القويّ جدّاً، تيَّارٌ مدجَّلٌ. والحفاظ على الدين هنا ليس هو الحفاظ على ظاهره فقط، فكم من تديّن ظاهر وحقيقته التدجيل، وما ارتضاهُ عصبة التدجيل العالميّ أن يكون موجوداً على حساب التديّن الحقيقيّ النقيّ الذي يجمعُ القلبَ على ربّه، ولا يشغله عنه. وأكثر حال المتديّنين في آخر الزّمان مشغولون عن ربّهم، بسبب التدجيل الذي عمّ واخترَقَ الكثير من الهيئات والحالات وانحراف المفاهيم وانقلابها، وعدم وضوح في الرؤية والفهم والتديّن. فضلاً عن فساد النيات والقلوب وانجذابها للدّنيا والشهوات المؤثَرَة التي استعلتْ بوسائلها القويّة، ونفوذها وسهولتها. فحينئذٍ لا يكونُ صلاحُ هذه الدّنيا المدجّلة والنّفس الرّاكنة لأناها وشرّها، إلاّ دالاًّ عن ظهورِ الرجل الذاتيّ، الذي صلاحُهُ يعكِسُ صلاحَ العالم. ولهذا يظهرُ هذا الرَّجلُ من آل البيت عليه السلام في آخر الزّمان، وإصلاحُهُ يكونُ في ليلةٍ، ليُعطي حقيقة مقامِهِ الذاتيّ المؤهِّل لهذا الإصلاح الجذريّ الانقلابيّ العظيم في الكون، وكذا رحمةً من الله لبقيّة المؤمنين وبهذه الأمّة المحمديّة المرحومة، فيظهرُ المهديّ عليه السلام، ولا يكونُ ظهورُهُ سوى مُعبِّرٍ عن نفخ الرّوح في الإسلام، فهو الرّجل الذاتي والخليفة الذي كان سرِّهُ ذاتياً، والوحيد المؤهَّلُ أن يقلَبَ هذه النّفس العنصرية المسجونة في قفصِها النّفسي التدجيليّ المنحطّ إلى نفسٍ صالحةٍ مؤيّدةً بروح القدس. فيظهرُ إماماً عادلاً وهو في الحقائق وعالم العرفان دالٌّ على مرتبته الذاتية وإمامته العليا لمن كان يعقلُ معنى إصلاحه في ليلة وقلبه للعالم كلّه رأساً على عقب، وإبادته للظالمين. وبالتّالي فظهورُهُ لا يُعبِّرُ إلاّ عن الساعة وعلاماتها الكبرى.  


________________

شاهِدُ الخليفة

وشاهِدُ الخليفة ليس هو الطريقة المعتادة، بل شاهدُهُ هو ما اعترضَ عليه الملائكة لمّا أنبأهم الله تعالى بأمرِ الخليفة في الأرض، أي أنَّ الخليفة هو روح جميع الخلائق وسرّ جميع العباد، فشاهدُهُ هو التحقّق بجميع مظاهرهم وتلوّناتهم واعتباراتهم سواء بجمالها وكمالها أو نقصها وجلالها. وهذا إذا استعصى على الكثيرين إدراكُهُ فهو سرُّ الخليفة وحقيقتُهُ وحجَّتُه وعلامتُهُ التي ذكرها الله تعالى في شأنِهِ وعلامتُه التي فضّلَهُ الله بها على غيره من الملائكة المعترضين وسائر الخلق. فسرُّ الخليفة هو التحقّق بالأسماء جميعها، والتحقّق بالأسماء يقتضي الظهورُ بآثارِها في الأرضِ. فقد صارَ بهذا الظهور والتلوّن والشاهدِ الخليفةُ هو سرّ جميع المراتب والخلائق، وحقيقة الحقائق، التي تعيّنتْ في الأعيانِ وظهرتْ في الأشكالِ والأطوارِ والخلفاء والعباد على اختلافهم. فليس اسمُ الخليفة سوى الإشارة إلى الإنسان مطلق الإنسان الذي استخلَفَهُ الله تعالى في الأرض فمنهُ الشاكر ومنه الكافر. ولكنّ حقيقة الخليفة وحقيقة هذا الإنسان هو المُرادُ بالخليفة اصطلاحاً، لأنّهُ السرّ الذي تلوّنَ بسائر الخلفاء والأنبياء والنّاس وليس ذلك السرّ سوى الوجه الذاتي الذي ذكرَهُ سبحانه وتعالى ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. ولهذا فالخليفة المُطلق لا يظهرُ إلاّ بعلامات السّاعة الكبرى، لأنَّهُ نهاية الوجود وختام خزانة الجود الإلهي، وحقيقة كلّ موجود. فلا تتعجّب من وجودِ هذا الخليفة وهذا العنقاء المغربية، لأنّه حقيقة الخلفاء، وإلاّ لوجبَ أن ترجِعَ الحقيقةُ والخلافة بعينيتها إلى صاحبِها باسمِهِ وسرّه الذاتيّ، وحيثُ لم يُعلن عنهُ ولم يُعرف غيرُهُ، فوجبَ أن يتفكّرَ المعترِضُ عن سرِّ وجودِ تلك المرتبة التي ظهرَ بها الخلفاءُ، وهي ليست مرتبة النبوّة، فالنبوّة مرتبتُها الرّحمانية والكمالات، ومقامُها الرحمة التي أرسلت بها إلى سائر المخلوقات والعالمين، فدلّ ذلك على وجود ختمٍ وخليفة مطلقٍ هو الخليفة في الآيات المذكورة في سورة البقرة، فقد نعته الله تعالى خليفةً واحد وأسجد لسرّه الملائكة، بينما الخلفاء هم سائرُ النّاس بإطلاق الخلافة بنقصها وكمالها، وخلفاء متناوبون واحداً بعد واحدٍ في مقام الخلافة الكاملة، ولمّا كان الخليفة هو المرادُ من الإنسانية بكمالِها وصورتها الإلهية، فحقيقة الإنسان والخلفاء جميعاً، هو سرُّ الوصلِ والفصل لجميع هؤلاء الخلفاء الذي أعطى لكلّ واحدٍ من هؤلاء الخلفاء محتدهُ الخاصّ به، أنبياءً وأولياءً في مقامِ النبوّة والولاية، وأعطى لكلّ أنسانٍ محتده الخاص به، فليس مردُّ الناس والعباد سوى إلى ربّهم في المنتهى، أقولُ ذلك للمعترضين الذين يزعمون خصوصية الفهم والانتماء لسلك العرفان. فمن صاحبُ هذه الخلافة الذي أعطى سرّ محاتد جميع الناس والعباد ليرجعوا إليه في النهاية؟ لترجع أعيانُهم الثابتة وحقائقهم إليه في النهاية؟ إنَّهُ الخليفة الذي تجلّى بالأعيان، وهو عينُ كلّ عينٍ وسرُّ كلِّ محتد. فافهم سرّ اعتراض الملائكة على الخليفة، وهو ذاتُ الأمرِ الذي شرّفَ به الله هذا الخليفة وأسجدَ له الملائكة، لأنَّهُ ظهرَ بسرّ الأحدية، وحقيقة الواحدية التي تجلَّتْ فيها الأسماء، ثمّ تعيّنتْ بها الأعيان، فصارَ خليفة مطلقاً، فشاهدُ الخليفة الأصليّ المطلق هو التلوّنات بالقوالب الخلقية جميعها قبل أن يتحلّى بالثوب الكماليّ المحمديّ، وهو سرّ الكمال المحمديّ، لأنّ الأخلاق والكمالات هي كمالاتُ الله تعالى، وهي لأهل الكمال وعلى رأسِهِم النبيّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم بالعرَض. قال صلّى الله عليه وسلّم "تخلّقوا بأخلاق الله". فهذه الأخلاق هي أخلاق الخليفة المُطلق، لأنَّهُ عينُ الظاهرِ بالنبي الخاتم، فهو سرُّ الأنبياء، وحقيقةُ الأولياء. إنَّهُ الرّوحُ المطهّر الذي يظهرُ الله فيه بذاته. فافهم إن كنتَ ممّن يفهم، وسواءٌ سلّمتََ أم لم تُسلّم، فهذا أمرٌ لا يُنكِرُهُ اليوم سوى متخلِّفٍ عن حقيقة العرفان الذي تجلّى -أي العرفان تجلّى- كنهارٍ مُشرِقٍ وشمسٍ ساطعةٍ.
 
يتبع ..

الثلاثاء، 20 مايو 2014

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 63



 حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 63

فقال سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الحديث المشهور مجيباً على سؤال سيدنا جبريل عليه السلام : ((...فأخبرني عَنْ الساعة؟ قَالَ: "ما المسئول عَنْها بأعلم مِنْ السائل" قَالَ: فأخبرني عَنْ أماراتها؟ قَالَ: "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان!" ثم انطلق فلبثت مليا ثم قَالَ: "يا عمر أتدري مِنْ السائل؟" قلت : اللَّه ورسوله أعلم. قَالَ: "فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم")) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

قال المحقّق الجيلي قدّس الله سرّه في كتابه الإنسان الكامل : ((اعلم أنّ للسّاعة الصغرى علامات وأشراطا مناسبة لعلامات الساعة الكبرى وأشراطها، فكما أنّ من أمارات الساعة الكبرى أن تلد الأمة ربّتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان، فكذلك الإنسان من علامات قيام ساعته الخاصة به ظهور ربوبيته سبحانه وتعالى في ذاته، فذات الإنسان هي الأمة، والولادة هي ظهور الأمر الخفيّ من باطنه إلى ظاهره، لأنّ الولَدَ محلّه البطن، والولادة بروز إلى ظاهر الحسّ، فكذلك الحقّ سبحانه وتعالى موجود في الإنسان بغير حلول، وهذا الوجود باطن، فإذا ظهر بأحكامه وتحقق العبد بحقيقة (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) ظهر الحقّ تعالى في وجود هذا الإنسان، فتمكّن من التصرّف في عالم الأكوان، فذاته بمثابة الأَمَة، وظهورها بمثابة الولادة. ثمّ تجرّد العارف عن الأسماء بمثابة التحفّي عن النّعل، لأنّ الأسماء مراكِبُ العارفين، وتجرّده عن الصّفات بمثابة حال العراة، وكونه دائم الملاحظة للأنوار الأزلية بمثابة رعاء الشاء، وكون المجذوب يأخذ في الترقّي من المعارف الإلهية هو بمثابة التطاول في البنيان، فكما أنّ ظاهر هذا الحديث من أمارات الساعة الكبرى العامة في الوجود، كذلك باطنه الذي تكلّمنا عليه هو من علامات الساعة الصغرى الخاصة بكلّ فرد من أفراد الإنسان)) انتهى.

فتأمّل يرحمك الله هذا الكلام لتعلمَ أنّ ظهور الوجه الرّبوبي والمحتد الذاتي للأمّة والإنسانية والدّنيا بكليّتها هو مهديّها فهو علَمُ السّاعة، وتأمّل تارةً أخرى كيفَ أنّ التحفّي عن النّعل وتعرّي رعاء الشاءِ حالُ الحفاةِ العراةِ الذين يتطاولون في البينان هو حالُ المجذوب الأكبر المهدي عليه السلام الذي يكونُ في جذبه وتركيبه العنصريّ وقبل كماله وخروجه عن التركيب العنصريّ والاستواء الرّحمانيّ أي وهو متجرِّدٌ عن حلية الأسماء وحلية الصّفاتِ التي يلبسُهما العارفون بالله تعالى للنّهل من المعارف الإلهية ودائرة العلم والاتّصاف بالكمالات الإلهية، يصحُّ له وهو حافٍ عارٍ من ظاهر الأسماء والصّفات أن ينهلَ من المعارِف الإلهية، ويصحُّ له أن يكونَ راعياً للشاة: ملاحظاً للأنوارِ الأزلية بطبيعةِ رتبته الذاتية وولايته الأصالية فيه التي يكونُ فيها بين الشهود واللاّشهود، فهو علامة السّاعة الكبرى، لأنّه صاحبُ السّاعة ومظهرُ الذات الأقدس. فذِكْرُ الإمام الجيلي للمجذوب العارف يقصدُ به مجذوب آخر الزمان الختم صاحب الساعة المجذوب المهدي عليه السلام. فهو الظاهرُ بالمعارف الإلهية الكبرى وهو مجذوبٌ متحفٍّ عن الأسماء والصّفات بمظهرها المقدّس، لأنَّهُ ذاتيُّ المحتد، والأسماء والصّفات باطنةٌ فيه فهو أصلُها، فالمشاهدة أصيلةٌ فيه. فهو وَلِيٌّ بالأصالة وآدمُ منجدِلٌ بين الماء والطّين، والأسرارُ لا تغيبُ عنه.

وكذلك قال الشيخ الجيلي قدس الله سره في كتاب (الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم) كلاماً يحملُ هذا المعنى ويعضِدُ هذه الإشارات، مشيراً لحقيقة هذا المجذوب الفتى العربي الأعجميّ الذي يشمّ المسك وهو في فأرته، فيستوعب حقائق ذاته كما قال. قال رضي الله عنه :
((واعلم : أنّ قولنا الحق والخلق، والرب والعبد انمّا هو ترتيب حكمي نسبي لذات واحدة كل ذلك لا يستوفي معناها ، ووقوفك مع شيء من تعدد ذلك زور وتضييع وقت في عين الحقيقة إلّا اذا كنت ممن يشمّ المسك و هو في فأرته ، فإنّ كل ذلك حينئذ ترتيب لذاتك تستحقه بالأصالة ، فحينئذ أكلت الزفر بيد غيرك ووزنت نفسك بعيار مرتبتك وما يستحقه قانونك ، فما وجدته من تلك فهو عين الحقيقة ، وما وجدته من الله على سبيل الاتصال والاتحاد فهو عين الضلال والالحاد ، ولا يذوق هذا الكلام إلا عربي أعجمي لغته غير لغة الخلق ومحله غير محلهم ، فهو يستوفي ماله كما لم يزل و يرمي بسهم مراتبه في قوس مقتضياته على هدف ذاته بيد قائم أحديته ، فلا يخطئ له مرمى ولا ينكس له سهما ، فلا سهامه تزول ، ولا عين الرامي تحول ، تعالى الله ان تنصرم ألوهيته أو تنقسم أحديته)) انتهى.

