السبت، 30 مايو 2015

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 73

30/05/2015


 
أشتاقُ إلى ومضِ المعارف العاليات التي كانت تترى على سطوري، عالَمٌ من التنظيرِ العالي، يُدهِش، وكثيراً من العبادِ يفجؤُهُم ويجعلُهُمْ بين التصديق والإنكارِ، أحقيقةٌ ما يخطّهُ هذا الجريءُ الجاسِرُ على سورِ المعاني والأسرار ؟!
وإي الله هي الحقيقةُ أضاءتْ في زمَنٍ الثابتُ فيه مع زمرة الحقّ والنّور سابقٌ من السابقين على قدَمِ صحبِ المختار. صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه.
إنّهُ زمَنُ ظهورِ الألِف روحُ الأرواح، وقبلة الأشباحِ، إنّهُ زمَنُ ظهورِ المكتومِ الخافي خلفَ أسرارِ العلومِ والألواح، إنّهُ زمَنُ ظهورِ معدنِ السرّ الأعلى وحقيقة الحقائق، صاحبِ الصورة وخليفة مالك الملك، الخليفة الأصليّ المالك الذاتيّ، الرّوح. الذي ظهرَ في سائرِ الأشباحِ بوجهه الذاتيّ. وأعطى حقيقة جميع المراتب. فلهُ مرتبةُ الرّحمانية بالأصالة فهو حقيقتُها، ونسبَها لأفضل خلقه وصفوتهم، فشقَّ من ألِفِه من بطنِ ألفه نقطةً وجعلها قلباً جامعاً لشهوده، قارِئاً لحقائقِ وجودِه. فانبثقَتِ الباءُ ( ب) ألفٌ ممدّد تحته نقطة الشهود والسرّ، فمنها بدأتْ دورة الخلق، ودورة الوجود، ودورة انفلاقِ الأنوار والأسرارِ من كنز هوية الألف، من أمّ الكتاب. فما من موجودٍ أو مشهودٍ إلاّ وظاهرٌ بنورِ الباءِ. وقائمٌ بشهودِ الباءِ في عالمِ الكونِ والأكوانِ.
فهي الفاتح الخاتم، الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق، هي النّور الذاتي، ألفٌ ونقطة هوية وسرّ. هي أفضل الحروف المخلوقة، إن كان الألفُ قد تنزّه عن الخلقية كونُه عينُ مدد الحبر ومدد المعنى الذي منه ظهرت الحروف والكلمات والموجودات. إنّما ظهرَ حرفاً لينوبَ عن الحبر والنقطة في تنزيهها وأحديتها، فتخضعَ لهُ وبأمرِه الأكوانُ والحروف والموجودات. ولا بدّ لهذا الإطلاق وهذا الحبر الغير المنتهي وهذه النّقطة المصمتة في كنزيّتها وعذريّتها، أن يتجلّى في خليفة هو عينُ الإطلاق. ولمّا كان الإنسانُ هو المخلوق على الصورة، فقد ظهر مخلوقاً على صورة الخليفة. أو سبق القدرُ أن يكونَ الخليفةُ من عينِ جنس هذا المخلوق ظهوراً وحرفية، وهو في السرّ متعالٍ عن ذلك، متعالٍ حتى عن جنس الإنسان، من أفراد ولد آدم عليهم السلام، لأنّهُ ما مثّلَ سوى الحرف الأوّل المنزّهُ عن الخلقية حرف الألف، بينما سائرُ الأفرادِ دخلوا في خلافة الألف عبر الباء، فبالباءِ صحّ لهم الدّخول، فهم على قدمِ الباءِ الذي هو باءٌ والف في ذاتِ الوقت. إلاّ هذا الخليفة ولِدَ ألِفاً، ولكن بحُكمِ وجوده الابتدائي تحتَ حكم العنصر والأكوان والسّفل المقدّر في عالم الأكوان، ما مثّل حين ذاك إلاّ الألِفَ بمعانيه ودلالاته بين العلوّ والسّفلِ كما هو التمايز الواقع في عالم الأكوان، أرسلَهُ الله في آخر الزمان بعد ما استولى رسول العنصر والتراب والمادة والسّفل على معاني الحروف، فدجّلها وطمَسَ مراميها العالية ومعانيها السامية، وجعلَ من دلالاتِ الحروف والكلماتِ في عالمِ السّطورِ سفليةً ومدجّلةً ومنكّسةً، ففصمها عن إطلاقها وعن روحِها، وعن مددها الذي لا ينتهي من بحرِ هويّتها وكنزيّتها، وعانى في جملة ذلك كلّ حرّ شريفٍ يرومُ معنى جميل، ومدداً أصيلاً، فضاقتِ في عالم السطور والحروف والأكوان حقائقُ المعاني.
وفي الحقيقةِ ما ثمّةَ إلاّ هذا الألِف، بظهورِه العنصريّ والمتضاد، قامَ فيه صراعُ وجودِهِ الكثيفِ المنسوب إلى معاني السّفل والمادة، ووجوده اللّطيف المنسوب إلى عالم العلوّ والروح والإطلاق. وتجسّدَ العالَمُ كلُّهُ ألِفاً، فالحروف والسطور كلّها أصلُها وليست سوى ألفٍ، فهو حقيقتُها، انعكس العالَمُ من وجودِه وهذا الصراع القائمِ فيه، قبلَ أن يصحوَ من سكرٍ كان فيه، فوجدَ دجّالَ عنصره ومادته وسفله قد دجّل المعاني وشيطانه قد قطع الطريق وأعدّ كل الوسائلَ الممكنة لقطع الطريق على الروح فيه، والعودة إلى اصله وإطلاقه، لتعود المياهُ إلى مجاريها ويزول التدجيلُ والتسفيلُ في هذا العالَم.

هناك قامت حربُ الحروب، وجهدُ البلاءْ على هذا الخليفة قبل أن يتّصل بإطلاقِه وينفلِتَ من عنصره وترابه، فتضادّ فيه المعنيين السّفلُ والعلوّ، والمادة والروح، والكثافة واللّطافة، والحسّ والمعنى. وهو في أصله كلّ ذلك ومنطوٍ فيه ذلك، فالكثافة عرَضٌ فيه، واللّطافة هو اللّطيفُ القديمُ، هو الألِفُ والألِفُ لا يُعطي إلاّ معنى تجلّي الإطلاق في الحروف ومعانيها ودلالاتها، لأنّه وراء باءِ التجلّي، لأنّ الباء هي مدخلُ الألِف، والدالة عليه.
فالخلاصة هذا الوليّ المتفرّد مقامُه في الألف لم يخرج منه، ودلّ في عنصره ومادته على أصلية المعنى، الذي نبعت منه الأضداد، على الألف الذي ظهرَ بالمعاني والسفل والعلوّ وجميع التجليّات في الأكوان والحروف والسطور. ودلّ على حقيقة الصّراع في هذا المخلوق الإنسانيّ، وأعطى صورة الحقائق على واقعها كأنصعِ ما يكونُ، وبدتْ هناك حضراتٌ من السفلية ما ظهرتْ قبله وكذا بدتْ هناك حضراتٌ علوية ما ظهرت قبله، وارتفعَ كعبُ الفهم عن الله ارتفاعاً فاق جميع العصور، ووضحتْ الحقائقُ لمتلمّسٍ كما لم تتوضّح من قبلُ لكثيرٍ من الخواص وخواص الخواص الذين كانوا موجودين. فهو زمانٌ عجيبٌ، زمانٌ غريبٌ. الغربةُ فيه عظيمة، والمعاني فيه عظيمة، والصراع فيه عظيم كبيرٌ بين السّفل في أجلى صوره وأجناده وأمداده، والعلوّ المكنونِ في سرّ هذا الوليّ الذي هو أصلُ كلّ شيءٍ، فلهذا انتُخِبَ لآخر الزمان ليخرج بالحروف والسطور بعد ذاك التدجيل الكبير، والتسفيل العظيم والشيطنة الكبرى إلى إطلاقها وحقيقتها. فإذا تحقّق وخرج عن مادته وعنصره، خرجت تلك الحروف والكلمات لا محالة معه، فهو حقيقتُها وهو عرشها الكليّ، وإليه مرجعها وحقيقتها. فزالَ الدجال والشيطان والسفل والشرّ إطلاقاً، وقام الحقّ في العالم وتقدّس.

وجميع حقائق آخر الزمان ترجِعُ لحقيقة هذا الوليّ الألف، كظهور الشمس من مغربها، فهو عين الشمس المغربية القائمة بنفسها فهو الروح المعظم، وانغلاق باب التوبة، لأنّ الألِف قد أشرق على الألِف، ألف مطلق أشرق على ألفٍ محدود في عالم المادة والكثافة، فلا يغفرِ لنفسه وذاته، بل إمّا يرفَعُ ما كان موجوداً ويقبله وهو ما انتمى للعلوّ والإطلاقِ ولاءً وانتماءً، أو يقهرُ ويبيدُ ما انتمى لضدّ العلوّ والإطلاق والأصلِ. وبهذا ينتفي التدجيل ويُبَادُ الظالمون إبادةً، وآخرهم الدجّال. تلك هي الحقائق.

فهذا الوليّ هو الخاتمُ وهو الوليّ وهو المالك والخليفة، خليفة الإطلاق، بل هو عينُ الإطلاق تجلّى في مظهر ذاتيّ. فلذلك فهو أوّل حرف، وهو الظاهرُ بجميع المراتب التي تمظهرَ بها الكونُ، وتجلّت بها الحروف والكلماتُ.


الأربعاء، 8 أبريل 2015

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 72

أضيف 07/10/2015
  زماننا يطلبُ العُمق والحقيقة في المفاهيم ..

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ آخر الزّمان، وأقصِدُ زماننا هذا الذي تحوّلت أحواله واستغربتْ وجعلت الحليم حيران، والعاقل دهشان، والطيّب غلبان، وقلبت مفاهيمه وعناوينه، وتزيّنت فيه الدّنيا وتقوّت فيه الشهوات والمادة. هذا الزّمان إنّما هو كذلك لأنّه صورةٌ مختلفة نوعاً ما عمّا سبق من الأزمان والأعصار.

فهو صورة الحقائق وظهور آثارها في الواقع والدنيا، لذلك تستعجِمُ فيه الكثيرُ من المفاهيم السّابقة لا استعجاماً بمعنى عدم الصلاحية، ولكن استعجاماً يذهبُ إلى استنزال بطونها وحقيقتها لكي تُفهمَ على وجهها الصّحيح. فالظاهرُ فيها لم يعُدْ يشفعُ، وربّما حتّى لم يعُدْ ينفع. كثيرٌ من المفاهيم والمعاني التي كان القدامى يستندون إليها، اليوم صارَ لها وجهٌ مختلِفٌ، منكورٌ من جهةِ أنّها غير شافعة ونافعة كما كانت، ومطمورٌ يَطلُبُ أن يُكشفَ عن حقيقته وجوهره الذي كان يغذّي جميع ما سبق من مفاهيم تناوبَتْ عليه ظاهرةً وباطنة، إذ البُطونُ اليوم صار ذاهباً إلى أقصاها كما هو الظهورُ اليوم ذاهبٌ إلى أقصاه في عالم الحقائق والتجليّات. ولذلك اختلف الزّمان اختلافا عظيماً، زلزلَ تجلّي بطونُه وحقائقُه أرضَ الظواهر وما تراكمَ على عوالم الخلق والنّاس يحسبونه ثابتاً، أو عقيدةً نهائية، وظهرتْ من هذه الزلازل الشديدة والبراكين الثائرة من حمم البطون مفاهيمٌ جديدة، وعقائدٌ كانت باطنة، استنادُها على ذات الأسس التي كانت قائمة، ولكنّ الرّبط بين تلك الأسس وهذه التي بدأت في التجلّي هو الذي استجدّ فأفغرَ الأفواه والعقول دهشةً وحيرةً، وهوّمَ القلوب في متاهاتِ الاستعجام.

ومن حقائق هذا الزّمان، أنّ التصرّف ارتفعَ عن جميع دوائره الصّغرى التي كانت سابقاً تتداولُه، ولم يبقَ إلاّ تصرّف صاحبه الأصليّ، القطبُ الذاتيّ. لأنّه زمانٌ من بين ما فيه وقوع الظلم العظيم، كذا قال بعض العارفين بالله، فرحمة بالخلق لم يترك لهم الله أن يتصرّفوا فيظلموا ويتحمّلوا ما يقعُ فيه، ... وهو إن بدا ظلماً في عالم الأسباب، فهو في عالم الحقائق عدلُ تجلّي جميع الحضرات التي يستوجبُها تجلّي أسماء الله سبحانه وصفاته العلى التي لم تُغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلاّ دخل تحتَ حيطتها، فله سبحانه ملكوت السموات والأرض وملكوت كلّ شيءٍ ولا شيء يخرجُ عن ملكه وملكوته فافهم. لذلك لم يبقَ التصرّفُ إلاّ لصاحب الحقيقة المتجلّي بالخلافة بالأرض. الخليفة الذاتيّ. خليفة الله سبحانه.

ولذلك فإنّ ظهور الخلافة الإلهية لا يقعُ إلاّ بقيامِ الساعة، لأنّها عينُ ظهور شمس المغرب التي تجري بنفسها في عرش الخليفة. فتُعطي إذا ذاك عدل جميع الحضرات، حضرة شمس المغرب التي هي الخلافة الإلهية وتجلّي العزّة فيها للحقّ، عدلاً مُحاطاً ظاهراً يشملُ الأرض، فتمتلئ الأرضُ قسطا وعدلا كما كانت قبل ذلك قد امتلأت ظلماً وجوراً. وتتجلّى فيها حضرة الإسلام مشرقةً من جهةٍ واحدة على الخلق والنّاس. فتجمعُ المؤمن الصّادق والمستدرج المغبون ومنه المنافق.

ثمّ حضرة الدجّال التي تلي حضرة شمس المغرب، ولذلك تليها فهي حضرة تمايز حضرة المؤمن الصادق والمستدرج المغبون والمنافق، فيها تُفتنُ القلوبُ فتناُ كبرى وتتزلزلُ زلزالاً شديداً، لتتمايز الدوائر الإيمانية ويظهرُ فضلُ تفاوتِ الإيمان فيها وعمقه في صحراء الدّجل وليل الظلمة المخيّم على الأرض. وهي حضرة النّفس التي تأتمِرُ بالهوى وتستعلي أناها حاكمةً على الجوارح فلا تُغذّي النّفسَ إلاّ بما هو معاكِسٌ لضدّ الرّوح الذي هو أصلُ الإنسان ومصدرُه ومرجعه الأصيل والصّحيح. ولذلك تنطمِسُ بها كلّ المعاني الفاضلة التي تتجّه إلى الرّوح والفطرة والجمال الخلُقي. ولا تعلو فيها سوى ما كان منتمياً للمادة والهوى والظلمة.