فهذا كلامٌ عن الذات الجامعة في شقّيها الخلقي والحقّي، فهي الحقّ والخلقُ، فكان استيعاب هذا الفتى العربيّ الأعجمي -المجذوب الذي لغته غير لغة الخلق ولا محلّه محلُّهم- حقائقَ ذاتِه ومراتبَ الوجود بسرّه ومشاهدته الذاتية المنطوية فيه حتّى قبل بلوغِهِ مرتبة العيان التي يبلُغُها الأولياءُ والأنبياء عليهم السلام، فهو صاحبُ الأحدية وحقيقة مرتبة الألوهية، فهو الوليّ كما أشرنا. هو مُطلَقُ الوليّ الذي استحقّ كلمة الوليّ بإطلاقها وخاتميّتها وحقيقتِها وذاتيتِها.
وفلكُ الولاية هو سرّ مرتبة الألوهية، سِرُّ الإمام المبين، سرّ الرّوح الأعظم، فمهما ظهرَ بهذه الولاية الخلفاءُ، فهي بالأصالة للوليّ الخاتم. ولكنْ ذلك لا يعني تجرّدهم من حقائقِ الولاية وامتيازاتِها الكاملة، كلاّ، بلِ الحقيقة العالية أنّ الله أكرَمُ الكرماء وأجوَدُ أهلِ الجودِ مطلقاً، فما ثمّ إلاّ هو وحده لا شريك له، ومن أجلِ ذلك فكلُّ مُتَحقّق بهذه الختمية والولاية الكبرى، هو وليٌّ متصرِّفٌ كاملٌ حرّ في مقام الحريّة والعبودية المحضة والتصريف المطلق بإذن الله تعالى. فلا إله إلاّ الله سبحانه، وكلّ تلك المظاهر وأولئك الخلفاء هم قوالبَ لهذه الحقيقة ظهرتْ فيهم بالخلافة الأرضية، وحقيقتهم هي الحقيقة الواحدية الأحدية المنزّهة عن الشرك والتعدّد. فهُم بها أحرارٌ سعداء في عوالم الحريّة والإطلاق. وإنّما كانت الأرضُ مظهرَ ظهورِ هذه المراتب وهذه الحقائق وهذه القوالب وهذه الخلافة الإنسانية المتجلية في خلفائها وأفرادها الذين تناوبوا عليها وظهروا بحقائقها وأسرارها، كلّ بما أولاهُ اللهُ من حقيقة ومرتبةٍ، ووظيفة خلِقَ لها. فكان الشفيع المطلق والبابُ الأكبر والظاهر بالكمالات هو النبيّ صلوات الله وسلامه عليه، وكان صاحب مرتبة الإطلاق ومرتبة الختمية العليا، وصاحب الخلافة الأوّل الذّاتيّ التي تناوبَ عليها الخلفاءُ والأنبياءُ هو الختم الظاهرُ في آخر الزّمان، وكانتِ الحجَّةُ ظاهرةً بالختم المجذوب الذي يظهرُ بأسرارِ الختمية وحقائق الولاية وهو في جذبه، كحُجَّةٍ للجميع. وما يعلَمُها إلاّ العلماء العارفون الأمناء الأولياء قدّس الله سرّهم. يشهدون حجّية هذا الوليّ وختميّته. ولهُ في الآخرة الحُكمُ، إذ هو صاحبُ الملك والتّصريف والخلق وصاحب الذات، وصاحبُ الهيولى الذي منهُ تتخلَّقُ الأشياءُ. وإليه يرجعُ كلُّ شيءٍ.

وأشار الشيخ الجيلي إلى السرّ المكنون في كلّ عارفٍ وعبدٍ، فعند قيامِ ساعته يظهرُ سرُّهُ المكنون فيه، وهي الولادة من كلمة تلِد التي تكونُ من البطن كما قال، وهو البطون إلى الظهور والتحقّق، عند فناء العبد والسّالك فناءً كاملاً في ربّه. فتلِدُ نفسُه وهي الأمة الدّنيا ربّتها وهي بطونُه الخافي فيه وهو ربُّهُ بذهاب الفاني وبقاء الباقي سبحانه. إنّما جسّدَ الحقائقَ علانيةً وختاماً المجذوبُ لأنَّهُ الوليّ الختمُ الذي تظهرُ به الساعة الكبرى والقيامة. فهو أصلُ الأعيان والكائنات، فلذلك ينعكِسُ به عليهم حقائق السّاعة الكبرى، وإشارةً إلى تلك الحقيقة الكونية اللاّمعة الكبرى المخفية التي أشار إليها الإمام الغالب باب مدينة العلم سيدنا علي بن أبي طالب عليه السلام، لمّا قال :

دواؤك فيك وما تشعرُ ... وداؤك منك وما تُبصِرُ
وتحسب أنّك جرم صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبرُ
وأنت الكتاب المبين الذي ... بأحرفه يظهَرُ المُضمَرُ

أي إشارةً إلى حقيقة الإنسان، الذي أودعَ الله فيه أسرار الخلق جميعاً، فخلقه على الصورة، قابلاً للتجليّاتِ جميعها، أدرك ذلك أم لم يُدرك. وعند رجوعه لربّه وفنائه فيه وبقائه به كما هو حال الأولياء، يتحقّق إذن بتلك الصورة الجامعة ليُصبح الإنسان الكبير.

وكذلك أشارَ إلى هذا المجذوب المتطاول في البنيان حال الرّعاة الحفاة العراة كمظهرٍ من مظاهر السّاعة قولُ الشيخ الأكبر في كتابه الفصوص يصِفُ هذا الخاتم المجذوب وهو في تركيبه العنصريّ قبل الانسلاخ منه إلى حلية الكمال، وحلية الأسماء والصّفات الإلهية الكمالية التي يتزيَّ بها العارفون وينهلون بها المعارف والعلم اللدنّي، فقال قدّس سرّه في فص في كلمة شيثية :
(وهذا العلم كان علم شيث عليه السلام وروحه هو الممدّ لكل من يتكلّم فيه مثل هذا من الأرواح ما عدا الخاتم فإنّه لا يأتيه المادة إلاّ من الله لا من روح من الأرواح، بل من روحه تكون المادة لجميع الأرواح وإن كان لا يعقل ذلك من نفسه في زمان تركيب جسده العنصري. فهو من حيث حقيقته ورتبته عالم بذلك كله بعينه، من حيث ما هو جاهل به من جهة تركيبه العنصري. فهو العالم الجاهل، فيقبل الاتّصاف بالاضداد كما قبِلَ الأصلُ بذلك، كالجليل والجميل، وكالظاهر والباطن والأول والآخر وهو عينه ليس غير. فيعلم ولا يعلم، ويدري ولا يدري، ويشهد ولا يشهد.) انتهى.

فالاقتباسين من الشيخين شارحان من بعض الوجوه لحديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن علامات الساعة، بظهور مجذوبها الذاتيّ الذي يصِحُّ لهُ العلمُ بالمعارف الإلهية الذاتية قبل كماله التقديسيّ. لأنّه مخضرَمٌ وبرزَخٌ ذاتيّ عن الحقّ والخلْق. يظهرُ وهو في حال النَّشأة الطينية الأولى والتركيب العنصريّ بتلك المعارف التي اقتبسَها من رعيِهِِ حيث يرعى أهل الولاية والتقديس، وملاحظته للأنوار الأزلية التي لا تفارقُه، فهو أصلها وحقيقتها. لأنّه كما قلنا الذاتيّ.

وهكذا فسلوكُ المجذوبُ هو ثنائيةٌ متكاملةٌ فوق إدراكاتِ البشر، وفوق إدراكاتِ العقل الترابيّ، ولهذا تظهرُ تلك الأمارات للسّاعة جميعها، فهو مصدرُها وحقيقتُها. وطلوع الشمس من مغربِها لأنّه الشمس المغربية الذاتية، التي كانت بها تجري شموسُ سائر الخلفاء من أفراد بني آدم قبل ظهوره، وكذلك تطلعُ شمسُ مغربِ كلّ عبدٍ أدركَ لحظات ساعته وفنائه، فالساعة هي ظهورُ المحتد الذاتيّ، وانكشافِ البصيرة للعبد ليعرف نفسه، وانغلاق بابُ التوبةِ يكونُ لأنّ ظهور الوجه الذاتيّ والمحتد الربّوبيّ للعبدِ تنغلِقُ به دائرةُ التوبةِ، لأنّ العبدَ تحقّقَ بحقائقِ الرّبِّ، فالرَّبُ لا يغفِرُ لنفسِه. وكذلك عند غرغرة كلّ عبدٍ تطلعُ عليه شمسه المغربية. فقال الله تعالى {لَقَدْ كُنْت فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْك غِطَاءَك فَبَصَرُك الْيَوْم حَدِيدٌ(22)}. سورة ق. وكذا عند فناء الوليّ في ربّه فيطلعُ عليه محتده الذاتيّ الرّبوبيّ ليصبح مؤيّداً بروح القدس.

فتلازمت الساعة الكبرى مع طلوعِ الشمس المغربية، لأنّها الشمس الذاتية المكنونة في الخلائق، كما قال الشيخ الأكبر في كتابه عنقاء مغرب "لم تزلْ الشمسُ جاريةً من المشرق إلى المغرب بغيرِها، ومن المغرب إلى المشرق بنفسِها". لذلك كان طلوع شمس المغرب هو غلق لباب التوبة، لأنّها الشمس الذاتية، فلا يغفرُ الرَبّ لنفسه، وفي ذلك إشارةٌ لحقيقة خليفة آخر الزمان المهديّ الوليّ الذاتيّ والخليفة المطلق، صاحب المرتبة بالأصالة.
ولأنّ ظهور المحتد الذاتيّ، يتجلّى على الأعيان والذوات بحقائقها الأصلية، فيُغلَقُ بابُ التوبة إيذاناً، أنّ من تاب قبل ذلك فهو من أهل التوبة وحقيقته أعطت ذلك، ومن لمِ يتبْ فتلك حقيقتُهُ، مثل ساعة الموت تماماً، فهي طلوع للشمس المغربية، وحكمٌ فاصلٌ صارمٌ عادلٌ على حقيقة من مات. فيموتُ على ما عاشَ عليه، ولو باطناً. ولا يعني ما عاش عليه ظاهراً. فكثيرون من يعيشونَ على حال وقبل الموت يتغيَّرُ حالهم إمّا بالتوبة والرّجوع إلى الله سبحانه إن كانوا في الضلالة قبل ذلك، أو يالضلال والتمرّد إن كانوا في الظاهر من أهل الطاعات. فجميع الحقائق الكبرى، تشرحُها أحداثُ آخر الزمان والساعة الكبرى، المتعلّقة بالوليّ الخاتم.

وكذلك هنا إشارةٌ لحقيقةٍ، وهي أنّ الإنسانَ طرفان، وضدّان يتنازعانه، حقيقته الوجودية الأصلية العائدة به إلى ربّه وهي الخيرُ المحض والوجود الصّرف القائم بالله تعالى سبحانه مصدرُ الخيرِ المطلق والسعادة والنّعم والحياة. فالحياة الحقيقة لله تعالى سبحانه، وبه تسري الحياةُ. والحقيقة الثانية وهي العدم والذاهبة إلى الحياة العرَضية المزيّفة الخالية من روح القدس، مصدرُ الشرّ والمساوئ الإنسانية فيه. فالإنسانُ حينَ ينزِعُ إلى نفسِه وأناه المعدومة بالأصل، الموجودة بالعرَض، لأنّ وجودها قائم في الحقيقة والأصل بالله تعالى، حين ينزِعُ إلى اثباتها وتضخيمِها ودعمِ كبريائها الفارغ، ووجودَها المعدوم الخاوي، لا يأتي منها، أي من نفسه سوى المساوئ والشرّ، والأنانيات وما يُضادّ الخير والرّحمة والحياة الحقيقة، والوجود الأصليّ الإلهيّ المقدّس، أي يُضاد روح القدس. ولذلك تفهَمُ هنا معنى ظهور الدجّال في عالم الحقائق، فهو صورة هذه الأنا الفارغة والنّفس الخاوية من روح القدس، التي تنحى وتتجّه في حياتها الدّنيا نحوَ الشرّ والأنا والهوى والمفاسد، وتعمى مُطلَقاً عن جانب التقديس والرّحمة والخير والفضائل. فكانَ هنا حقيقتين متقابلتين : روح القدس والدجّال. فلا يقتلُ الدجّال حينها سوى مضاده ومقلوبه ومعكوسه ومقابلُه في الحقائق وهو روح الله المؤيّد بروح القدس ورمز روح القدس سيّدنا المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام. أمّا المهدي فهو متعالٍ عن الأضداد، مصدرُها، هو الجامع للحقائق، هو المعنى الأحديّ الذي منه تفجّرت الحقائق وتجلّت.
والإشارة هنا، هي في كونِ أنّ الإنسان لا نهاية ولا حدّ لشرّه إلاّ إذا تجلّى الله عليه بمحاسنه وفضائله وكمالاته. قال لي أحد مشايخي قدّس الله سرّه وسرّهم : "الإنسان لا نهاية لشرّه ومساوئه إلاّ إذا تجلّى عليه الله بمحاسنه وفضائله". وهذا يشرحُ في الحقيقة معنى طلوع الشمس المغربية الذاتية على غفلة. ونزول المسيح عليه السلام في ليلة على غفلة وغيبٍ، وكذا معنى إصلاح المهدي عليه السلام في ليلة. فالنَّاسُ في حالة ما، وحدّ فاصلٍ تبلغُ تلك الذّروة التي لا يكونُ فيها للعودة والرّجوع إلى الله تعالى أمل ولا بقيّة، فيفترقُ النّاس فسطاطان فسطاط إيمان ثابت على إيمانه، وفسطاط كفر وفسق ثابت على فسقه وكفره. فالتدجيل في الأرض بلغ منتهاه أو حدَّهُ من جهة حقائق كلّ عبدٍ في الأرض، فتطلعُ الشمس المغربية على النّاس، لتُعلنَ عن حقيقة كلّ عبدٍ، وفي ذاتِ الوقت هي ليلة إصلاح المهدي عليه السلام (والله أعلى وأعلم).لأنّها به تطلعُ الشمس الذاتية، فتطلعُ عليه لتطلع على النّاس. وكذلك الدجَّالُ إذا خرج في الأرض ليفسد. فلا يقتلُه ولا يوقِفُهُ سوى نزول روح الله المسيح عليه السلام. فتجلّت الحقيقة الإنسانية بين ضدّيها وطرفيها المتناقضين. وإن شئتَ هنا تفهَمُ قولَ الله تعالى {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24)} سورة الفجر. فالحياة الحقيقة هي ما كان قائماً بالله تعالى، وأقصدُ ما كان مؤيّداً بروح القدس، ناحياً نحو الخير المحض والوجود الصّرف، أي وجود الله تعالى سبحانه. فهناك الحياة الحقيقية حيث تتجلّى الرحمة الرحيمية المطلقة، رحمة النّعيم والجمال، الخالية من الأكدار والعقوبات والجلال .. فيقول الإنسان يومئذ يا ليتني قدّمت لحياتي. لأنّها الحياة الحقيقية التي جرت فيها شمسه المغربية الذاتية. فيتجلّى نعيم الجنّة بهذا الاعتبار. ويُصبحُ العبدُ أنّى اشتهى شيئاً وأراده وجده، وليس يشتهي سوى النّعم والجمال والرّحمات والفضائل، لأنّ حياته قائمةً بالله تعالى على الاعتبارين : الباطن والظاهر. بخلاف الحياة الدّنيا، فالحياة فيها قائمة على المعنى الظاهر فقط. لأنّ النّفس تنزِعُ فيها إلى الطّبع والتّراب والعنصر وأناها الذي يميلُ بها ضدّ حقيقتها الأصلية التي ترجِعُها إلى ربّها.