ثمّ يلي ذلك حضرة روح القدس ويمثّلُها نزول روح الله المسيح بن مريم عليهما السلام، الذي يقتلُ دجّال الأرض، كما يتقدّسُ الخليفة المجذوب بلقاء الرّوح والرّجوع إلى حكمها. وهي حضرة تقديس يعمُّ فيها الخير والسلام المطلق والإيمان الثابت الكامل. وهي حضرة تجلّي الإسم الأعظم على الأرض. وهو الذي لم يتجلَّ منذ بداية الخلافة الإنسانية وعهد آدم عليه السلام. فلا يتجلّى إلاّ بهذا الخليفة الذاتي حامله وصاحبه بالأصالة.

والله يقولُ الحقّ وهو يهدي إلى سواء السبيل.

الجمعة، 27 مارس 2015

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 71

أضيف 07/10/2015



 
لبسم الله ..

إنّ الحقائق عاليات، عصيّةٌ على الإدراك، الكتمُ فيها واجبٌ لأربابِ الذّوق والتحقيق، واجبٌ يفرضُهُ ذوقُهم وعلمهم بها فضلاً عن الحظر والمنع الوارد في إفشائها، لأنّ معرفتها بلا أنوارها وعظمتها المنطوية فيها لا يلقيها إلاّ كاسفةً، وربّما ضرّتْ أكثر من نفعِها. وأنوارُها لا تُدرَكُ إلاّ بالبصائر والقلوب، وإدراكُها يطلبُ مدارِجاً يتحقّقُ بها القلبُ، وبين تلك المدارج القلبية والمعارف العقلية المجرّدة بونٌ شاسعٌ عظيمٌ.
قد لا تصحُّ معرفتها العقلية أصلاً إلاّ لقلّة حصلَ لهم جذبٌ أو سريانٌ بالرّوح، فعقلوا معرفة مجرّدةً قبلَ التئام أرواحهم بأجسادهم ونفوسهم .. ومنهم غالباً تصدُرُ المعارفُ العالية التي قد تُثيرُ الجدل، أو لا تُقبلُ حتّى عند المؤمنين وحتى عند المنتسبين لسلك هذا الطريق. لأنّ المعارف مستويات وقابليات، والحقائق عاليات.

مع ذلك فلا يعني أنّ المعارف لم تأتِ عن طريق المحقّقين، كلاّ .. فبريدُ المحقّقين هو واردُ هؤلاء المفصحين، لأنّ الذين خاضوا وأفصحوا ربّما في تلك المعارف بشيءٍ من الجرأة، ما حصل لهم إلاّ المعرفة العقلية المجرّدة كما سبقَ أن ذكرنا، وذلك لا يعطيهم الاستشراف على وجه اليقين إلاّ بقائدٍ ودليلٍ واضحٍ أو مرموز، يقضي استشرافهم الرّوحيّ بفهم المرموز، ويقعُ على قلبهم كما قاله المحقّقون. ومن هنا تحصلُ أغلبُ معارفهم على وجه اليقين والإدراك العلمي العقليّ.

لأنّ المحقّق علمُه بالله تعالى سبحانه، فنى في الله وهو باقٍ به، فلا ينطِقُ من خانة الظنّ ولا التوهيم. بل كلامُه محقّق خالص. ولذلك سمّوا المحقّقين. أي محقّقين في كلّ شيءٍ متحقّقين، علما وذوقاً وسلوكاً .. الخ.

وجميعُ الحقائق مذكورة، سواء في القرآن الكريم أو في السنّة المطهّرة، أو في كلامِ السّادة المحقّقين كما ذكرنا، ولكنّ التحقيق لا تنزِلُ به الحقائق إلاّ مغلّفةً جامعةً، تجمعُ فيها المستويات المختلفة، خصوصاً الكلام المقدّس القرآن والسنّة ، فالقرآن جامعٌ أحصى الله فيه كلّ شيءٍ، بإطلاق ولا تناهي، والسنّة فصاحبها هو الذي أوتي جوامع الكلِم. ولذلك فالعباراتُ المحقّقة تأتي دائماً منوّرةً جامعةً، حكيمةً عليمةً، يقرأها الجميع ويتذوّقُها الجميع، ولكلّ واحد قوتُه منها وعلمه منها وفهمه منها. وتبقى فيها أسرارها المدركة والغير المدركة. والقرآن الكريم قال عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : "يأتي القرآن يوم القيامة بكراً". بكر أي كأنّه لم يُلْمَس ولم تغرَفْ معانيه إطلاقاً، لمدى إطلاقه الذي لا يُحدّ ولا ينتهي ولا يحاطُ به، تعالى الله سبحانه أن يُحاط بكلامه، وصفاته، وتجليّاته.

وعليه فالخلاصة أنّ جميع الحقائق مذكورة، وأقصِدُ الحقائق العالية العامّة والمجملة لا التفصيل. فحينما يقولُ سيّدنا علي بن أبي طالب باب مدينة العلم عليه السلام ((إعلم أنّ جميع أسرار الكتب السماوية في القرآن، وجميع ما في القرآن في الفاتحة، وجميع ما في الفاتحة في البسملة، وجميع ما في البسملة في باء البسملة، وجميع ما في باء البسملة في النقطة التي تحت الباء، قال الإمام علي كرّم اللّه وجهه: أنا النقطة التي تحت الباء.)). اه.

فذلك أنّ النّقطة هي نقطة الذات والهوية، التي جمعت فيها كلّ العلوم وخرجت منها كلّ العلوم والتجليّات. كما نقطة الحبر والمداد، فكلّ ما يُسطرُ هو راجعُ للنقطة في التحقيق والتدقيق. وسمّي علياً لا صدفةً، ولكن لهذا المعنى أن يكونَ باباً لمدينة العلم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. أي يمرّ جميع المشايخ والطرائق عبر باب مدينة العلم ثمّ مدينة العلم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو حجاب الله تعالى ووسيلته.

بيدَ أنّ في معنى قوله عليه السلام وأنا نقطة الباء، أي أنّه تحقّق بالباء وتحقّق بالألف. فإن كان النقطة فهو بالأحرى الألف والباء وغيرها من الحروف.

وذلك يعني أنّه خليفة وقته، وهكذا كلّ وراث لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فهو خليفة.

أي بمعنى آخر أنّ عالم التجلّي اقتضى ظهور الحروف وكلّ حرفٍ له دلالة في عالم الحقائق، فالألف هو الخليفة والباء هو الرسول والواسطة، هكذا .. وعليه فرسول الله صلى الله عليه وسلّم هو الباء بالأصالة، وهو الألفُ بالتحقّق وهو النّقطة التي هي سرّ الألف، فافهم. فالإمام علي هو النقطة وهو باب مدينة العلم، فبالأحرى والأولى أن يكون مدينة العلم صلى الله عليه وسلّم هو النقطة وما حوته من علوم وتجليّاتٍ.

والرّسول صلّى الله عليه وسلّم هو النّقطة لأنّه صاحبُ القلبِ القارئ للعلوم المنزلة، والقراءة لا تقعُ إلاّ بالنّقطة التي هي رمز الذات الساذج، وسرّ الذات، أو سرّ الألف، وإليها يعودُ كلّ شيءِ، وجميع التجليّات والعلوم. فمن النقطة برزت الحروف والكلمات جميعها.

فهنا توضيحٌ للحقائق العاليات، ومعى الخلافة، فالألف كمظهر أصاليّ ذاتيّ هو الألف وهو الخليفة، وهو خاتم الأولياء عليه السلام. بالمظهر الأصاليّ كألف أصيل لا بالنيابة. ولكنّ جميع الخلفاء المحقّقين هم بالنّيابة ألف، وقد تحقّقوا بالنّقطة. أي بعد الفناء صاروا ألفا وخليفة، فهم خلفاء يعودُ لهم جميع ما في الوجود وما في الكتاب.