الاثنين، 17 فبراير 2014

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 62



الإنسان إذن مجتبى، مطلقُ الإنسان، ولكن كان لهذا الاجتباءِ ثمنٌ، لمّا أعرَضَ هذا الإنسانُ عن حقيقته الكبرى التي اجتباهُ الله لها. وهذا الاجتباء الذي عنيناهُ هو نفخة روح الله فيه، فتأمّل يرحمك الله ما تعني نفخة روح الله فيك ؟

إنّها تعني أنّك لله منتمي ومنتسبٌ وأنّك مخلوقٌ على الصورة الإلهية التي تُعيدُكَ إلى ربّك، {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} (النجم-42)، {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} [العلق:8]، قال صلّى الله عليه وسلّم (خلق الله آدم على صورته). فهذا هو الشرف الأعظم، وقال صلّى الله عليه وسلّم (من عرف نفسه فقد عرف ربّه). كلّ عارفٍ لنفسه فهو عارف لربّه، لأنّ نفسك مخلوقة على الصورة، فلن تجدَ عند معرفتها وخبْرِ أغوارها وأسرارها سوى الحقيقة التي تستندُ عليها وتقومُ بها، وهي نفخة الرّوح الإلهي فيك، من غير حلولٍ ولا اتِّحادٍ ولا انفصالٍ ولا اتِّصال، بل لا موجودَ في التحقيق سواهُ، ولكنّك موجودٌ في عالمِ الإمكان، وعالم الحدوث، ومطلوبٌ منك أن تلتفتَ إلى حقيقتك وعالم القِدَمِ فيك، لأنّك مخلوقٌ بالرّحمة، ربُّك قال سبقت رحمتي غضبي، فهو الرحمن الرحيم، ومن الرّحمة ظهرَ الخلقُ، فالرّحمةُ أصلٌ والغضبُ عارِضٌ، فإنّما غضَبُ الله تعالى وُلِدَ من الرّحمة أيّها الإنسان، وفي هذه العباراتِ إشاراتٌ وحقائقٌ لأولي الألباب والعرفان، فتسمّى الله بالرحمن والرّحيم وما تسمّى بالغضبان ولا الغضوب، وكان اسمُ الرحمن اسمُ ذات، الرّحمن اسم ذاتي صفاتي، وكونُه اسمُ ذات، فتلك من أعظمِ الحقائق التي يطيرُ بها الخلْقُ فرحاً وشكراً. فالخلقُ مردّهم ومرجعم لربّهم ولذلك خلقهم. لذلك قال سبحانه (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ *
رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [آل عمران: 191]. وقال سبحانه {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ * فَتَعَـالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَـاهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [ المؤمنون: 115-116]. فانظُرْ ههنا، فقد خلق الخلْقَ لحقيقة التوحيد، إذ تلى سبحانه تساؤلَهُ المقرّر وليس المستفهم أفحسبتم أنّ خلْقكم ووجودكم عبث ورواية بلا معنى ولا حقيقةٍ تقِفُ وراءها ؟!! كلاّ بل خلْقُكم وحياتكم ووجودكم قامَ بحقيقة التوحيد وأنّه لا إله إلاّ هو سبحانه وأنّ كلّ شيءٍ يرجِعُ إليه وأنّكم ترجعون إليه في المنتهى، فسواءٌ رجعتُم بإرادتكم المودعة فيكم ووقوفكم على العواقب وفزتُم مع الفائزين، أو لم ترجِعوا من بابِ التوبة والعبودية والمنّة منّي إليكم، فسترجعون من بابِ الاستحقاق والنَّارُ مثوى لكم جزاءً بما كنتم تكفرون، والكفرُ لغةَ هو السّتر، أي جزاءً بما سترتُم الحقيقة النّاصعة بين أجنابكم الواضحة في حيواتكم ودنياكم، فآثرتُم طريق الظنِّ والوهمِ والشهوات والمتع والغفلات على الحقّ السّاطِعِ، وعلى ما أرسلتُ لكم من رُسلٍ تُنذركم العواقب والجزاء وتُبشِّرُكم بالعطايا والثواب، وتُعلِمُكم بحقيقةِ الدّنيا وسرّ خلقكم وآجالكم المحدودة ونقصكم المشهود وأقدارِكُم المتناوبة عليكم بين الجمال والجلال والخير والشرّ والمنح والمحن، إنّما تناوبتِ الأقدار بين الضدّين لتوقظَ فيكم عجزكم ونقصكم وحقيقتكم وعبوديتكم لربّكم فتشهدوها بين الشّكر والفرحِ بنعمه في حالِ السّرَّاءِ فتشكروهُ، والالتجاءِ إليه والتضرّع في حالِ الضّرّاء فتصبروا وتتضرّعوا إليه وتستغفروه ولا تستكبروا عن عبادته. فكلّ شيءٍ في الحياةِ قامَ على حقيقة التوحيد وبدأ من الرّحمة ولا يخلو من الرّحمة مُطلقاً، سواءٌ ظاهرةٌ أو باطنة، لكنّ أكثرَ النّاسِ لا يعلمون، وما كانَ ربُّكَ بظلاَّمٍ للعبيد، أي أقدارُ العبيدِ استوجبَتها حقائقُهم، واستوجبتها تفاعلاتُهم وردَّاتُ فعلِهم، كلٌّ بقانون وحسابٍ وسنن لا تحيد، فمن شكرَ فلهُ المزيد {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}، ومن صبرَ فلهُ العاقبة الحسنة {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}، ومن كفرَ فاللَّهُ غنيٌّ حميد {وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}.

فالدّنيا كلّها من بدايتِها إلى نهايتِها دالَّةٌ على هذه الرّحلة، رحلة الإنسان من مواقعِ نفسِه إلى حضائرِ قُدسِه، وقد ذكرنا ذلك في البداية وقلنا لخّصها المجذوب الخليفة، وهو ختامُ هذه الدّنيا، ليدلَّ على حقائقَ باهرةً غفلَ عنها أكثرُ النَّاسِ، وليدلَّ كذلك لصاحب علمٍ وبصيرةٍ أنّ هذا الختم هو الخليفة والوليّ والأصلُ والإمامُ والمالك والسيَّدُ الصَّمدُ. فكلّ إنسانٍ لهُ رحلتُهُ الخاصّة به إلى نقطة الذات، ولكن هناك من استأهلها من بابِ المنَّةِ والاجتباء الربّانيّ في الدّنيا فسعى لها وقدّمَ لها أسبابَها وآثرَ الحياة الحقيقية على الحياة الدّنيا، بل آثرَ وجه ربّهِ على ما سواه، فصحّ له الفناء في الله ثمّ البقاء به، فكان من أهلِ الطهّارة الذاتية وأهل الكمال الإنسانيّ وطوى رحلته وقامتْ ساعتُه وتجلّى لهُ مهديّهُُ، واستوى عليه الإسمُ الأعظم. فصار نائباً عن الخليفة الأوّل المهدي الخاتم صاحبِ سرّ الإسمِ الأعظم. وهناك من ينالُ تلك المنّة عندَ موتِهِ لما كان عليه من عظيمِ الطّاعة والإيمان والتقوى ولكنّه لم يفنى تمامَ الفناء فأدركتهُ العنايةُ ونالَ مقامُه عند الموتِ رحمةً من الله له، وإن كانت ساعته الصّغرى هي مثلُ ساعة فناءِ الكامل الذي تحقّق في حياته، ولكن هذا كملَ عند موته، وإن قلّ هؤلاء فهم موجودون، وقد يكونُ منهم الشهداءُ الصادقون الذين قدّموا أرواحهم في سبيل الله تعالى، وهناك من ينالُ ذلك المقامِ في الجنان في الآخرة بعد ترقيَّاتٍ كبرى، وأهلُ الجنّة لا يزالون في زيادة أبد الآبدين، وهكذا. وخصوصاً من يكونون تحت عهد مشايخ صدقٍ مربّين، فإنّهم يتعهّدونهم حتّى في الجنان بمزيدِ عناية لينالوا مقام الرّحمة الكامل. ويتحقّقوا بسرّ الإسم الأعظم.

فإنّ من أعظمِ المنن على النّاس، أن خلقهم الله تعالى من نوره، فخلق سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم من نوره، وخلق من نور سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم جميع الخلق. فإن وقفتَ على هذه الحقيقة المذكورة هنا، عرفتَ أنّ كلّ مخلوق وخصوصا الإنسان المخلوق على الصورة، فيه هذا السرّ السّاري والنّور الذاتيّ، فإن فهمتَ أنّ اسمَ الحبيب المصطفى صلّى الله عليه سلّم السرّ الساري في الأشياء والأكوان والنّور الذاتيّ، فاعلم حينها أنّهُ سارِ فيكَ أيّها الإنسان وباطنٌ فيك هذا النّور وهذا النبيّ صلواتُ الله وسلامه عليه، لذلك قال الله تعالى
{وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ}، فرسولُ الله فينا، في كلّ عبدٍ منّا، وفي كلّ مخلوقٍ سارٍ فينا نورُهُ صلّى الله عليه وسلّم، وإن شئتَ أن توقنَ أكثر فاقرأ قوله تعالى كذلك {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(56)}. الأحزاب. إنّ حقيقة الصّلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وتخصيصهُ بها ليس أمراً عبثاً وجزافاً، بل لكونه صلّى الله عليه وسلّم هذا النّور الذاتيّ وهذا السرّ الساري فينا وفي العباد وفي جميع المخلوقات، ما من شيءٍ إلاّ ونورُه صلى الله عليه وسلّم فيه، لأنَّهُ المحتد الرّحماني والمحتد الإلهي الكمالي الأعلى، الذي لولاهُ لما خلقَ الله أيّ شيءٍ، فافهم الذي نقولُه، فإنَّ النّسبة القائمة بين الخلق والخالق هي هذا المحتد الرّحماني والكمالي الأعلى، إذ لولا وجود هذا المحتد الكمالي الرّحماني لما قامتْ الصّلة بين الخالق الذي لهُ مُطلَقُ الكمال وبين المخلوق مهما كان هذا المخلوق في درجات نقصه أو كماله، فكلّ مخلوق وكلّ شيءٍ في الوجود لهُ تلك الصّلة وتلك النّسبة وذلك المحتد الرّحمانيّ الكمالي الأعلى فيه، ليَدلَّ فيه على وجهِ الله سبحانه، وما من شيءٍ في الأصلِ إلاّ وحقيقتُه وجهُ الله سبحانه وذاتُه، فتلك هي القيومية التي قامت بها الأشياءُ والأكوان والمخلوقاتُ جميعاً، أنّها قامتْ بالله سبحانه وما قامت بنفسها، والإنسانُ فيه نفخة روحِ الله فيه وهي وجهُ الله وذاته سبحانه، قال الله تعالى
{وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} البقرة-115. فوجهُ الله باطنٌ في كلّ شيءٍ، والوجهُ هنا هي ذاتُه سبحانه، فاعلم وافهم، فإذا فهمتَ هذا عرفتَ عِظمَ الشرفِ وعظمَ القدرِ المنطوي فيك يا ابن آدم بالصّورة ثمّ بهذا الوجه الذاتي والسرّ الساري فيك، فحقيقتُك الرّجوع لوجه الله سبحانه، لتشهدَهُ سبحانه به وتشهدَ به الأشياء، الاشياء الأخرى ليست لها الصورة التي للإنسان، والصورة هي الأمانة وهي القابلية للرّجوع والشّهود والحياة بالله تعالى، أمّا الأشياء فليس لها تلك القابلية لذلك ليس لها التكليف، فالتكليف هو سرّ التشريف، قال الله تعالى {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)} الأحزاب.
فإذا وقفتَ على ما قلناهُ عرفتَ معنى أنَّهُ رحلة البشرية وتاريخها ورسالاتِ الأنبياء عليهم السلام هي تجسيدٌ لحقيقة رحلة الإنسان إلى الكمال وإلى الذات، فانظُرْ كيفَ ختمَ الأنبياء خاتمها المبعوث رحمةً للعالمين واسطة الخلق إلى الله تعالى صلّى الله عليه وسلّم، ففتحَ باب الأحمدية وباب الولاية الكبرى، باب الإسم الأعظم، ثمّ استمرّت حياة الأمّة المحمدية بخصوصياتها وعمومياتها، ثمّ وقع الانحسار والتدهور والانحطاط في نصف اليوم الثاني أي في النّصف الألفي الثاني من عمر هذه الأمّة المحمدية، كما قال صلّى الله عليه وسلّم "إن صلحت أمّتي فلها يومٌ وإنْ فسدت فلها نصف يوم"، وذلك ليتجلّى التدجيل والظلمة وتقومَ دولة الدجّال والشيطان وفساده الأكبر في الأرض، ليظهرَ أخيراً خاتم الولاية والوجه الإلهي للخلافة الإنسانية في مظهره الذاتيّ المتمثّل في المهدي عليه السّلام.
فتدبّر ما قلناه، ففي الإنسان المحتد الرّحمانيّ لأنَّهُ منه مخلوق، وهو نور رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو معنى الصّلاة عليه من الله تعالى، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم

((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا)). فتلك الصلاة من الله تعالى على المظهر الأكمل والنّور الذاتي والسرّ الساري هي في الحقيقة صلاةٌ على الخلق كذلك، وينالُ أنوارَ هذه التجليّات والصلاة من الله تعالى سبحانه المؤمنون والمصلّون والمقتبسون من أنوار الله سبحانه والمتعرّضون لها، لذلك خصّ بالصلاة والتجلّي الكامل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهو القاسم لما أعطى الله تعالى وما تجلّى به علينا، فهذا هو معنى الصّلاة عليه وتخصيصه بها أزلاً وامتداداً وأبدًا في قرآنه الكريم.
فقلنا إنّ فينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فهو القاسمُ لنا من عطايا ربّنا، وهو الشَّفيعُ لنا يوم القيامة خصّ بقوله أمّتي أمّتي يوم يقولُ جميعُ الخلْق والأنبياءُ خصوصاً عليهم السلام على عظم قدرهم وعلوّ عزمهم : نفسي نفسي، فهو لها. فهو الشّفيع المشفّع، وهو القاسم الأمين، وهو صاحب لواء الحمد من الخلق لذلك ينالُ المقام المحمود، ولنا عودة لهذه الجزئية جزئية الحمد والمقام المحمود إن شاء الله تعالى. الخلاصة أنّ فينا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وفينا كذلك كما قلنا الوجه الذاتيّ لله سبحانه، ونفخة روحه. كما سُقنا الآية الكريمة
{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}. ورحلةُ الإنسان والسّالك نحو الكمال، هي هذه الرّحلة هي رحلة التحقّق والتشرّع بالمحمديّة ثمّ التحقّق بالإسم الأعظم، ليبصح خليفة ذاتياً وفرداً، والفردانية جاءت من التفريد، وهو أعلى درجات التوحيد. وهو أي التفريد يعني توحيد الله تعالى بإسقاط النّفس وشهود الله وحده لا شريك له، وهذا توحيد الأكابر. لذلك سُمُّوا الأفراد. فالسّالك يتحقَّقُ بواسطة الرّسول وشريعته واتّباعه فيفنى فيه، فيقودُه ذلك للفناء في الله سبحانه واستواء الإسم الأعظم على قلبه،كما سبق أن ذكرنا أنّ القلبَ القارئ لكتاب الوجود والمفتاحَ الفارعَ لباب الشهود هو القلبُ المحمديّ،فكانت الرّحلة الإنسانية وتاريخ البشرية متّجِهاً لهذا الاتّجاه، فكان خاتم النبوّة سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم ثمَ كان ختامَ الدّنيا وعلامة قيام السّاعة والخروج عن الأكوان هو ظهور المهدي عليه السلام. وخروج الشمس من مغربها. فتأمّل هذه الحقيقة وهذا الرّبط لتفهمَ الحقائق والوقائع والأحداث وأنّها كانت بتدبيرٍ وحكمةٍ محكمةٍ منهُ سبحانه، دالّة على الحقائق المكتومة، فختْمُ الولاية والوجهة الذاتيّ هو الوليّ. وهنا كلامٌ كثيرٌ يتداعى عند هذه النّقطة، ولكن نضعُ على قدرِ ما جادَ بهِ الموضعُ والاسترسالُ. ولذلك لمّا سألَ سيّدنا جبريل عليه السلام سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح المشهور : ((...فأخبرني عَنْ الساعة؟ قَالَ: "ما المسئول عَنْها بأعلم مِنْ السائل" قَالَ: فأخبرني عَنْ أماراتها؟ قَالَ: "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان!" ثم انطلق فلبثت مليا ثم قَالَ: "يا عمر أتدري مِنْ السائل؟" قلت : اللَّه ورسوله أعلم. قَالَ: "فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم")) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فقال لمّا سألهُ عن أمارات الساعة، أن تلِدَ الأمةُ ربّتها. فإنّ من معاني هذا الحديث، المعاني الإشاريّة الحقيقيّة البطونيّة، أنّ الأمة تلد ربّتها، أي يظهرُ وجهُ الربّ فيها، ويظهر المظهر الذاتيّ، فيظهرُ الوجه الإلهي والمحتد الذاتيّ المودع في المخلوق، فمن علامات السّاعة والفناء والتحقّق السّلوكي هو قيام الساعة واستواء الإسم الأعظم كما كنّا نقول، فافهم، وليس ذلك سوى ظهور المهديّ، والوجه الذاتيّ، والتحقّق بالكمالات الإلهية والأخلاق الربّانية كما هو معلومٌ. ولهذا كان من علاماتِ السّاعةِ أن تلدَ الدّنيا وجهها الذاتيّ الربّوبي، الذي هو المهدي عليه السلام المظهر الذاتيّ للحقّ سبحانه. وهذا قد ذكره الشيخ المحقّق الجيلي قدّس الله سره في كتابه الإنسان الكامل. فانظُرْ ما في هذه الحقائق من دويّ وزلزلةٍ للذين يرفضونَ الحقائق الصّارخة التي كانت مكتومةً.

ولعلّي أضعُ هنا بالمناسبة تعريف إسم الوليّ، كما وضعه الإمام الجيلي قدّس سرّه في كتابه الكمالات الإلهية، لنعرفَ معنى مسمّى الوليّ حقيقةً. ونعرفَ بذلك معنى ختم الولاية، وخاتم هذا الإسم ختماً استوفى كلّ معانيه وحقائقه.
قال المحقّق الجيلي في باب معرفة ما لله من الأسماء والصفات/ فصل اسمه "الوليّ" :
((هو المتولّي أمر الوجود بذاته، المتجلّي بذلك بأسمائه وصفاته، فكلّ ما عليه الكون من الظهور والبطون، والتبديل والتغيير، والتحويل والنقص والكمال والإيجاد والإعدام والتقدم والتأخير، والحدوث. وغير ذلك ممّا هو للوجود بأسره. فالله سبحانه وتعالى متولّي أمر ذلك. فجميعه راجع إليه صورة ومعنى، وجوداً وحكما.
وهذا الإسم يستحقّه الإنسان الكامل إذا كان الإنسانُ متوليّاً لله بذاته وصفاته لذاته وصفاته. وكان التولّي الإلهي للعالم الكوني راجعا إليه كما هو راجع إلى الله تعالى فيكون الوليّ هو ((الله)) تعالى. قال الله عزّ وجلّ
{فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ}. ﴿الشورى-9﴾. وقال {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّـهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ﴿يونس-٦٢﴾. فالله ولي العالم، والإنسان الكامل ولي الله.
وهذا الأسماء إسم من أسماء الصّفات. وصفته : الولاية.
وهي عبارة عن مرتبة التصرّف الكمالي في الوجود من غير مانع ولا عجز ولا عن نيابة. بل تصرف المالك في ملكه. وذلك هو مقام القطب الأكبر الغوث الجامع ((رضي الله عنه)). ))
انتهى.

فهذا توضيحٌ ليس بعده توضيحٌ لمرتبة الوليّ، ولمّا كان الوليّ بالأصالة والخاتم لها الذي كان وليّاً وآدم منجدلٌ بين الماء والطّين، وكان غيرُه ما تحقّق بالولاية إلاّ بتحصيل شرائطها فحينئذٍ تعلمُ أنّ الوليّ هو الله سبحانه، والظاهرُ بهذه المرتبة والولاية الأصالية المختومة هو الخاتم المهدي الخليفة.

وسوف نعودُ -إن شاء الله- للحديث النبويّ المشهور عن علامات السّاعة لنذكرَ بعض أسراره ناهلين ممّا ذكره المحقّقون، ونقصدُ هنا المحقّق الجيلي فقد أشار بعض إشارات تلك الأمارات. وهي دالَّةٌ كلّ الدّلالة على مرتبة هذا الختم وحقيقته. فكان لزاماً وحتماً على ربّك مقضياً أن يظهرَ هذا الخليفة الخاتم في نهاية الدّنيا، ليُعطي الوجه الإلهي ويُعطي معنى قيام الساعة والخروج عن الأكوان. فهو أصلُ جميع من تحقّق من الخلفاء بتلك المرتبة مرتبة الولاية والإسم الأعظم.

يتبع ..

الجمعة، 14 فبراير 2014

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 61


 - 61 - 

إذن فآخر الزمان بفصوله يُجسِّدُ سلوك الوليّ المحض، الوليّ المتفرّد، الوليّ الختم خاتم الولاية وصاحب التصريف، المطهّر عن الأكوان، ولهذا يظهر الدجّال مدَّعياً الربوبية، ويحكمُ الأرضَ ويعيثُ فيها فساداً ودعاوى وخوارقاً كان على ربّكَ حتماً مقضياً. لأنّ الحقائق أعطتْ هذا الأمرَ، وحقيقة السّلوك إلى ملك الملوك أعطتْ هذا التجلّي الظلمانيّ العظيم.

وهذا يلوحُ لعارف بالله تعالى عرفَ حقيقة الأسماء، وطبيعتها ومراتبها في الأكوان والتجليّات، فيعرفُ بذلك أنّ إسمَ الربّ، لهُ مرتبةٌ أدنى من إسم الله تعالى، الدّال على الذات العليّة، والجامع لمراتب الوجود والمحيط بجميع الاستحقاقات للذات العليّة، والجامع للأسماء جميعها في جمعية تقديسها، حيثُ تُعطي معنى الأحدية مرتفعةً عن التمايز بينها، وحيثُ تُعطي الواحدية في تمايز أسمائها وتلوّنهم وتعدّدها الواحدي الوحدوي، أو حيثُ تُعطي كلّ مرتبة حقّها حتّى لو كانت مرتبة حكمية غير وجودية. أمّا اسمُ الربّ فهو إسمٌ متعلِّقٌ بالمربوب، يأتي في الرّتبة بعد اسم الرّحمن، لأنَّهُ متعلِّقٌ بالأسماء المشتركة بين الربّ والمربوب، أي متعلّق بالأسماء النفسية أو الأسماء الفعلية المختصّة بتأثيرها على المخلوقات والموجودات، بخلاف إسم الله سبحانه فهو إسمٌ محيطٌ جامعٌ، جمع جميع الإحاطات سواء تعلّقت بالمربوب والمخلوق، أو استغنت وتعالت عن التجلّي الخلقي، فهناك أسماء ذاتية تعلّقت بالذات فقط ولم تتعلّق بالمخلوقات، كما أنّ هناك أسماءٌ استأثرَ بها عنده سبحانه، فلم يتجلّّ بها على خلقه، لأنّها لا تتعلّق بالخلق وكذا ليس لمخلوقٍ أن يسعَ تجليّها أو حتى يسعَ العلم بها، ومن هنا كان مجلى حضرة العماء الذي ارتفعت فيه الأسماء والنّعوت والإضافات، فهذا من دلالات الإستئثار. فتميّز الإسم الجامع الأعظم الله عن باقي الأسماء. وهنا إسمُ الربِّ مع علوّ مرتبة هذا الإسم وإحاطته، فالربّ جامع للأسماء المشتركة بين الربّ والمربوب كما قال أهل العلم بالله تعالى، أي ما تعلّق بالرّبوبية لكنّه لم يسَعْ الأسماء الذاتية المحضة التي انفردتْ بها الذات كالفرد والأحد والعظيم في عظمته المطلقة وغير ذلك، أي أنّ إسم الربّ تعلّق بما دخل في العرش عرش المخلوقات، لذلك استوى عليه الرّحمنُ الذي هو إسمُ دالٌّ على الكمالات الإلهية والحقيّة ورحم الله به الخلق جامع للأسماء كذلك، فاستوى اسمُ الرّحمن على عرش الرّبوبية كما قال أهلُ العلم بالله، فقلنا الأسماء النفسية وهي أسماءٌ مشتركة بين الخالق والمخلوق كالسميع والبصير والعليم يسمع نفسه ويبصر نفسه ويعلم نفسه ويسمع غيره ويبصره غيره ويعلم غيره فهذه مشتركة، والأسماء الفعلية هي الأسماء المختصّة بتأثيرها على المخلوقات كالرزاق والنافع والضار فالله لا يرزق نفسه ولا ينفع نفسه ولا يضرّ نفسه فهذه أسماء لها شقّ واحد من جهة المخلوق فقط فهي المسمّاة بالأسماء الفعلية محتدُها اسم الملك كما قال أهل العلم بالله تعالى بخلاف اسم الربّ فله الأسماء الفعلية وله الأسماء النّفسية المشتركة. والربُّ لغةً هو الذي يربّي ويُنعم ويدبّر ويصلح ويقومُ على تدابير ومصالح خلقه وعباده وحاجاتهم، فلهذا كان للدجّال وجه من وجوه هذا الإسم تدليساً وتدجيلاً، إذ من هذه التدابير التي تُعنى بالخلق والعباد كانت الأمور المادية وما يحتاجه النّاس في معاشاتهم وحياتهم ممّا يتداولونه بينهم، فكان للدجّال هذا الوجه تدليساً وتزييفاً لا ربوبية بمعناها الحقيقي بل دعوى دجّل بها الاستعانة بالخوارق والماديات ليُحصّل شيئاً من هذه الاحتياجات والمعاشات الدنيوية، كما يصحّ لمالك شركة أو رئيس دولة أو ملك مملكة أن يدّعي امتلاكه للحوائج والأرزاق والنّعم التي يملكها ويتسيَّدُ عليها بطبيعة وظيفته ورتبته التي اقتضاها واقعه بين رعيّته، ولكن في الحقيقة هي ليست ملك هذا المالك أو الرّئيس، فكان للدجّال هذا الوجه المزيّف المدجّل من وجوه اسم الربّ، أي ادّعى تدبير مصالح وأرزاق الخلق والعباد والإحياء والإماتة والنّفع والضرّ فسخّرََ لذلك القدرة التكنولوجية والصولة العلمية المادية والخوارق الجنيّة والعفاريتية الشيطانية وما ميّزهم الله به من قوّة وقدراتٍ طبيعية فوق الإنسان واستعمل السّحر والوهم ، فادّعى الربّوبية في هذا المجال المفتوح. ولكنّ الدجّال ليس له وجوه الربّوبية الحقيقية التي هي للربّ سبحانه بأسمائها المقدّسة المريد المدبّر الرزاق المحيي المميت النافع الضار وغيرها من أسماء للربّوبية الحقيقية التي استعلتْ عن المادة والطبيعة والعناصر والأكوان وعالم الاسباب أصلاً، فالله سبحانه يقول للشيء كن فيكون، والله قضى ما قضاهُ في الأزل وجفّت الأقلامُ وطويتْ الصّحف، وكان ربّاً لعباده وخلقه في سائر تدابيرهم، الظاهرة والباطنة، المادية والروحية، الكونية والغيبية. ورتّب عالم الأسباب ترتيباً حكيماً، وأمهلَ وجعل الدّنيا امتحاناً واختباراً، وقدّرَ أقدارها بحكمة عالية وترتيب عظيمٍ، فكان الدجّال بالاعتبار الذي ذكرناه أكبرَ فتنةٍ عرفتها البشرية لأنّه يظهرُ بالمرتبة العليا للطبيعة الترابية والعنصرية وما لم يخرج عن الأكوان ولم يخرج عن النّفس النّاقصة وما دخل في عالم الأسباب بعلومها الدّقيقة، ليُجسدّ هذا الدّجال حقيقة مرتبة الإنسان العليا والكاملة، إنّ في ذلك لآياتٍ لقوم يتفكّرون ويتدبّرون. فالدجَّالُ شاهدٌ عظيمٌ على رتبة الإنسان - شاهدٌ أعورٌ ناقصٌ - ولكنّه شاهدٌ على رتبة الإنسان الكامل وأميّته وذاتيته وصورته التي خلقه الله عليها، وهي الصورة الإلهية التي استوعبتْ جميعَ ما في العالم، ولها فوق ذلك ممّا لم يستوعبهُ العالم. فكان لزاماً أن يظهرَ ما يجسِّدُ مرتبة التدجيل الكبرى في الأكوان، صورة آثار الأسماء مفصولة عن قدسيّتها وروح القدُس. ولا يظهرُ ذلك أي هذا الأثر التدجيلي في ذروته وشخصه الدجّال إلاّ بظهور الوليّ الذاتيّ صاحب الولاية بالأصالة، الذي إليه رجعت الحقائق بالسذاجة الذاتية والعينية الذاتية. الوليّ الدّال على المعنى الأحديّ المتعالي عن الأكوان والتجليّات جميعها، فيُعطي هذا الوليّ قبل ظهوره الكامل حقيقة الولاية وتجليّات جميع المراتب وكمالها في الاكوان، وليّ مجذوبٌ لا حول له ولا قوّة، اصطفتهُ العناية واجتبته، ليكونَ مرقاها الأصليّ وحقيقتها الذاتية وسرّها الأوليّ. مُعبّراً عن جميع مظاهر الخلق وتطرّفاتهم ونقائضهم، فيظهرُ بالتطرّف الإنسانيّ النّفسيّ المبتور عن حضرة القدُس ويظهرُ في ذات الوقتِ بالسرّ الأعلى الذي يستوعبُ إدراك المراتب والحقائق الكمالية برغم عدم كماله الجبروتي والقدسيّ ليدلَّ على سرّه الذاتيّ الأصلي الذي استوعبَ هذه الكماليات والأسرار الشهودية الذوقية المستعصية المستحيلة على غير المشاهد لها شهوداً والذائق لها ذوقاً، ثمّ يظهرُ بعد ذلك بالكمال الإلهي الأعلى المحمديّ، إذ الكمال الأعلى الذي تجلّى الله به هو الكمال المحمديّ، فجعل الله سيّدنا محمّد هو مظهر الكمال الذي لا أكملَ فوقه في الأكوان، صاحب الأخلاق الإلهية العليا التي لا فوقها، لأنَّهُ صاحب الرّحمانية والرّحمانية هي أعلى مراتب الوجود، ولأنَّهُ حقيقة الصورة أي سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ومظهرها الذاتيّ الكامل، ليكونَ هذا النبيّ القدوة والأنموذج والخاتم الذي من تحقّق به وبأخلاقه وكمالاته، واسطةً لشهود الحقيقة الغيبية الإلهية، والتحقّق بسرّ الذات الساذج، وبسرّ الهوية والولاية المحضة والختمية لكلّ فردٍ وليّ من أولياء هذا النّوع الإنسانيّ، فافهم. وهناك يصبحُ الفرد والوليّ على الصورة. فإذا كانتِ الصورة هي الاصطفاء النّوعي والاجتباء الأزليّ للإنسان، فإنّ أنموذج هذه الصورة في الأكوان وصاحب كمالاتها والظاهر بها وسيّدها هو النبيّ المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، فهو الذي من أجله خلق الله الأفلاك والأكوان، فهو سيّد الأكوان وسيّد الوجود، فهو الظاهر بالصورة الرحمانية وهو باب الولاية وعين تحقّقاتها الذاتية، إذ هو المجلى الأكمل والأعلى للتجلّى الإلهي، هو المحتد والنّسبة التي لولاهُ ما ظهرتِ الأكوانُ والمخلوقات. فلهذا كان الختمُ المعظّم صاحب الولاية مكتوماً، لأنّهُ لا يُعبِّرُ إلاّ عن الصورة الغيبية الكمالية والولائية التصريفية التي خصّ بها الإنسان الكامل، فهو باطنُ الإنسان الكامل، وهو المرتبة التي يظهرُ بها الكمّل والأفراد وأصحاب الولاية الكبرى من النّوع الإنسانيّ، فلهذا يُقال هي الذاتُ الأحدية التي كانت أحمداً للذاتية ومحمداً لحقيقة الأكوان. وكان سيّدنا محمّداً هو أحمد بالذات والكمال والتجلّي التامّ والاجتباء على سائر هذا النّوع الإنسانيّ، ممّا هو داخل تحت حيطة الخلق، فهو سيِّدُ الخلق والمخلوقات وأفراد بني آدم عليه السّلام، وهو عنوان كرمِ الله تعالى الذي لا يُضاهى ولا يُتصوّر ولا يُتخيّلُ أصلاً من مخلوق، إلاّ لمن أدرك تلك المرابع وتُوِّجَ بتلك المراجع، فعلمَ وعادَ مسبّحاً بحمد الله تعالى مقدّساً ومنزّهاً. هذا هو العطاء الأعظم والكمال الأتمّ والإحسان الأفخم، فالخارجُ عن الخلق والمطهَّرُ عن الأكوان وصاحب المعنى الأحديّ بالأصالة هو الوليّ الختم، معناهُ تنزّه عن الكمالات أصلاً، واستعلى عن الإطلاق والتقييد، والتنزيه والتشبيه، هو الهو، هو الهو السّاذج، وكلّ وليّ فرد ختمٍ يطيرُ بهذا التحقّق العجيب، ليصبحَ له تلك الصورة وتلك الحريّة المطلقة، وذلك التصريف، لأنّه يقالُ له هناك إنّك لدينا مكينٌ أمين، ووليّ متصرّف. فافهم هذه الحريّة التي فاز بها الأحرارُ الخارجون عن الأكوان والعبادُ المطهّرون. فما قاموا في الأكوان إلاّ أنموذجاً وأئمة يدلّون المستعين والمستهدي من بني البشر، أمّا حقائقهم فهي في الحريّة المطلقة تسبح، وفوق الزمان والمكان، فهذه حقيقة سواء آمنتَ بها أم كفرتَ أيّها الإنسان، فقد فاز بها أفرادٌ وأولياءٌ وأطهار كرامٌ، طوبى للمعتقد والمحبّ وخابَ المعاندُ الرَّاكبُ رأسه والأحمقُ، فما جنى عليه إلاّ حمقُه والحمقُ داءٌ ماله دواءٌ. وإنّ هذه القابلية للكمال الذاتيّ موجودة في كلّ إنسان، في كلّ عبد من هذا النّوع الإنسانيّ فافهم، ولكنّ الاستعداد لقبول تلك القابلية هو الذي اختلفَ فيه النَّاسُ وتفاوتوا، فلئن فاتكَ ما فاتك، فلا تجعلِ بقايا هذا الاستعداد تفوتُك بالإنكار من غيرِ علمٍ، فيفوتُك الخير العظيم، واجعل سُلّمك التسليم والمحبّة والتعالي عن الأحقاد والضغائن. وانظُرْ لأخلاق النبيّ العظيم صلّى الله عليه وسلّم، تعرف ما يتحقَّقُ به الكرامُ والأحرارُ. والمحبّة من أكبر أبوابِ الفوز والمعيّة مع هؤلاء الكمّل والصّادقين.

فقلنا إنّ الوليّ الختم، هو حقيقة العطاء والمعنى الأحديّ، لذلك ظهرَ مظهرُهُ وسُمّيَ الخليفة، خليفة هذا الإطلاق وخليفة هذا التقييد، غيرةُ الله سبحانه في علاه، نسجتِ الحقائق على هذا المنوال، وقضتْ أن يظهرَ الخليفة حاملاً لسرّ هذا الإطلاق والتقييد، وهو فوق الإطلاق والتقييد، ليتميّز الأصلُ عن الفرع. وإن كانت الصورة الإلهية من تحقّق بها من النّوع الإنسانيّ جعلته سيّداً حرّاً يسبحُ في عوالمِ الإطلاق، ويخوضُ في بحارِ التقييد والتشبيه، فلا شيء يفوتُه ولا أمرَ يعلو عليه. فقد طارَ مع الأحرار في عالم الحريّة والإطلاق. وعلى هذا صارَ المشايخ الكمّل أدلاَّءُ على الله تعالى، لأنّهم نفذوا إلى هذا السرّ المطلق المستعلي، وتحقّقوا بسرّ الأعظم، واستوى اسمُ الله تعالى على قلوبهم، فصارتْ قوالبُهم بشريّة المظهر، إلهية الحقيقة والمخبر، وصاروا محطّ نظر الله تعالى، من نظروا إليه بعين الرّضا فاز، كأنّما نظرَ الله إليه بعينه، وذلك مصداقُ ما قاله الحبيب المحبوب طبُّ القلوب سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم على لسان الله تعالى في الحديث القدسيّ الصحيح الذي رواه البخاري "..حَتَى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ..".
فالصورة الإنسانية حقيقتها التطهير الكماليّ والخروج عن الأكوان، فقد صارَ المطهّرون هم الذي يمسّون الكتاب بالتصرّف فيه، يقولُ المحقّق منهم للشيء كن فيكون بالله تعالى، إنّها الخلافة الإلهية التي أهلّ الله لها الإنسان. وأشباحُهُم في الأرض صارت منافذ لهذه الرّحمة العليا والحريّة المطلقة لمن تمسّكَ بهم واستدلّ بهديهم، ليكونوا له أدلاّء، فكما أنّ الإنسان ما نفِذَ إلاّ ببعثات الأنبياء عليهم السّلام فهم العباد الذين اصطفاهم الله على سواحل الذات ليكونوا أهلاً للدّلالة وتعليم البشر قبل انتهاء النبوّة وختمها، فقد صارَ النّفوذ لعالم الحريّة والكمال الإنسانيّ بعدهم طريقُه من طريق صحبة أهل هذا الكمال الإنسانيّ وهذا المدد الربّانيّ وهذا الإطلاق الإمكاني، وبغير هذه الصّحبة فلن ينفذ النّافذ أبداً. لذلك كان الدّال على الله تعالى وبابه الأوحد وحجابه الأعظم هو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال الله تعالى : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.} [آل عمران:31]. فهؤلاء الأولياء هم الورثة لسيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، هم أصحاب الرّحمانية بأخلاقهم العليا وكمالهم وهم أهل الإسم الأعظم بولايتهم وتحقّقهم لدرجة تأهيل الغير وتكميلهم وحريّتهم التي أخرجت عن جميع القيود، وهنا اختلف الكمّل وتفاوتوا في درجة التكميل والتوصيل، والأفراد هم أهل هذه النّسبة العليا والتربية الكبرى، وكذلك هم متفاوتون هنا، فمنهم من بلغ درجة التجديد والإحياء فيحيي به الله الطّريق ويكون من ورثة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بدرجة كبيرة، ويصعبُ التمييز بين أهل الكمال والتربية، لأنّ الكمال أصلاً درجات وتفاوتٌ، ولكن لذلك علامات، ومن علامات الكمال وعلوّ كعب المربّي المرشد، تجديدُهُ وتسهيلُه للمسالك وصهره لأتباعه مع العصر وأدوات العصر وميكانيزمات الإعمار فيه والاستخلاف، فبقدرِ التداخل مع العصر والولوج لعالم الحكمة وتنزّلِ معنى الرّحمة يدلُّ ذلك على علوّ كعب المربّي المرشد وكماله، وهذا الإعمار والتجديد يتوازى مع خمرة الرّوح وأوبة الأتباع لله تعالى وتقواهم، فتجدُهم يجمعون بين صفاء الرّوح وأخلاق الإسلام وبساطة الواقع وأخذهم بالأسباب وفهمهم للحياة فهماً سهلاً جميلاً نافذاً متوائماً مع الإنسانية والحكمة التي أجراها الله في هذه الدّنيا. هنا تفاوتَ الصوفية وتفاوت المربّون تفاوتاً عظيماً، فالقريب من الخليفة والقريب من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قريبٌ من إنزالِ أمرِ الله على الواقع وإضفاء نكهة الرّوح والصّفاء والسّلوك والأخلاق والرّحمة على الحياة العصرية والواقع المعاش والتجديدات الحاصلة في العالم بتعقيداتها وتفاصيلها، فافهم. ولا يعني أنّ المربّين الذين يأخذون أتباعهم لدرجات القرب المتفاوتة ليسوا أهلاً للتربية، ولكنّ المجدّدين نادرون وأقلاّء في زمرة أقرانهم المربّين والمرشدين. فكيف بزماننا هذا الذي قلّ فيه وندر المجدّدون، ندرة عظيمة. وهذه النّدرة لن تدلّكَ إلاّ على ندرة هذا الفهم الذي أشرنا إليه هنا ندرة عزيزة جدّاً.

فكان لظهور الدجّال معانٍ واستنتاجات عالية، أوّلاً أنّها دالّة على طبيعة سلوك المجذوب وطهارة سرّه العظمى، فتنزّهََ عن السّلوك بالأغراض، فكان الأميّ الذاتيّ المحض، متعالياً عن الأسماء سوى الإسم الأعظم الجامع، فقلبُه أمينٌ غاية الأمانة صادقٌ كامل الصّدق، فلم يتحرّك ولم يسلك وفي الدوافع أغراض ونفسٌ غير مقدّسة، ليس لهُ مع الله تعالى سوى عهده القديم وحقيقته الأولى التي أولاها له ربّهُ في العناية الأزلية، وهي رتبة التطهير، لا طلباً للمراتب بل بالعكس تماماً منزّهٌ عن الأغراض والتجليّاتِ جميعها أميّ ذاتيّ، محتدُهُ ذاتيّ، ومحتدُهُ نبويّ، إذ لا أعلى من النبوّة التي كانت المجلى الأعلى والأكمل الوجودي كما ذكرنا، فكان محتدُهُ هذا المجلى لا أقلّ منهُ، لأنَّهُ الأصلُ وليس الفرعُ، أصلُ تلك المرتبة والمحتد النبويّ، فهو النبيّ وهو الوليّ وهو الرّسول وهو الصّديق وهو حقيقة جميع المراتب، فلا مزاحمة هنا، فما كان ليعودَ إلى رتبته الشريفة إلاّ بالمحتد الأعلى الأكمل، المحتد النبويّ الرّحماني. فهو المجذوبُ الأكبر مجذوبٌ تامٌّ لله تعالى، تكفّلتْ به العناية ليُعطي حقيقة الولاية التي أعطت جميع المراتب حقّها، بصدقٍ تامٍّ. إذ سرُّهُ السرُّ الأعلى والأوليّ، السرّ الذاتيّ المحض دون سواه، فجسّدََ تراجعهُ وانحسارَ نفسِهِ من العروج السّماويّ السّلوكيّ، فاستولتِ النَّفسُ العنصرية على كونِهِ ومملكتِه وقائدُها إبليس، المسمّاة سامريّ النّفس الذي هو الدجّال الأعور الذي اختارهُ الله لهذه الوظيفة وهذه الصفة التدجيلية الكبرى، فظهرَ دجَّالاً يعيثُ في الأرضِ فساداً ودعاوى ربوبية فلم يدخل مكّة المعصومة وهي رمز الجذب الذاتيّ فليس للشيطان والنّفس لهما عليها سلطان ولم يدخل المدينة الممنوعة وهي رمز الصحو الذاتيّ مقام البقاء بالله تعالى وليس للنفس والشيطان عليها سلطان كذلك، واعتصَمَ الرّوح الإمام في بيت المقدس ليدلَّ اعتصامُ الروح الإمام المهدي هناك على ولاية المهدي الأصيلة وبقائه تحت عهدِ الرّوح فلم يستولي سامريّ النّفس على عرشه وجسمه ونفسه، وإن كان توجّه الدجّال إلى بيت المقدس يدلُّ كما قال الشيخ الجيلي قدّس سره على مقام التباس الكشوفات عند العارفين وغلطهم في تمييز الكشف الصحيح من الكشف المدلّس، فأعطى التجلّي الدجّاليّ حقيقة العبد الوليّ بالاصالة حتّى في التجلّي الظلمانيّ الأعظم الذي لا فوقه، إذ جميع التجليّاتِ من الله سبحانه وحده لا شريك له، فكان التجلّي الظلمانيّ للطبيعة العنصرية والكثافة الترابية وكان التجلّي النورانيّ للرّوح العارفة بربّها. فأعطى مشهدُ استيلاء الدجّال على الأرض جميعها سوى ما ذكرنا من مكّة المقدّسة والمدينة المنوّرة وبيت المقدس مهد الرّوح والإسراء ومحطّة العروج السماوي أنّ المهدي المجذوب هو الرّوحُُ الظاهرُ بجميع المخلوقات، والرّوح الأعظم الذي منه خلق الله الخلق والموجودات، فهو روح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فهو النبيّ في الحقيقة وهو الوليّ وهو كلّ شيءٍ، هو الأصلُ الجامعُ للاضداد والظاهر بها، فأعطى جميع المراتب والمحاتد حقائقها ورتبها وهو ثابتٌ في ولايته. لم يقدِرْ دجّال العنصر والظلمة أن يستولي عليه، وليس يقدرُ. إنّما هي حُجَّةُ الله على عباده وخلقه وملائكته ليُشهدَهم حقيقة هذا الخليفة وسرّه الأعظم بتحقّقه بجميع الأسماء الإلهية حيثُ فاتَ الملائكة في ذلك المقام الأوّل حين تساءلوا وتعاظموا خلافة الإنسان لمّا قالوا: {.. أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} وفاتَهُم أنّ حقيقة الخلافة هي التحقّق بجميع الأسماء الإلهية في أرض الخلافة، والتحقّق بجميع الأسماء يقضي بظهورِ آثارِها عليه، فإن كانوا قدّسوا الله بأسماء التقديس فقط، فالإنسانُ الخليفة قدّس الله بجميع الأسماء فظهرتْ آثارَها عليه، والغفور لا يتحقّقُ به المتحقِّقُ إلاّ بفعل المغفرة التي يكونَ قبلها الذنبُ، فكان للإنسان هذه الجمعية الأسمائية والتقديس الكامل الأتمّ فوق الملائكة لذلك أجابهم الله تعالى {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.}، ثمّ علّم آدم الأسماء كلّها، أي ما ذكرناهُ وتحقّقَ بها فشهدوا حقيقة التحقّق بجميع الأسماء، {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُون} -البقرة-. فكانت الخلاصة أن اعتذرَ الملائكةُ وعرفوا أنّ هذا الخليفة الإنساني، وكان سيّدنا آدم عليه السلام وقتها خليفة ونائباً عن الخليفة الأوّل كما هو سياقُ الآياتِ، قلتُ فعرفوا أنّ هذا الخليفة فاتَهم وتجاوزهم في التقدّيس والتحقّق بالأسماء، فاستوجبَ الخلافة عليهم بذاتِ ما اعترضُوا عليه، فسبحان الملك العلاّم العزيز الحكيم. فلمّا ظهرتِ على المجذوب جميعُ الاستحقاقاتِ والتطرُّفاتِ والآثار والرّتب في الأرضِ بنواقضِها وأضدادها، استأهلَ بذلك السرّ الأعظم والشرف الأعلى والأفخم، فكان هو الإمام الأعلى والخليفة الأعظم المسمّى الرّوح بذاته، لينعكس ذلك في ظاهر خلافته ثمّ ينزلَ روحُ الله المسيح بن مريم عليهما السلام ليقتل الدجّال ويقدّس الأرض وعرش المجذوب، وقبل ذلك اي في سلوك المجذوب ينزل الرّوح عليه والتي هي عروس الحضرة و حور الذات فيتقدّس ويكمل ويُصلحُهُ الله في ليلةٍ، لأنَّهُ عبدٌ مجتبى مجذوبٌ أصليٌّ وليٌّ بالأصالة. وعروس الحضرة أو حور الذات سرٌّ من أسرار هذا الطريق. وهي التي يُكنّي عنها الصوفية بليلى وهند وسلمى، الظاهرة في شعرهم الصوفيّ الرّمزيّ. فهي الرّوح التي يلتقيها الأفرادُ في بحار الجذب الذاتيّ، لتعودَ بهم إلى عوالم التقديس. وليس ذلك إلاّ للأفراد الذاتيين أهل التقديس والتأييد بروح القدس. ورمز روح القدس هو النبيّ عيسى بن مريم عليهما السلام كما أخبر الله تعالى، فهو المظهر الصفاتي ولبوسها الظاهر في الأرض، لذلك سمّي روحُ الله.