إنّما وقعَ الفرقُ والتفريقُ، في الأرض، أرض التجلّي وأرض الكلمات والحروف والسّطور، هناك تميّز الخليفة بذاته الذي هو الخليفة وجميع الذين نابوا عنه، هم نوّابٌ عنه، فالمملكة مملكته، والحروف ترجِعُ إليه فهو ألفُها مادة سطورها ورسمها وتجلّيها.

بيدَ أنّهُ في الحقائق ما ثمّة سوى النّقطة والألف خليفتها، فكلّ متحقّق قد فنى عن مظهره الشخصيّ فهو بروحه وحقيقته ألف، ونقطة جمعتْ فيها أن تكونَ ألفاً وباءً وغير ذلك، فمن صارَ ألِفاً، فقد جمع جميع ما تجلّى لأنّه تحقّق بمادة الحبر.

والألِفُ هو الخليفة خليفة النّقطة النّقطة المتعالية عن الإدراك والتنزيه والتشبيه، فهي في عليائها غير مدركة الكنه وفيها انطوى كلّ شيءٍ.


************************** 


وعن الباء التي جمعت كلّ شيءٍ فيها كما جاء في الأثر، فرسمُ الباء هو ألف ممدّد ( ا ) وتحته نقطة (ب). الباء هو الحرف الثاني في الترتيب، لأنّ الأوّل هو الألف.
الباء يرمز إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولذلك جمع فيه كلّ أسرار القرآن والوجود، وهو باء الواسطة، ورسمُهُ فيه هذا المعنى، معنى الواسطة والحجاب على الحرف الأوّل القديم الألف الذي هو مادّة الحبر وعلم النّقطة المكتنز فيها في حضرة القدم، أي حرف الألف القديم الذي هو الخليفة، فهو خليفة النّقطة في الظهور إلى أرض السّطور، ولكنّه ذاتُ النّقطة المكتنزة في غياهبها المتعالية عن التنزيه والتشبيه، إنّما ظهرَ حرفاً لأنّ مدد النقطة وعلمها وتجلياتها وصفاتها وبحرها المكتنز فيها لا يظهرُ إلاّ بالألف، ولا يتجلّى إلاّ بالألف. فهو النقطة امتدت بُعدا وأبعاداً، ففي حضرة القدم وأمّ الكتاب وفي دواة الحبر هو الألف الذي لم تتميّز حروفه وكلماته عن بعضها ولم تتميّز معانيها عن بعضها البعض، وإن كانت هناك مودعةً في غيب النّقطة وبحرها. فما تميّز هناك العلوّ والسّفل في بحر النّقطة وفي أبعاد الألف التي لم تتجلّى بعدُ.

فكان الباء هو أوّل حرفٍ يخرجُ إلى وجود التجلّي، ومن أجلِه خلق الله سبحانه باقي الكلمات والحروف والمعاني، لأنّ الله سبحانه كان في كنزيّته مخفياً ألِفاً مكتنزاً في النّقطة، أو ألِفاً معبّراً عن الوحدة المطلقة حيث لا تمايز بين التجليّات، فافهم، فلمّا أرادَ أن يتجلّى، أحبَّ أن يُعرفَ، فخلقَ نسبةً بها يعرفُه خلقُه، وتلك النّسبة هي حرفُ الباء، فكانت صورة حرف الباء ورسمُه، دالٌ على هذا المعنى.

فالباء جاء على صورة ألف -كما ذكرنا- ممتدّ وتحته نقطة، فهو ألف الصفّة صفة الألف وتحته نقطة وهي سرّ الألف، أو نقطة العروج إلى سرّ الألف لشهود جميع ما تجلّى به الله سبحانه وما خلقه، إنّ الألف بذاته سرّه فيه، لم ينفصل عنه، ولمعرفته وخلافته سبحانه خلق الله سبحانه برزخاً هو النّقطة، وهو البرزخ الرّحمانيّ، أي برزخُ الرّحمة الذي منه تجلّتْ جميع التجليّات وظهرت الحروف والكلمات، فكانت نقطة الباء معبّرةً عن ذلك البرزخ منفصلة الرّسم عن الألف الممدّد كأنّها برزخ شهود لما تجلّى بالألف من رسمٍ وحروف وكلمات وتجليّات فتأمّل. فكانت الباء برسمِها موحيةً لهذا المعنى ، معنى شهود ما ظهرَ به الألف، وأنّها النّسبة والواسطة بين الخالق والمخلوق، بين الألف القديم وتجليّاته وخلقه وكلماته وحروفه وآثاره.

ويمكنُ القولَ والتوضيح أكثر، فتنبّه. أنّ نقطة الباء هي برزخ رحماني لشهود باقي التجليّات التي هي دون البرزخ الرّحماني، وهي بذاتِ الوقت أي هذه النّقطة عند التحامِها بالألف، تصبحُ سرّ الألف الذاتيّ، ومجلى الإسم الأعظم. وهو شهود حضرة القدم، والعماء. شهود الواحدية بشهود الألف المتجلّي قبل التمايز، وشهود حضرة الأحدية والعماء الساذج. وهي في هذا الالتحام مقام الولاية الكبرى والختمية والإسم الأعظم، وهي في كونها منفصلة مقام النبوّة والرّحمانية. فالنّقطة نقطة الباء إسقاطُها هو القلب، والألف المدّد هو الرّوح. وعند نزول الرّوح على القلب، يتأيّدُ العبدُ بالروح القدسيّ. ويحدثُ الالتحام ويصيرُ القلبُ عين الرّوح، أو سرّ الرّوح. فهو شاهدٌ للرّوح وما تجلّى فيه. وهي هنا معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم "خلق الله آدم على صورته".

خلق الله سبحانه الباء أوّل حرفٍ وجمعت فيها كلّ ما ظهرَ به الألِفُ من صفاتٍ وتجليّاتٍ وكلمات وحروف، فكانت الباءُ هي صفةُ الألف، لأنّ الألِف هو روح النّقطة وصفتُها من وجه، ولكنّه ذاتُها لا غير، فالنّقطة ليست سوى ألِفٍ جامعٍ لما اكتنزتْ فيها، فتأمّل. فهو أي الألف ذاتٌ وصفة، ولكنّه مثّل الذات في التحقيق، وفي وجوده يرتفعُ كلّ وهمٍ وكلّ موجودٍ غيره، فلا يبقى إلاّ هو اي الألف. فكانت الباءُ هي صفة الألف، هي الألف من حيث كونِه صفةً فافهم، ورسمُها كما أشرنا دلّ على ذلك، ألف ممدّد وتحته نقطة الشهود ونقطة السرّ ونقطة البرزخ.

ولذلك كان صلّى الله عليه وسلّم هو صاحب الأسماء والصفات، وصاحبُ الكمالات التي ظهرَ بها الألف، لأنّ الباء هي نقطة شهود كمالات الألف من سرّه، ومن برزخ الرّحمة الذي هو منهُ فاضتْ الكمالات وفاضتْ التجليّات، فهو أعلى مظاهر الوجود، لأنّ الوجود لمّا برزَ إلى الوجود أي وجود الحدوث والخلق، فقد تدرّجتْ أطيافه واعتباراته ومنازلُ التجليّات فيه وآثار الأسماء والصّفات، فبهذا الاعتبار، اختفى الألف وإن كان ظاهراً، فلا موجود سواه، وظهرتِ باقي الرّتب الاعتبارية التي قامَ عليها الوجود وقامتْ عليها المنازل والمعاني والمباني، فكان الباءُ (ب) هو أعلى مظاهر هذا الوجود لأنّه حرفُ الشهود ونسبة تعرّف باقي الحروف والموجودات على أصل الوجود وخالقه وهو الألف. فافهم.

وكان الباء هو بابُ الألف وحجابه وواسطته ومظهرُ أسمائه وصفاته، لأنّه عينُ الألف ولكن صفةً وظلاًّ لا ذاتاً ولذلك جاء رسمُه كما أشرنا، انفصلتْ فيه النقطة انفصالاً اعتبارياً، دلّ على الخلقية فافهم، ودلّ على النّسبة التي بها يُعرَفُ الله سبحانه من خلقه. ومن هنا سمّي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الحقيقة المحمدية، أو سمّيت الرّوح بالحقيقة المحمديّة، تسميةً للدّلالة على صفتها، لا ذاتِها. فما للذاتِ في المخلوقات ذوقٌ ولا حلولٌ تعالى الله سبحانه عن ذلك، فالألف ألف متصّل، هو عينُ الصفات التي تجلّت بذاتها، وعين التجليّات والمخلوقات، فلا موجود سواه، هو عينُ النّقطة المكتنزة في كنهها الغير المدرك. فتأمّل هذا العلم فهو لبابٌ. فالله سبحانه متعالٍ عن الخلق.

وإنّما كان حرفُ الباء أوّلَ الحروف وأقربَها للألِفِ وحاملَ صفته وجميع تجليّاته كما ذكرنا. وهو النّسبة بين الألف وباقي الحروف والكلمات والتجليّات والمخلوقات. ومن أجله أي من أجلِ الباء خلق الله خلقه وأبدع كونه ووجوده، ليعرفوه ويشهدوا ما خلق به سبحانه، من برزخ الرّحمة الذي خلقه منهم. وكان الباء هو برزخ الرحمة وبرزخ الشهود ونسبة التعرّف. وتلك النقطة تحت الباء هي نقطة اعتبارية هي نقطة السرّ، بها يُشهدُ سرّ الألف والألف، ولكن من غير إدراك لكنه الألف والنّقطة فافهم، من غير إدراك لكنه الذات تعالى الله أن يحاط به سبحانه. فجميعُ الخلفاء الإنسانيين ظلالٌ لهذا الألِفِ الخليفة الإنسانيّ الأوّل، الذي هو عينُ القديم في كنهه وذاته وروحه وسرّه. وإن صحّ لهم في التحقيق التحقّق بالألف، وشهود حضرة القدم، بل وشهود حضرة العماء والأحدية. فهم بالولاية وخلافة الألف، نالوا مقام الألف وصورته ظلاًّ وشهوداً لا ذاتاً، فالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو أوّل سابقٍ تحقّق بصورة الألف وبه نالَ المقام المحمود، فهو البرزخُ بين الباء المطلّة على الخلق، والألف القائم في حضرة الذات والعماء. وعلى قدمه سار الخلفاء والورثة الأولياء.

فهذه حقائق عالياتٌ، فلا وجه للتشابه بين الأصل والنسخة، وبين الخالق والمخلوق وإن كان هذا المخلوق إنساناً على الصورة، وله من صفات الأوّل سبحانه، ولكن هناك انفصال اعتباريّ هو نقطة الخلقية، فافهم. وغاية الكمال الإنساني المخلوق كان في حرفِ الباء الذي هو خير الخلق وصفوتهم وأكمل الكملاء وباب الخلق على الله وحجابه الأعظم وحامل صفة الألف بكماله وجميع تجليّاته، كما هو رسمُه وخلقُه الدّالُ على ذلك. ولكنّ الألف الأصليّ هو الذي استقلّ بنفسه، وهو الذي منه ظهرَ كلّ شيء، وهو حامل الكنه وسرّ الذات، إذ هو عينُ الذات والكنه. والله أعلى وأعلم.




الخميس، 25 ديسمبر 2014

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 70



                            النقطة المُصمتة (.) والنقطة المجوّفة ( o )
                                   نقطة الذات ونقطة الصّفة

النّقطة ( . ) كانت في كنزيّتها تُخفي أسرارها وعلومها وبحارها وكلماتها وحروفها ومعانيها، فشاءت أن تتجلّى، فما تجلّت إلاّ من ذاتها لذاتها في ذاتها، ولكنّها تجلّت بحكمة وعلم وتقدير قدّرت تجلياتها ببعدين زمان ومكان، مقداران متجليّان من حكمتها وقدرتها وإرادتها في تجليّاتها، فأنشأتْ نقطةً مرآةً لها مجوَّفةً ( o ) . تكونُ هذه النّقطة المجوّفة مرآة التجليّات وبها تخرجُ الأسرار والعلوم والموجودات من عماء النقطة المصمتة الأولى، فكانت النّقطة الثانية هي نقطة التعيّن بها برزت جميع الحروف والكلمات والمعاني والدلالات وسائر التجليّات من عماء النقطة وكنزيّتها. وجعلتها مجوَّفةً تحملُ صورتها في الدائرة حول التجويف، ألف دائرٌ الذي هو من جنس النّقطة، أوّل حرف ظهر من النّقطة وأوّل حرف له اقترب من النّقطة بعدا واحداً. فكان الألف هو حامل سرّ النقطة وعلمها وعماءها بالذات والتّمام، لأنّ النّقطة ما برزت إلاّ حروفا في عالم الأبعاد والتجلّي فجعلت الألف خليفة لها، وبه تشكّلت المرآة التي هي النّقطة المجوّفة أي بالألف، فحصّلت النّقطة المجوّفة البرزخية بين عماء النّقطة المصمتة وبين عالم التعيّن والتجلّي والتجويف، وذلك بواسطة الخليفة الألف لأنّه عينُ النّقطة ولكنّه كان كتاب النّقطة في كنزيّتها. لأنّه نقطتين، نقطة الكنه الغير المدرك ونقطة العماء والمادة المتجليّة، وجاءت النقطة المجوّفة أوّل مرآةً للنّقطة المصمتة أي مرآةً للألف، ولكن منها اي بالنقّطة المجوّفة بدأ بُعد الزمان والمكان والتجلّي. فسمّيت نقطة الصّفة لأنّها أظهرتْ صفات النّقطة المصمتة من الكنزية الى الظهور بالآثار في عالم التجلّي والخلْق. فجمعتْ نقطة الصّفة بين العماء والكنزية وبين الظهور الصفاتي والتعيّن في عالم الصفات والخلْق.
وسائر من جاء من حروف عالياتٍ من أخذوا الصورة الألفية، أخذوا تلك الصورة بواسطة النقطة المجوّفة نقطة الصّفة التي هي ألف بالصورة ومرآة هذا الألف الأصليّ الذي خلَفَ ومثّل النقطة بذاتها.
فلمّا برزت الحروف والكلمات والتجليّات من عماء النقطة المصمتة برزوا بالواسطة نقطة الصّفة والتعيّن والتجويف مرآة الشهود والنقطة القاسمة من بحر العماء والكنزية، فكانت السّابقة والفاتحة للوجود والقاسمة من عطاء النقطة الأحدية.