يتبع ..

الخميس، 30 يناير 2014

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 60



- 60 -

الكلامُ عن حضرة المهدي عليه السلام كثير، إذ حيثُ شرّقتََ أو غرّبتَ نحوَ الحقائق العليا فأنت لا تخوضُ في الحقيقة إلاّ عن حضرة المهدي، إذ حضرتُه هي حضرة الربّ المعتدلة، فهو حقيقة الحقائق، ما مُدٍحَ ممدوحٌ أو حُمِدَ محمودٌ إلاّ ومدحُه وحمدُهُ عاريةٌ وعرضيٌّ واستعارةٌ استعارها من حضرة هذا الخليفة حامل لواء الذات حقيقة وذاتاً وعيناً. ولمّا كان مظهراً وخليفةً فقد ارتفعَ عن التعيين والتخصيص تخلُّقاً بحقيقته الغنية والمطلقة والغيبية، لو شاءَ لأشهرَ مرتبتهُ، ولكنَّهُ صاحبُ الصّفاء الأسبق، والفناء الأطبق ، وصاحبُ الإطلاق المُطْلَق والأخلاق العالية العليا التي لا فوقها، فزال بحقيقته عن شهرته، وبحكمته وإطلاقه عن تخصيصه، ولولا غيرةُ التوحيد وحكمة الحقائق التي تركّبتْ عليها هذه الدّنيا لما ظهرَ هذا الختم والخليفة ليختمَ الدّنيا، ويُترجِمَ حقائق الوجودَ إلى واقعٍ موجودٍ، ويُتَرجمَ آثار الأسماء ومظاهر الخلائق إلى حقيقتها الذاتية ووحدتها الجامعة.

لذلك سيرتُهُ قبل ظهوره ملاحم باطنية كبرى، تُترجمُ عن حقيقة هذه الحياة التي غفل عن حقيقتها النّاس، وهي غفلة من حكمته سبحانه، ولا تستغرب أو تتعجّب من كونِ دربِ الكمال قليلٌ رجاله، قلّة لا تكادُ تُذكر، فتلك رحمةٌ الله بخلقه وعباده، فدربُ الكمال يسّاَقطُ دونهُ الرّجال والأفذاذُ والأبطالُ وما شئتَ أن تتخيّله من بطولاتٍ كبرى، فدربُ الله سبحانه ودرب الكمال والفناء، شيءٌ آخرٌ وقفَ دونه بالعجز الجميع، حيثُ لا سالك إلاّ بالعناية واجتباء الله سبحانه، وفي هذه الحقيقة النّاصعة الغريبة قال الإمام إبو يزيد البسطامي قدّس الله سرّه "السَّالكُ مردود والطّريق مسدود". نعمَ يا أخي لا تتعجّب، فهو طريقٌ مسدودٌ إلاّ من استعانَ بالله تعالى كامل الاستعانة، والسَّالكُ مردودٌ حتّى تأفلَ إرادته وهمّته النّفسية فيشهدَ الحقيقة الكبرى أنَّهُ لا سبيلَ إلى الفناء إلاّ بطرحِ النّفس ودعاوى السّلوك وقارونية الأنا، في ملاحم نفسية كبرى عظمى قال عنها أحدُ العارفين بالله والحكماء "الملاحمُ النّفسية أعظمُ ملاحماً من الملاحم التاريخية المسطورة في كتب التاريخ والمحفوظة في ذاكرة الشعوب". نعم إنّها ملاحمٌ تجلُّ عن الوصف ويعجزُ التصوّرُُ أن يتخيّلها، ولا يدركُها إلاّ أصحابُها المعانون لها، لأنّها ملاحمَ كونية تمورُ في وجدانِ هذا العبد السّالك إلى الله تعالى، التغييرُ فيها لا يُلامِسُ جزءاً من الحياة أو دولةً أو حتّى خريطة أرضيةً في صراعٍ عالميّ، بل هي ملاحمٌ كونية شاملة والتغييرُ فيها شاملٌ كاملٌ، والحربُ فيها على الصغيرة والكبيرة. وعبّرََ عنها أحد العارفين فقال : "ليس العجبُ في من هلك كيف هلك ، بل العجبُ في من نجا كيف نجا !؟ " نعم هذا وصفٌ لحقيقة هذه الملاحم التي يعيشُها السّالكون درب الفناء، فانظُر تشابه وصفهم وتقارب طرحهم. فما أعظمَ هؤلاء الرّجال، فمعرفة ما قاسوه وما سلكوه وما طووه، يجعلُ العارف بهذه الحقيقة مقدِّساً لهم معظّماً، حامدًا لله تعالى على وجودهم، لأنّهم المشاعل والمنارات والساداتُ وأهل الهمّة العظمى، في دنيا غدّارة جبّارة موَّارةٍ بالتقلّبات والأخطار والنّفوس العاتية بين أجناب العباد، ولكن لمّا خفيت هذه الملاحم فقد خفيَ أمرُ هؤلاء الرّجال والأبطال الحقيقيون، وخفيَ قدرُهم في الدّنيا، وما خفيَ إلاّ عن أهلِ الغفلة عن طريقِ الله تعالى، أهل الغفلة عن الطريق الصّحيح، طريق التغيير، وليس طريق النّسبة الشكلية والانتماء الظاهريّ وتكثير السّواد، وإعلاء الدّعاوى هنا وهناك. فصدق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقوله : "قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر . قالوا : وما الجهاد الأكبر ؟ قال : مجاهدة العبد هواه " رواه البيهقي، وفي رواية للنسائي : أخبرني حدثنا أبو مسعود محمد بن زياد المقدسي سمعت إبراهيم بن أبي عبلة يقول لأناس جاءوا من الغزو ((وقد جئتم من الجهاد الأصغر فما فعلتم في الجهاد الأكبر قالوا يا أبا إسماعيل وما الجهاد الأكبر قال جهاد القلب.)).
فإنّ أهل العلم بالله يصحّحون هذا الحديث في معناه، وهو معبِّرٌ عن حقيقة ما ذكرناه، أنّ درب الجهاد النّفسي والفناء والسلوك إلى الله تعالى أعظم بما لا مقارنة بالجهاد الظاهر. لأنّه جهادٌ شاملٌ كونيّ يفوقُ التصوّر، وخصوصاً تصوّر القاعدين المخذولين الذين لم يذوقوا معاني السّلوك والتغيير والتربية الإيمانية والإحسانية فتجدهم ينكرون الحديث متناً وسنداً. لا إشكالَ في تسنيد الحديث كما هي رتبته السندية فهذه وظيفة المحدّثين، ولكن التعدّي على المتن ومعناه بالإبطال فهذا شُغلُ الجهلة وأهل السطحية الذين ابتُليَ بهم هذا الدين وهذه الأمّة.

والجهادُ الأصغرُ في الحقيقة هو صورةٌ من هذا الجهاد الأكبر جهاد الهوى وجهاد الفناء، لذلك علا شأنُه وعظّم الله أهله الشهداء، فالشهادة هي نوعُ فناءٍ بتقديم الرّوح في سبيل الله تعالى، فيُبدِلُ الله العبد بروحه روحاً أصفى وجنّة أرضى. فمهما صفَتْ نية المجاهد والشهيد في سبيل الله فقد نالَ من معنى الفناء الذي يفنى به أهلُ الفناء، فكانت الشهادة في سبيل الله من أعلى منازل القربِ والدرجات عند الله تعالى، كأنّما العبدُ لمّا استجابَ لداعي الله تعالى ولم تثقل عليه نفسُه ولم يخلُد للأرض والدّنيا وزينتها وقدّم روحه وماله في سبيل الله تعالى ودفاعاً عن كلمته وعن الحقّ استعاضَ بوجودِهِ المتعلّق بزينة الدّنيا وشهواتها ومتاعها بالرّغبة في الله تعالى وطلبِ وجهه سبحانه، فنالَ معنى الفناء الذي يناله السّالكون بمجاهداتهم لنفوسهم، ينالُ ذلك النّصيب من الفناء والتحقّق عند الله تعالى بقدرِ خلوص نيته، التي خلصتْ تحقيقاً لأهل الفناء لأنّهم ما فنوا إلاّ بموتِ نفوسهم وخروجهم عن تأثير العنصر والتراب إلى صفاء الرّوح وحكمها وهم لا يزالون أحياءً.

وهؤلاء المتحقّقون السّالكون هم أهل النّسبة الحقيقية لله تعالى وهم الرجال على أقدام الصحابة رضوان الله عليهم، حازوا معنى النّظرة النبويّة والسّند الرّوحي والمدد الربّانيّ، أفاقوا على البرءِ من عيوبهم وأدوائهم الباطنية وعللهم النّفسية وتطهّروا منها فهم لا يبغونَ علوّاً في الدّنيا ولا ظهوراً ولا بهم لوثاتُ النّفوس المدسوسة المخبوءة التي تظهرُ عند الفتن والمحن، بل هؤلاء الرّجال تطهّروا من كلّ لوثة نفسية وخلِقٍ دنيّ أصفياءٌ أنقياءٌ أتقياءٌ، صحابة حواريون أنصار الله وأحبابه، ورثة الأنبياء عليهم السلام مؤمونة جوانبهم مدفوعة بوائقهم طاهرة أرواحهم إخوان القرآن، إذا تليَ القرآنُ بأخلاقه المقدّسة فهم أهلُ القرآنِ مصاحفٌ تمشي حقّاً، الإنصافُ مطلبُهم والعدلُ دأبُهم والرّحمة خلُقهم والعلمُ نورُهم والإيمانُ حقيقتهم، أين منهم الذين امتلأتِ الأرضُ اليوم ومن أزمانٍ من الأدعياء والسّفهاء والمتطاولون على الخلْق والمتعطّشون لدماء البشر يسفكونها هدراً، والمتعصّبون لانتماءاتهم القاصرة، والمتحيّزون لرسموهم العابرة، شتّانَ شتّانَ بين هؤلاء وأولئك. لذلك قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم .( بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا ، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ) رواه مسلم
وفي رواية (بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء ، قيل : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : الذين يصلحون إذا فسد الناس .). هؤلاء هم الغرباء الذين هم على أقدام الأوّلين من صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذين يقلّون عند الطمع، ويكثرون عند الفزع. وجاء في الخبر أنّ سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل المسجد ، فوجد سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه جالسا إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي ، فقال له عمر : ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن ؟ هلك أخوك ؟ قال : لا ، ولكن حديثا حدثنيه حبيبي صلى الله عليه وسلم وأنا في هذا المسجد ، فقال : ما هو ؟ قال : إن الله يحبّ الأخفياء الأحفياء الأتقياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا ، وإذا حضروا لم يعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل فتنة عمياء مظلمة ). نعم هؤلاء هم الغرباء الذين يورّثهم الله الأرض، فليس فوق هذا الوصف من سيّد الخلق صلّى الله عليه وسلّم وصفٌ.