غير أنّ الحروف والكلمات لم تكن في الأخير والحقيقة سوى النّقطة الأولى الأحدية التي أخذت ما أرادت ممّا شاءت من صور وحروف وكلمات بواسطة خليفتها الألف الذي خطّ الحروف والكلمات وحبرها. فكان وجهُ النّقطة يلوحُ في كلّ حرف وكلّ كلمة وكلّ لمسة لأنّها أصل كلّ شيء،ولأنّه في التحقيق ما ثمّة سوى تلك النّقطة المصمتة وما تجلّى شيءٌ إلاّ في ذاتِها ولكنّها قدّرت وشاءت أن تتجلّى لمخلوقاتها وموجوداتها وحروفها وتُشهدَهَم وجودها وخلْقها وإبداعها وكمالاتها الغير منتهية وصفاتها العليّة. فأبرزَتهم من مرآة شهودها نقطة الصّفة. فكانت نقطة الصّفة هي أوّل حامل لسرّ النّقطة المصمتة وما جاء من بعدها من حروفٍ عاليات أخذوا صورة الشهود كانوا على قدمها وبواسطتها. فكانت أقربهم للسرّ الذاتيّ المصمت في كنزيته الغير المدرك.
وقالت بلسان حضرتها العلية النقطة الأولية "إنّي جاعل في الأرض خليفة"، أرض تجلياّتي وصفحات سطوري وكلماتي، به تظهرُ الحروف والكلمات والمعاني والاعتبارات بين مداليلها المختلفة وتمايز معانيها. مهما برز في هذه الأرض فبحقيقة هذا الألف الذي رسم وكتب وأظهر الحروف والكلمات وكان مادتها من نقطتي. فسمّته إنسان، وأخذ هذا الإنسان جميع مكنونات الحروف والكلمات والمخلوقات في عالم الأرض والتجلّي. لأنّه خُلِقَ على صورة الألف الأوّل الأصليّ الذي رسمَ الحروف والكلمات والتجليّات. وجعلت هذا الإنسان مطلق الإنسان مركّب بتركيب حقائق الموجودات فيه التي ترجِعُ إليه، فيأخذ تأثيرها عليه بتمايز معانيها فيه واختلاف دلالاتها عليه، بين علوّ وسفلٍ، ومن هنا برز الابتلاء والتكليف، وتمايز الإنسانُ بين نازلٍ إلى حضيض الدّلالات والمعاني والكلمات، وبين متعالٍ إلى علوّ الدّلالات وإطلاقها وكمالاتها التي فاضت بها من نقطتها وكنزيّتها الأولى، وجعلتِ النّقطة المصمتة رسولها إلى عالم الأرض والتجليّات إلى هذا الإنسان المخلوق على صورة الألف الأصليّ، هي النّقطة المجوّفة نقطة الصّفة التي بها ومن أجلها خلقت هذا العالم بين علوّه وسفله، وأظهرتهُ ليشهد خلقُها وعبيدها بتلك المرآة ما صنعتْ. فكانت نقطة التجويف ونقطة الصفة لها مظهر في الحروف شابه الألف، هو أقرب الحروف إلى الألف، له وجهة للألف ووجهة أخرى للحروف الأخرى، هو حرف الباء. له نفس شكل الألف، إلاّ احدوداب عند الطرفين، ونقطة تحته. لأنّ الألف كان لا يمثّل إلاّ المادة الأولية في عمائها، بكونه كان مستقلاًّ ما قام بحرف آخر، حرف الألف ا ، فكان حرف الألف هو رمز الهوية التي تتوجّه إليها سائر الحروف والمخلوقات، مستقلّ منفصل حامل سرّ النّقطة المصمتة. إذ الحروف كلّها هي نقطة في الأوّل والأخير. فكانت الباء حرف الصفة وواسطة الإنسان إلى حرف الألف، لها شكل الألف كأنّ جميع الحروف تشكّلوا من باء عند الكتابة والرّسم، لأنّها أعطتهم البُعد الزماني والمكاني خلاف الألف الذي بُعدُه هو بُعد العماء. ولذلك جاء رسمُ الباء كأنّها ألف نائم، ظلّ للألف، فابتعدت قدر نقطتين عن النّقطة، ابتعدت نقطةً في رسمها كما ابتعد الألف، ثمّ ابتعدت عن النقطة التي تحتها بانفصال اعتباريّ، بعداً آخراً، فكان بعدُها الأوّل عن الألف وكان بُعدها المنفصل الاعتباريّ عن نقطة الكنه الغير المدرك. الذي هو مدركٌ للألف الأصلي وحسب، الذي ابتعد بُعداً واحداً عن النقطة، لأنّه عينُ النّقطة مُدرك لكلّ حقائقها وأسرارها وكنهها وكان خليفتها في الأرض وعالم التجليّات، فافهم.

فلمّا قالت النّقطة المصمتة بلسان حضرتها العلية "إنّي جاعل في الأرض خليفة". قصدت أنّ عالم الأرض وحيّزه وحيّز تجلياتها فيه سيكونُ قائماً ما قامَ بألفٍ هو خليفتها، هو حامل سرّها وحامل سرّ النّقطة، وصاحب المادة العمائية الذاتية، الذي به تتشكَّلُ المخلوقات والتجليّات وهو حاملُ الوجه الذاتيّ  لمّا قالت بلسان حضرتها العليّة :
﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. فالوجه ما كان إلاّ بالخليفة والألف الأصليّ الأوّل حامل سرّ الذات. ثمّ جعلت النّقطة العليّة الإنسان  خليفةً بالاعتبار الذي ذكرناه بكونه على صورة الألف، حاملاً لجميع ما برز للوجود فيه، وكان المقصود من سائر الإنسان الخليفة الذي يكونُ حاملاً لسرّ الخليفة الأوّل، أي ألفاً ظاهراً موجوداً في كلّ زمانٍ، يكونُ هو الخليفة والألف الذي به تقومُ الحروف والمخلوقات، ويكونُ على صورة المرآة مرآة الشهود والنقطة المجوّفة نقطة الصّفة التي حملت صفة النقطة وكمالاتها وإطلاقاتها في عالم التجلّي، أي على صورة الباء من وجهٍ وارثاً للباء وخليفةً لها، وفي نفس الوقت على صورة الألف خليفةً ونائباً للخليفة الأصليّ الألف الأصليّ الذاتيّ. فافهم.
على هذا النّسق تجلّت النقطة من كنزيتها وعمائها، وجعلت خلائف على مدار الأزمنة يقومُ بهم في كلّ وقتٍ ما برزَ، يحملون سرّ الألف الأصليّ الذاتيّ.

ثمّ لمّا نضجت مسيرة الوجود إلى ذروتها وتأهّلت للشهود العليّ ظهرت الباء الأصلية التي بها برز هذا الوجود وظهرت النّقطة المجوّفة التي بها برز جميع التجلّي من عماء النّقطة المصمتة، فدلّت هذه الباء على الألف الأصليّ وكانت له واسطةً. وهي السّبب التي من أجلها خلقت النقطة العلية الخلْق ليشهدوا بواسطة هذه النقطة المجوّفة (نقطة التعيّن والصفة) خلْقها (أي خلْق النقطة المصمتة) وتجلياتها وإبداعاتها وجمالها وكمالاتها.


ثمّ لمّا حان موعدُ الساعة والعودة إلى عالم الجزاء واليوم الآخر، ظهر الخليفة الأصليّ، الألف الأصليّ حامل سرّ النقطة المصمتة والذي هو مادة جميع المخلوقات والموجودات. فظهرَ أوّلاً بنسبته العادية مركّباً بتأثيرات الدّلالات والمعاني والحروف والكلمات المختلفة في الوجود، في زمنٍ كانت قد أخذتِ الطبيعة الظاهرة الكافرة بغيب الوجود وحقيقته وبنقطته وبألِفه الذي به ظهر، أخذت سيطرتها على الموجودات بتدجيل المعاني وقتل المعاني والدّلالات العلوية وتثبيت المعاني والدّلالات السّفلية، بتدجيل وشرّ عظيمين لم يعرفهما زمان قبل ذلك. ففسدت الأرضُ وعمّها الظلمُ العظيم والفساد الكبير، والخليفة متأثّرٌ بتلك المعاني الموجودة والدلالات السّفلية لأنّهُ عينُها وروحها في الأصل فهو يأخذُ ما هو موجود قبل رجوعه إلى أصله الأوّل، وإطلاقه، لأنّه في دائرة التقييد. وهنا يظهرُ سرّهُُ فيقودُه سرّه الذاتي فيه المكنون فيه أن يعود بالوجود إلى أصله إلى إطلاق معانيه وجمالها الأعلى، عند تحرّره من قيده وتركيبه العنصريّ فتكونُ حينئذٍ الساعة ويوم القيامة، لأنَّهُ قد ظهرَتْ شمسُ المغرب والألف الأصليّ العائد بالوجود إلى أسمه الأعظم ووجوده الأصليّ وحقيقته المقدّسة من الدّلالات السفلية والحضيض. فيظهَرُ إماماً مجاهداً قائماً بالعدل حقّ قيامه ليُعطي كلّ حقيقة موجودة في وقته قيمتها التي تليقُ بها، فهو الذي ظهر بها، وهو حقيقة كلّ شيءٍ، فيعدلُ ويُبيدُ الظلم والظالمين، وآخرهم الدجّال. ولا يكونُ هو من يقتلُ الدجّال، لأنَّهُ هو الألف الأصليّ وهو الذي تحمّل ظهور هذا الدجّال فهو حقيقته، فإذا حان موعد تحرّر وجوده من الدجل والشرّ والحضيض والسّفل ينزلُ روح الله النبي المؤيّد بروح القدس ليقدّس الموجودات فتظهرُ بتمايزها لكن تمايزها الجميل والعلوي المقدّس ويقتل روح الله الدجّال. ويحكمُ روح الله الذي هو روح الألف هذا الوجود الألفيّ المقدّس. وتنتهي قصّة الدّنيا. وتبقى التفاصيل الختامية لزوال هذا الوجود الدّنيويّ الذي قام بهذا الألف، فإذا ذهب هذا الألف ذهب هذا الوجود الدّنيويّ، ثمّ يُعطي هذا الألف ذاتُه الوجود الأخروي الأبديّ الخالد. وفيه يُجازى كلّ مخلوق جزاءه.


السبت، 13 ديسمبر 2014

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 69



وما أردتُ تبيينه في المقال السابق أنّ كلّ عبدٍ وكلّ إنسانٍ هو في الحقيقة مخلوق على الصورة في حقيقته، هذا هو الإنسان وهذه هي إرادة العناية الربانية في آدم وبنيه، ولذلك فإنّ كلّ عبدٍ له مجرّة خاصة به إن شئنا قول ذلك، أو أنّه يجمعُ السموات والأرض جميعها فيه، نسخةً منها. نعم نسخةً منها كما النسخة الأصلية للعالم. وهذا العالم الذي ينطوي في كلّ واحدٍ منّا هو منطوٍ بالمادة من كونِ كلّ جزءٍ فينا يعكِسُ ما هو موجود خارجنا وفي العالم الكبير، وهو منطوٍ فينا بالرّوح التي يتجلّى بها جميع الأشياء والعالم. وعلى هذا النّمط والصورة خلق الله الإنسان، وكلّفه.

فقال له عبدي وهبتُك هذا الوجود وهذا العالم وخلقتُك على الصورة، وأنعمتُ عليك بجميع ما في السموات والأرض وسخّرتهم لك، وأرسلتُ لك الرّسل ليعرّفوك حقيقتك وحقيقة ما أنت فيه، ووهبتُك العقل لتسمع وترى وتعقل وتفهم والقلبَ ليقودَ خطاك إليّ إن أطعتني من خلال رسلي ورسالاتي.

وجعلتُ فيك فطرةً تولدُ عليها وهي حقيقتُك وأصلُك، فطرةٌ تقودُ قلبكَ إليّ، ولكنّني خلقتُك لتعبدني وتعرفني، وتعرِفَ نعمي عليك وحقيقة وجودك، وأنّك بالإرادة المودعة فيك تملك سلاحاً ذو حدّين، إمّا أن تختارَ حقيقتك وأصلَك وترجعَ إليّ بالشكر والعبودية فأحرّرَك منكَ وأتفضَّلُ عليك بجميع ما وهبتك في العوالم، وبجميع ما تحمله روحك ممّا تعلمه وممّا لا تعلمه وممّا تراهُ وما لا تراهُ، ولديّ مزيد وعطائي لا نهاية له ولا حدّ فأنا الخالق العظيم جلّ شأني، أو تختارَ الوهمَ على الحقيقة، والنّعيم العاجل المتوهّم بإرجاع الأمر إليك ولو على حساب القيم وما شرعتُه لك من خلال شرائعي التي جاء بها الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهي شرائعٌ ما جاءت إلاّ لتوجيه حياتك وحياة من حولك للأفضل وللمصلحة العليا والفضلى وللخلاص من أسرِ وهمِك والكفر بالمنعم الذي تفضلّ عليك، والكفر بوجوده الذي هو الوجود الحقيقيّ، وجميع ما تراهُ من خيرٍ ونعم وعجيب المخلوقات هم مخلوقاتي وهم تجليّاتي وهم آثار أسمائيّ وصفاتيّ وآثار أفعالي في هذا الوجود. فلا شيء حولك له القيومية بنفسه، إلاّ بقيامه بي وحدي أنا سبحاني فأنا الحيّ القيّوم المطلق. فلا تكفرْ بي وبوجودي وبالحقيقة التي أقمتُك عليها وبالصّورة التي بها أنت تملكُ هذا الاختيار المطلق، الذي وهبتُه إيّاك، ولكنّه اختيارٌ كسلاحٍ ذو حدّين، فإمّا أن تخترقَ الوهْم وتؤمن بي وتنعم في الأخير بالخلود في النّعيم والرحمة المطلقة، وتحيا حياةً طيّبة في الدّنيا والآخرة. أو تبقى حبيس الوهم وتختار الظلم والأنانية والكفر ومصدر الشرّ والنّقص في حياتك وفي الأخير ستعودُ إليّ لأجازيك جزاء كفرك بوجودي وجزاء شرّك وبغيك في الأرض وظلمك لعبادي وخلْقي.

هكذا خيّرَ اللهُ سبحانه كلّ عبدٍ، سواء عرف أو يعرف هذا الاختيار، وأنَّهُ في الحقيقة لا موجود حولك سوى تجليّات نفسك عليك، فافهم.

فمجرّتك وعالمك والعالم من حولك كلّه هو تجليّات الصورة عليك، ولكنّها تمرُّ عبرك، عبر قلبِك وعبر نفسك، فتنعكِسَ تجليّات الصورة المنعكسة من الإسم الأعظم، لأنّ الإنسان مخلوق على الصّورة، ولكن بوجودِ نفسه وفرقِه، فإنّ ذلك يُعطي وجودُهُ الذي هو فيه، وجميع ما في الحياة هي حصادُ لزرعِك بطريقةٍ ما. فإنّ جملة الأسماء التي تعلمُها والتي لا تعلمُها التي أظهرتْ هذا العالم هي تتأثّرُ بك أنتَ في ما يدورُ حولك، وقد ذكرتُ هذا في مقالٍ سابق عن الإنسان وعلم الأسماء والتّصريف. ومن هنا فإنّ جميع ما يتعرَّضُ له المرءُ والعبدُ مصدرُه الله سبحانه، ولكن هو نتيجة قلبِه واعتقاداته وأخلاقه الباطنة فيه، وصورة نفسه في الحقيقة. وكان مصدرَ الشرّ والنّقص والأذى هو نفسُك، وكان مصدرَ الخير هو الله سبحانه. ونقصِدُ هنا أنّ مصدرَ الخيرَ يأتي من حيثُ الهوية المتجرّدة المطلقة المنسوبة لله سبحانه، ومصدرَ الشرّ هو نفسُكَ. ولا يظهَرُ هذا الأمرَ للنّاس والعبيد إلاّ في مرحلةٍ متقدّمة من السّلوك وعند اقتراب العبدِ من الحقيقة ليخرجَ من قيده إلى إطلاقه، ويخرج من وهم نفسه إلى صورته المخلوق عليها بأصليتها وحقيقتها أي إلى وجود الله سبحانه.