فقلنا إنّ هذا الطريق حقيقتُهُ أن يُحاطَ بالعبدِ فلا يجدُ مهرباً ولا مخلَصاً ممّا هو فيه سوى الواحد الأحد سبحانه، إحاطةً من كلّ جانبٍ تُعلنُ حقيقةً عن إرادتِه النقيّة الخالصة الرّاغبة في وجه الله سبحانه، حيث هناك لا يكونُ لهُ من سلاحٍ ولا مددٍ سوى سلاح الاستعانة بالله تعالى والاضطرار الأعظم والفقر المطلق والعجز التامّ بين يدي الله سبحانه، فيتحقّق حقيقة ما قاله الإمام أبو يزيد البسطامي قدّس الله سره "الطريق مسدود والسالك مردود". فتموتُ المشيئة النّفسية والإرادة العنصرية، وهناك يأتيه المددُ من الله تعالى، مدد الرّوح، ويحيا من جديدٍ حياةً أخرى، هي الحياة بالله تعالى وهي المعبّر عنها بالبقاء بالله تعالى فيعوّضه الله تعالى قوّة وقدرة وحياة وإرادةً ومدداً منه خالصاً فيصبح على الوصف الذي جاء في الحديث القدسيّ "إِنَّ اللَّه قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيَّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إليَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إليَّ مِمَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّب إليَّ بِالنَوَافِلِ حَتَى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ." رواه البخاري.
كما قال الحكيم ابن عطاء الله السكندري قدس الله سره : "تحقّق بأوصافك يُمدّك بأوصافه . تحقّق بذلّك يمدّك بعزّه . تحقّق بعجزك يمدّك بقدرته . تحقّق بضعفك يمدّك بحوله وقوّته.". انتهى.

وهذه الحقيقة تلوحُ عند معرفة هذه النّفس، فالنّفس روح عارفة بالله وعنصر وتراب وكثافة، فكلّ عبدٍ هو مزيج بين الروح والنّفس العنصرية الكثيفة، وهذه الرّوح العارفة هي مقام الجمع، حيثُ يعرفُ العبد ربّه ويشهده شهوداً ويكونُ في ذاك المقام حيّاً به سبحانه وباقٍ به، فقال صلّى الله عليه وسلّم "من عرف نفسه فقد عرف ربّه". لأنّه في الحقيقة مرجعُ كلّ شيءٍ إلى الله تعالى سبحانه، فما قامَ شيءٌ بنفسه، فمهما عرفتَ نفسكَ فقد عرفتَ ما أودَعَ الله فيها، إذن فقد عرفتَ حقيقتها التي تقومُ بها، وهناك عند ارتفاع الحجب لا تجدُ إلاَّهُ وحده لا شريك له المدبّر الواحد القيّوم سبحانه، وما من شيءٍ إلاّ ويقومُ بالله تعالى، ولكن اختلفتْ المحاتد محتد كلّ شيءٍ وكلّ مخلوقٍ من ربّه فاختلفتْ حقائق هذه الأشياء، وإلاّ فلا موجود تحقيقاً إلاَّهُ سبحانه. إنّها الحقيقة الكبرى التي يعجزُ عنها الإدراك والاستيعاب.

ولذلك كان الوصولُ إلى الله تعالى، يستوجبُ أن تقطعَ كلّ ما يحولُ بينك وبينه سبحانه، وما يحولُ بينك وبينه هو كلّ شيءٍ، وقِفْ على عبارة "كلّ شيءٍ". فهذا معناه أنّك ستتعرَّضُ لقطّاع الطّريق لتصلَ إلى هذا الإطلاق وهذه الأميّة والتحرّر من كلّ شيءٍ، وقطّاع الطريق هم كلّ شيء، درجاتٍ وراء درجاتٍ، تتراكمُ عليك المعوّقات والمحبطات والمثبطات، كلّما طويتَ أشياء ومستوى، ابتلاكَ الله تعالى بمستوى أعلى من تجليّات الجمال والجلال، فانظُرْ في كلّ شيءٍ، فهي بين الجمال والمنحة وجنسهما، والجلال والمحنة وجنسهما، مستوى بعد مستوى، حتّى تصلَ إلى كمالات الجمال وكمالات الجلال، تُبتلى بهما فإذا صمدَ العبدُ وصدقَ في طلب وجه الله تعالى، هناك يُصبحُ العبدُ الذاتيّ، الذي صحّ له حقّاً وصدقاً طلب وجه الله تعالى، فما فتنه عن الطّريق شيءٌ من الأشياء، ولو وقفَ مع شيءٍ فتِنَ به، مهما كان هذا الشيء، حتّى لو كان مقاماً نورانياً أو علما من العلوم اللّدنية، فالحُجُب ليس ظلمانية فقط، بل الحُجُب حجب نورانية كذلك، وكم سالكٍ سقط مع هذه الحجب والفتن خصوصاً الحجُب النورانية فهي معوّقات السّالكين حينما يتجاوزون مراحل متقدّمة، والسّقوط كما أهل العرفان والتحقيق بالنّسبة لمن يقعُ في الحجب النورانية كالعلم فينشغل به عن وجه الله تعالى، السّقوطُ والفتنة هو التحوّل عن القصد والغاية والوجه المقصود وهو وجه الله سبحانه، أي تتحوَّلُ غاية العبدِ ويقفُ على ذاك العطاء وذاك المقام فيغدو ممتلئاً به باطنُه ومفتونة به نفسُه، فيحولُ بينه وبين وجه الله سبحانه ذلك. وهو شيءٌ ليس بالسّهل أبداً، لأنّ مستوى الفتن تزدادُ مع مرحلةٍ، فيُصبحُ العبدُ يرجو الخلاص من تناوبِها عليه بين الجمال والعطاء وبين الجلال والشّدات والمحن، فإن لم يُثّبته الله سبحانه يُفتنُ، إمّا بالعطاء والجمال والعلم والمقامات، أو يُفتنُ بالشدّة والهول والمحن والزلازل.

وعليه فالرّحلة هي طيُّ النّفس، فمن لم يطوِ نفسَه فهذا غير مأمونٍ، ولا يُنصحُ لهُ بالتصدّر ودعوى الإمامة، اللهمّ فقط إن كان وراءه شيخٌ يقومُ عليه ويوجّهه وخرجَ بإذنٍ صريحٍ منه، ويكونُ مستعدٌّ أن يقفَ بإذن هذا الشيخ لا يخرجُ عن الشيخ قيدَ أنملة، أو إن لم يكن هناك شيخٌ أن يكونَ هذا المتصدّر على فقرٍ مستمرٍّ وتواضعٍ حاضر لا يغيب ومستعدٍّ في كلّ وقتٍ لقبول النّصيحة وشهودِ التقصير في نفسه وعدم رؤية نفسه فوق النّصح وفوق الغيرِ، وإلاّ هلَكَ وأهلكَ غيرَهُ هذا المتصدّر. إنّها حقيقة عظيمة، وكم تصدّر من لم يطوِ نفسه ولم يجعل وراءه شيخاً يعودُ إليه، فأصبحَ من قطّاعَ الطّريق من حيث لا يدري، قاطع لطريقه حيثُ انشغلَ عن لبّ الطّريق وهو طيّ النّفس والوصول إلى حضرة القدس، فبقيتْ نفسُه حيَّةً وهو متصدِّرٌ مفتونٌ بمدح المادحين وملتفتٌ لتعظيم المعظّمين وهو يُلقي عليهم من النّفائس والعلم أو غيره، وقاطع لطريق غيره، لأنّ النّفس غير مأمونة، ولا يصبحُ النّصحُ عنده لغيره خالصاً وصادقاً، ويدخلُ عليه الحسدُ والعُجبُ وطلب الحظوظ، وتتراكمُ عليه الأدواء وتقوى نفسُه وتشتدُّ، فهذا قد صار من قطّاع الطريق، وقد كانَ سالكاً طاوياً كادَ أن يحقّق مراده، ففتنه شيطانه ونفسُه. لذلك أوصوا وشدّدوا أن يكونَ الشيوخ المربّون والمرشدون أهل كمالٍ وتكميلٍ قد طووا نفوسهم مطلقاً. وأوصوا أن يكونَ الظهور بثوب المحمديّة، وهو ثوب الوراثة والكمال والخروج من النّفس وعيوبها.

رغمَ أنّني أطلتُ ولكنّني لم أستوفِ ما أردتُهُ في حقيقة السّلوك، فإذا عرفتَ أنّ الإنسان بين حقيقة نفسية وحضرة قدسية، عرفتَ أنّ الشيطان وإبليس لهُ العلمُ بكلّ حضرات النّفس قبل كمالها وخروجها الى الإطلاق وتحقّقها بصفات الله تعالى، لأنّك ما دمتَ مقيّداً بكثافتك البشريّة وتركيبك العنصريّ ولم تخرج منه  خروجاً كاملاً، فأنتَ مرهونٌ بهذه الكثافة البشريّة وهذا التركيب العنصريّ فيك، وهو ذاتُه لمن علِمَ شيطانُك وقرينُك، لأنّ الكمال هو التحرّر من قيد الكثافة والعناصر، فافهم. فسيُقيمُ عليك قرينُك حرباً شاملةً يقودُها إبليس، لأنّك في طريقك للتحرّر من هذه الطبيعة العنصرية، فهي بطبيعتها تُدافعُ عن وجودها فيك، فهذا هو قرينُك وهو حربٌ الشيطان عليك وهو ركونُ نفسك لمقتضيات الطّبع، ولماّ كان الإنسان مخلوقاً على الصورة، فقد صارَ الخروج عن مقتضيات الطّبع والعنصر والكثافة هي الخروج عن الأكوان، وبالتّالي فكلّ ما في الأكوان سيتعرَّضُ لك وتُبتلى به، ليُنظَرَ في حقيقتك هل أنتَ صادقٌ في إرادتك الخروج من هذه الأكوان وهذه الطبائع العنصرية القائمة فيك ؟ وعليه فكلّ شيءٍ هو غيرُ وجه الله سبحانه، لأنّ الله ليس كمثله شيءٌ، ومنهُ تجلّت الأشياء، فقد صارَ طريقُ العبد إلى الأميّة التي هي الذاتية والتحرّر من كلّ شيءٍ والتعلّق به. ولهذا كان الجهادالأكبر هو جهادُ النّفس وأهوائها، لأنّ طيّ النّفس ومعرفتها هي طريقُ معرفة الله سبحانه. والتحقّق بالكمالات والصورة التي خلق الله عليها الإنسان. هناك إذا تحقّق وعرفَ نفسه وطواها يصبحُ الإنسان الكامل، محمّد زمانه. إذ الإنسان الكامل هو سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم. فلا أكملَ منهُ فاعلمِ. فقد جعله الله حقيقة الصّورة. صورة العبودية المثلى والكمال الأعلى. وعلى هذه المحمديّة الكاملة يخرجُ الإمام المهدي عليه السلام. ذلك أنّ الإمام المهدي هو الوليّ النبيّ الرّسول، فهو أحمد بالأصالة في مقام الولاية والأحمدية، وهو محمّد كذلك لحقيقة الأكوان. فكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خاتماً لمقام العبودية ومنه خاتماً للكمالات الإلهية الإنسانية، وكان المهديّ خاتماً لمقامِ العلمِ والذاتية والولاية وصاحبُ هذه الكمالات الإلهية والإنسانية بالأصالة والعين لذلك يخرجُ حاكماً بالعدلِ مقدّساً للأرضِ من دجّالها وشرّها، فيُعطي أثرَ الإسم الأعظم في تجلّيه الكونيّ.

يتبع ..

الخميس، 26 ديسمبر 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 59



سألني سائلٌ لم أفهم قولكم : حكم المهدي ذاتي أسمائي وحكم المسيح روح الله عليه السلام صفاتي. ولماذا لا يقتلُ المهدي الدجّال عليه خزي الله ولعنته.

فقلتُ أجيبُه هنا لتوضيح هذه المسألة توضيحا يدفعُ الإشكال ويفتحُ الأقفال.

إنّ المهدي هو الخليفة، ومقامه هو الذات الجامعة، هو الإنسانُ الكبير، هو الروح الأعظم، هو آدم الحقيقيّ وآدمُ الأوّل الذي خُلِقَ آدمُ على صورته.

هو النَّفسُ الأولى، قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءًا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]. الآية هنا معناها محمولٌ على آدم الذي خلق الله منه حواء وهي زوجه ثمّ بثّ منهما رجالا كثيرا ونساءا. ولكن للآية معنى إشاريّ بطونيّ علميّ آخر أشارَ إليه بعض العارفين بالله تعالى. ولأنّ للنّصوص المقدّسة وخصوصا كلام الله تعالى المعظّم، له ظاهر وباطن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل آية منها ظهر وبطن؛ ولكلٍّ حد ومطلع» [التمهيد لابن عبد البر] . وقال ((ما نزلت عليّ آية إلا ولها ظهر وبطن، ولكل حرف حدّ، ولكل حدّ مطلع)) رواه الطحاوي والبغوي وأويعلى وابن حبان وأبو عبيد وقال ابن عبد البر في التمهيد صحيح.

فلكلّ آية من كلام الله تعالى ظهر وبطن وحدّ ومطّلع، وقد قال العارف بالله الجيلي قدس الله سره إنّ للنّصّ سبعة بطون، تماماً كما هو البطون له سبع طبقات. كما هي سبع سماوات. وهي كلّها تقابل الإنسان من حيثية ما، والله أعلم.
وعليه فنقول أنّ بعض العارفين بالله قالوا أنّ النّفس الأولى هي آدم الحقيقيّ (أي الخليفة) وهو الذي أسجد الله بسببه الملائكة لآدم، بسرّ الخليفة، فهي النّفس الأولى الكاملة العالمة، والإنسان الأوّل الذي خلق آدم على صورته، العبد الذي خصّه اللهُ بنزول الكتاب قبل نزول القرآن على الخلفاء من أفراد بني آدم. وقوله {خلق منها زوجها}، أي خلق منه مقام الفرق وهو آدم الثاني أبو البشريّة في مقام فرقه، ثمّ علّمه الأسماء وردّه إلى مقام الجمع وتحقّق بالصّورة وأسجد له الملائكة. والسّجود إنّما وقع بنفخة الروح فيه، فهي السرّ في الإنسان مطلق الإنسان، والإنسان مخلوق على الصورة بنفخة الروح فيه وما أودع الله فيه من أسرار البطون والظهور. وإنّما كان مقام الجمع هو الرّوح المحمدية الجامعة المسمّاة أحمد، روح سيّدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم ومقام الفرق هي مقامات الناس المختلفة في فرقهم قبل بلوغهم مقام الجمع والكمال. ومن النّاس اصطفى الله الخلفاء وجعلَ فيهم القابلية والإستعداد الذاتيّ لقبول هذا الكمال والرّجوع إلى مقام الجمع، فمنهم الأنبياء اصطفاءً وعصمةً، ومنهم الأولياء اصطفاءً وحفظاً، وخصوصا أولياء الأمّة المحمدية الذين خُصُّوا بالخصوصية الأحمدية بفضل خصوصية نبيّهم الخاتم سيّد ولد آدم سيّدنا محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

وعليه فالنّفس الأولى تحقيقاً هي العقل الأوّل أو القلم الأعلى أو الرّوح الأعظم الذي هو روح سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلّم والذي هو عين الخليفة والختم.

هذا الإنسان الكبير والخليفة ما مثّل إلاّ إسم الله تعالى بسرّه، لأنّه عينُ الإسم الذي ظهرت به الكثرة. ولكنّ الكثرة في حضرة إسم الذات هي عين الوحدة والذات، إذ الكثرة لا تبرزُ إلاّ بحضرة الصفات والآثار والأكوان، والأسماء هي أسماءُ الله الحسنى فهي دالّة عليه وحده سبحانه لا شريك له، فلا تعدّد في الحقيقة، وإنّما التعدّد اعتباري، بدأ بدائرة الحدوث والأكوان.
ففي مقام الذات والإسم الأعظم الله ، تنمحي الأسماء ولا يبقى لها غيرية إلاّ باعتبار العلم المنطوي في إطلاقها وكنهها وغيبها المطلق. فمقام الذات هو مقام الأحدية ومقام العماء، وكنه الذات الجامعة لماهية الحقائق. عند ارتفاع الإضافات الثابتة والاعتبارات الحادثة لا يبقى إلاّ هو وحده لا شريك له في أحديّته وعمائه وكنه ذاته المتجرّد عن الإدراك، إذ الذات تجلّت منها سائر التجليّات والاعتبارات والإضافات والحوادث. فهذا هو سرّ المهدي، سِرّهُُ أحديٌّ، فهو المطهّر عن الأكوان كما وصفه بعض العارفين بالله، وهو كذلك فهو الحقيق بهذا الوصف بإطلاقه وسرّه الخالص، وبولايته الأصالية فيه. وهو العبدُ قبل نزول الكتاب، وهو الإمام المبين الذي أحصى الله فيه كلّ شيء. فلذلك كان خارج التصنيف والترتيب وكما قال الشيخ الأكبر قدّس سرّه "زال بختمه عن مرتبته". لأنَّهُ لا يُعبِّرُ إلاّ عن الأحدية، فإشهارُهُ وإشهارُ مرتبته ينقُضُ الحكمة التي قامت عليها الأكوان، والصورة التي اصطفى الله لها الإنسان.

أمّا النبيّ الأميّ صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه، فهو العبد الذي خصَّهُ اللهُ برتبة الكمال التامّ عند تجلّي الكثرة، فهو العبدُ الحجاب على الله تعالى، لمّا أرادَ الله تعالى أنْ يتنّفسَ من أحديّته وكنزيّته، كما نقولُ تنفَّس الصّبحُُ، واصطلاح التنفّس ذكره الشيخ الأكبر، وهو نفيس، لأنّ المصطلح ورد على لسان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بقوله : "إنّي لأجِدُ نفَس الرّحمن من قبل اليمن". فلمّا أراد الله تعالى أن يتنّفس من كنزيّته وعمائه ليوجدَ الخلق ويعرِفوه، أوجدَ نسبةً بينه وبين خلقه، هذه النّسبة هي إسمُ الرّحمن (هذا الوقوف هو نوع شرح وإلاّ فالأسماء والعلم قديم ولكنّ الحقائق العليا صفتُها أنّها اعتبارية حينما تنزلُ إلى عالم الحدوث فيعجزُ الحدوث أن يستوفي معانيها التي تعالت عن الزّمان والمكان والتبعيض، فافهم) فقلنا اسم الرحمن : إسمٌ جامعٌ للأسماء، به رحِمَ الله الأسماء من كنز العماء ومن أحديّة الذات، فظهرت آثارها في الأكوان، وصارَ إسمُ الرّحمن هو الإسم الذي به تنفّس اللهُ تعالى، فهو كالأمّ والرّحم لباقي الأسماء غير إسم الله تعالى، لأنّ إسم الله هو الإسم الأوّل الدّال على الذات الجامع المحيط، ((
ولاحظ في اسم الرحمن لفظة الرحم، وهو الرّحم : ن، كما في لفظة القرآن لفظة قرأ : ن)) وكان إسم الرّحمن هو الواسطة لإسم الله تعالى والحجاب دونه، به ظهرتِ الأكوان والحوادث والخلائق، وخصوصية إسم الرّحمن هو في كونه إسم ذاتيّ فهو المدخل على إسم الله تعالى وواسطة التعريف به، وصفاتيّ لأنّه نقطة بداية تجلّي حضرة الصّفات والأكوان ونقطة بداية الزمان والمكان، ونقطة القسمة والفيض على الحوادث. وهذا الذي نذكرُهُ هنا من أنفس العلم والتحرير إن شاء الله تعالى في حقيقة الخليفة الختم وحقيقة النبيّ الخاتم عليه الصلاة والسلام. ولذلك خصّ النبيّ الخاتم صلّى الله عليه وسلّم بنزول القرآن، الذي يعني التحقّق بالذاتية والسذاجة الذاتية لقراءة كتاب الوجود المتجلّي من الواحد الأحد المعبود. ولهذا قال أهلُ العلم بالله أنّ القرآن أحدية وذاتٌ محضٌ، لأنّك به تقرأُ كلّ ما يتجلّى الله به من عمائه، ويُصبحُ العبدُ بنزول القرآن عليه فرداً وليّاً، متحقّقاً بالولاية كاملةً، وراجعاً للنّفس الأولى. وكلّهم أي هؤلاء الأفراد المطّهرون القرآنيون ورثة للمطهّر القرآنيّ الأوّل الذي خصّه الله بالأصالة بهذه العبدية والواسطة والرّحمانية المبعوث رحمة للعالمين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فهو الكاملُ الأكملُ في الخلق والمكمِّلُ لهم تحقيقاً. فخُصَّ بالأصالة بكونه خليفة إسم الرّحمن الذي تنفّسَتْ به الذات بتجليّاتها. فهذا هو خليفة إسم الرحمن والنبيّ بالأصالة في أمّ الكتاب، وهذا هو معنى الإنباء والنبوّة، أنّ إسم الرّحمن اختصّ بإنباء حقائق التوحيد والواسطة إليها عند جميع الخلائق والحوادث التي رحمت به، في نقطة البداية إذ نقطة البداية كما سبق أن قلنا هي الرّحمة، فالرّحمة هي السابقة لكلّ شيءٍ. فالنبيّ هو خليفة إسم الرّحمن، والمهدي الوليّ خليفة إسم الله تعالى، صاحب السرّ المكتوم الوليّ بالأصالة.

فهذا هو مقام النّفس الأولى، فهو بالنّسبة للمخلوق رجوعٌ للإسم الواسطة الذي ظهرتْ به الكثرةُ (اسم الرحمن)، فهو إسم ذاتيّ له وجهٌ إلى الذات (إلى إسم الله تعالى). رجوعٌ إلى النّفس الأولى. وهو إسمٌ صفاتيّ من كونِ المخلوق حقيقتهُ صفاتية حتّى لو بلغَ مُنتهى الكمال والتطهير عن الأكوان وتحقّق بالصفّات الإلهية ورجع إلى البقاء بالله تعالى، فهو باقٍ بالله تعالى وهو مهما استغنى فغناهُ بالله تعالى، بخلاف صاحب النّفس الأولى والخليفة صاحب السرّ الأحديّ، فهو ذاتيّ بالأصالة، فرجُوعهُ إلى إسم الله بالذات والخلوص، بل ما خرجَ عنهُ أي ما خرج عن إسم الله أصلاً حتّى قبل كماله وتحقّقه بالصّفات الكمالية في عالم الصّفات، لأنّه وليٌّ بالأصالة وجامعٌ للأضداد، فمولدهُ بمكّة العماء وولايته أصلٌ. فهو الوليُّ صاحبُ المرتبة التي إليها يرجعُ الجميعُ أنبياءً وأولياءً، لذلك فهو الختمُ الخليفة. فلا يظهرُ إلاّ في آخر الزمان ليُعيد الأرضَ إلى قدسيّتها ويختمَ خزانة الوجود الإنسانيّ والجود الإلهيّ الذي كان قائماً به أصلاً. فهو الظاهرُ بالأعيانِ والممكنات والكائنات، هو عينُ الأوّل الآخر الباطن الظاهر.

فيتقلَّبُ في الأضداد، لأنّهُ يُمثِّلُ حضرة العماء، والكنه الجامع لماهية الحقائق، فهو يتلوَّنُ بتلك الحقائق، يراهُ الآخرون على الظاهر المتلوّن والمتقلّب ويحسبونه على شاكلتهم وشاكلة الآخرين، ولكنّه متفرِّدٌ في عمائه وغربته وأحديته وجذبه، يتقلَّبُ في الأضداد، ويرتقي علماً ونوراً وسلوكاً وإسراءً إلى الله تعالى
والمخلوقات لا يشعرون به، ولا يدرون عن سرّه، ولا يخطرُ ببالهم هذا العلم الغريب العالي العجيب، وهذه المرتبة لعنقاء مغرب الأسطورية في وجودها، موجودةٌ إسماً معدومةٌ عيناً، فلا يخطرُ ببالهم ذلك أبداً. فهذا علمٌ يعلمُه العارفون بالله تعالى، بقيَ مكتوماً عن غيرِ أهله لا يعلمه سوى الأمناء في الأزمنة السابقة. ولكنَّهُ في آخر الزمان يبدو بعضُهُ بحكم ظهور أو قرب ظهور صاحبه. وطبيعة آخر الزمان العلمية الإفشائية.

فكان تحقُّقُ المهدي في عمائه وجذبه، لامسَ عالم الأسماء فقط، بحكم أنّ إسم الذات (الله) متعلّق بالأسماء لا الصّفات في عالم العماء فالأسماء متضمّنة في الذات بُطوناً، إذ هي عينُها في ذلك المستوى كما سبق أن ذكرنا، ولامسَ تحقُّقُ المهدي عالمَ الأسماء كذلك بحكم أنّ الإسم له وجهين ، وجه للذات فهو الذات بذاتها وأحديّتها، ووجهٌ آخر للأكوان وآثاره فيها وهناك بهذا الوجه الثاني يتميّز الإسمُ بكونِه إسماً مختلفاً عن باقي الأسماء وله خصوصيته الخاصّة به.

فكان حكمُ المهديّ الخليفة عند بيعته يعكِسُ خلافة جذبه ورحلة إسرائه، ويعكِسُ مقامه ورتبته الذاتية المتعلّقة بالأسماء،  أي أنّ الحُكم العمائيّ الوِلائيّ "ذات أسماء"، كما كان يتقلَّبُ أثناء جذبه في الأسماء والأضداد. وكما هو الإسم الأعظم "الله" إسمٌ جامع للأسماء خارج الصّفات.  ولمّا كان المجذوبُ لا يكمُلُ ولا يدخلُ دائرة التقديس والصّمدية إلاّ بالتحامه بالرّوح، التي هي روحه، وهو روحُ القدُس هناك  يُقالُ لهُ
:   {ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}. التكوير/20-21.
فقد صارَتِ خلافة المهديّ أوّلاً ذاتية عمائية وهو في جذبه وإسرائه وكانت هناك رحلة جهاده، وعدله الذي أعطى الحقائق الأسمائية حقّها بسذاجته الذاتية وتقلّبه فيها، إذ هو ذلك التقلُّبُ هو عينه الدّال على هذه الذات التي جمعت ماهية الحقائق والأضداد بالفعل والسجيّة والسذاجة ومن غير تكلّف أو قوّة في هذا العبد، خلاف غيره الذي ما ظهرتْ حقائقهم في الأرض والسماء إلاّ بالقوّة والتحقّق وتحقيق شرائط الولاية، وفي هذا العبد ظهر ذلك عليه بالفعل التلقائي وبالسذاجة فدلّ على مرتبته وحقيقته السّاذجة ولطيفته الذاتية التي قامت فيه. فكان الختم المعظّم والإمام المقدّم على الجماعة. فافهم هذا الكلام المحقّق النّفيس.

فقلنا كانت خلافته ذاتية أسمائية أعطت العدل التامّ الكامل، ثمّ لمّا نزل الرّوح على قلبه والتحمَ به، وهو عينُ الرّوح وإنّما لمّا خرج من التركيب العنصريّ وتأثير الكثافة البشريّة والطباع العنصرية فيه، صار إلى مقامه الأعلى، فتسوّدَ ذلك الهيكل الإنسانيّ على غيره ممن تقدّم أو تأخّر من أشكاله، لأنّه صاحبُ الرّوح بالأصالة والقائم بأمر الله، وأمرُ الله هو الرّوح الأعظم، فلمّا تحقّق الجسدُ، واستوى ماتَ دجَّالُ الكثافة البشرية الذي هو السّامريّ، وإنّما مات بخروج المهدي عن طبائعه العنصرية والتحامه بروحه، فانعكس ختامُ مسيرة المهدي بنزول النبيّ المؤيّد بروح القدس المسمّى روح الله المسيح ابن مريم عليهما السلام، فقتل المسيح ابن مريم الدجال، الدجال البشريّ، وإنّما قتله المهديّ بتحقّقه والتحامه بالرّوح، روح القدس بالأصالة قبل ذلك، فافهم. فتعلَّقَ حُكمُ المهديّ بالأسماء والرّوح، وختاماً نزل المسيح على الأرض، لأنّ تحقّق المهدي والتحامه بالرّوح في الحقيقة أعطى المرتبة لصاحبها، والإنسانُ أعلى درجةً ورتبة من الرّوح كما سبق أن ذكرنا، لأنّ الإنسان له الرّتبة الآخرية في الظهور والكثافة، فكانت له الرّتبة الأولية في السرّ، لذلك تفهمُ اختراق الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلّم سدرة المنتهى ووقف الروح الأمين هناك، لأنّ مقام العروج هو العروج لسرّ الرّوح، فكان الإنسانُ هو صاحبُ رتبة السرّ، له الأولية لأنّه له الآخرية، وتوسّط الرّوح والملائكة بين الأولية والآخرية، فافهم هذا الذي نقولُه.
 فلمّا نزل الرّوحُ على المهدي، الذي هو روحه بالأصالة، بَطُنَ المهديّ لأنّ له مرتبة البطون والإمامة العليا، وأخذ الإنسان الرّتبة والسيادة العليا، وعادتِ الأمورُ إلى نقطة بدايتها، أي انعكسَ ذلك في خلافة الظاهر لمّا نزل المسيح ابن مريم ، انعكس ببطون المهديّ وظهور المؤيّد بروح القدس نبوّة وصفاتٍ، فصارَ القائدُ للعرش هو المؤيّد بروح القدس النبيّ عيسى عليه السلام، وصار الإمامُ الأعلى الباطن هو صاحبُ العرش بذاته أي المهديّ، فافهم هذا التحقيق الخافي الصَّعبُ فهمه، الشاهد أنّ المهدي هو صاحب الرتبة الشريفة الأوّل بسرّه الآخر بظهوره وعرشه، ولذلك صلّى المسيح عليه السلام خلف المهديّ إعلاناً لهذه الحقيقة أنّ البطون والأوليّة والإمامة هي لصاحب الرّوح أصالةً، وأنّ روح الله عيسى عليه السلام هو المؤيّدُ بروح القدس صفاتٍ ونبوّة فقط. وهناك قتلَ روحُ الله الدجالَ الذي هو من عالم الصّفات. فهذه حقائق.

يتبع ..