وهكذا خلَقَ الله الإنسانَ وكلّفَه في الدّنيا، وذلك بجعله مزيج روحٍ خالصة عارفة بالله هي أصلُه وحقيقته وصورته المقصودة من الوجود، وهي العاكسة لما هو فيه من حياةٍ، وجسد ترابيّ وطيني وتركيب عنصريّ يشكّل بصيغة ما وجودَهُ المقيّد ونفسَه العنصرية .. فإذا هو ركَنَ لهذا الوجود المقيّد أعطاهُ ما هو من جنسِه، وهو التقييد والألم الحسّي واللّذة الحسية في دائرة العنصر، والوهم الذي قام به الحياة. وأعطاهُ هذا الوجود المقيّد والوهم الذي هو فيه آثارَ الموجودين معه في العالم، ويعيشُ على تلك البهيمية والطبيعة الحيوانية فيه، لا يأخذ من دنياه سوى ما عاشَ من أجله وله. أمّا إذا آمن بالله سبحانه وبالغيب، والتجليّات الأسمائية المتصرّفة في حياته بالله سبحانه، فإنّ آثارَ هذه التجليّات تتعدّى ذلك الوجود المقيّد، ويقودُهُ ذلك للنّور، ولا نور في الحقيقة إلاّ نور الله سبحانه الذي أنار بنوره السموات والأرض وجميع المخلوقات بتجلّيه سبحانه، وجميع الموجودات والكائنات وهمٌ وآثار تجليّاته وحسب.
لذلك قال الله تعالى سبحانه
{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ  وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ  أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)} سورة البقرة.
فالله وليّ المؤمن به يخرجه من ظلمات الوهم إلى نور الوجود الحقيقيّ إلى نور الله سبحانه. والذين كفروا بالله وبوجوده وبالغيب الذي يديرُ حيواتهم ويقيمُها، تولّاهم الطواغيت وهي جميع الطّبائع والأوهام المتجليّة في وجودهم غير الله سبحانه فتسقيهم طواغيتهم الظلمة ومزيدا من الرّكون الى الطبيعة الترابية والوهم، وليس ثمّة سوى الوهم ما يُضادّ مصدر النّعم جميعها والخير جميعه والوجود جميعه فينعكِس ذلك عليهم شقاءً وحرماناً وعذاباً في الدّنيا وفي الآخرة أجلى وأمرّ. أمّا المؤمن وإن تعرّضَ للمعوّقات في طريقه وطريق خروجه من الظلمة فهو منقادٌ إلى النّور الحقيقيّ، والوجود الحقيقيّ ومصدر الخير والإطلاق والنّعم جميعها. فينعمَ بذلك في مرحلةٍ ما في الدّنيا بحياةٍ طيّبة حتّى لو كانت في النكّبات والمعوّقات والابتلاءات التي هي من طبيعة الرحلة الى الوجود الحقيقيّ وطبيعة الدّنيا، ويذوق تلك النّعم والهناء والسّكينة من الله سبحانه تغمرُ قلبُه، ولكن آثارُ الحياة الطيّبة وذوقُها لا يظهرُ إلاّ في مرحلة ما من تجاوز الظلمة والقرب من الله سبحانه. هذا لعموم المؤمنين، وفي الآخرة نعيم يتجلّى خالد، ورضا من الله سبحانه الذي به آمن المؤمن.

فقلتُ لا تظهَرُ هذه الحقيقة بجلاءٍ ووضوحٍ إلاّ لسالك طريق الله للتحرّر من قيده إلى إطلاقه، ووهم نفسه إلى حقيقة وجوده، فإنَّهُ حينئذٍ يتجلّى عليه وهمُ وجوده ووهم الطّبائع فيه أي من حوله، بالحربِ عليه، ولمّا كان العالم هو صورته ونسخته ومنطوٍ فيه، فإنّ الذي يقودُ الحرب عليه هو قرينه وهو نفسُه ووجوده الوهميّ والعنصر فيه الملتصق به الذي يغذّي الحسّ والعقل التّرابي، وحينها يجدُ شيطاناً عليماً بالعالم والعيوب والمداخل النّفسية، يتجسّسُ على نفسه ويعلمُ عنه كلّ صغيرة وكبيرة منذ ولادته، وهو لا يقدرُ على دفع هذه الجوسسة لأنّه أسير النّفس ولم يخرج ولم يتحرّر من الأكوان ولم يخرج إلى الإطلاق والفناء عن نفسه. وتقوى هذه الحرب وتأخذ أبعاداً أكبر كما ذكرنا عند من يكونُ سلوكه جادّاً فيحصلُ بسلوكه اتِّساعُه في الإسراء والعالم ليخرج من القيد والوهم، فيأخذ بذلك عقلُه التّرابيّ ونفسُه وقرينُه حجماً أكبر وقوّةَ أقدر في التصريف في عالمه يُعاني من شيطانه ومن يوالون الطواغيت على حساب الوجود الحقّ والنّور. فيُبتلى أشدّ البلاء.

ومن هنا كان أشدّ النّاس بلاءً الأنبياء ثمّ الأمثل فالأمثل، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلّم، أي بقدرِ اتّساعك وجديّتك وصدقك في طيّ الطريق تتجلّى عليك العداوة من القرين والطّباع والطواغيت حولك. وكان الأنبياءُ القدوة فكانوا أشدّ النّاس بلاءً. ثمّ يحصلُ البلاء بحسبِ هذا الصّلاح والصّدق في طلبِ وجه الحقّ سبحانه.

وهذا الذي كنّا نشرحُه عن العقل التّرابيّ والقرين والمهديّ وما يحصلُ له، وينعكِسُ ذلك عليه دجّالاً في عرشه هو عقلُه التّرابيّ المنعكِس من وجوده الوهميّ والترابيّ والطّبعيّ العنصريّ. ولأنّ المهدي كان الوليّ الذاتيّ الذي كان مصدرَ التجلّيات وصاحب الذات الساذج، فقد أعطى الصّراع النّفسيّ والعقل الترابي كما ذكرنا دجّالاً عليماً بعيوب النّفس عليما بالمادّة، يدجّلُ على النّاس بالأوهام ليجعلهم يؤمنوا بوهمِ حياةٍ قائمة على المادّة والأسباب من غيرِ مسبّبٍ وموجدٍ سبحانه، ومن غيرِ غيبٍ يحكمُ هذا العالم الشهادي الظاهر.
فالحقائق إذن أعطتْ ظهورَ هذا الدجّالَ، ورافق ظهورُه وإفساده قرونا طوالاً بدأ من زمان سيّدنا موسى عليه السلام وبعثته، وقد شرحنا ذلك في مقالات سابقة أنّ بعثات الرّسل عليهم السلام، كانت مراحل في الوعي والنّضج الإنسانيّ وحقائق الخلافة الإنسانية الكبرى، وكانت بعثة سيّدنا موسى عروجاً ونقلة نوعية للإنسان. ومنه بدأت الرسالات السماوية الكبرى. فتأمّل. والتي وجودها الى يومنا قائم. وهذا يضاهي تماماً ما ذكرناهُ في حياة المجذوب أنّ دجّاله يظهر بعد فتح دائرة القلب وبداية العروج في الحقائق السماوية. أي بعد فتح روما يخرج الدجّال.

فالحقائق أعطتْ ظهور هذا الدجّال اللّعين لأنّ الله جعله رسول المادّة والوهم والحدّ المتطرّف من العقل التّرابيّ، وما كان ظهورُه وخطرُه يشتدُّ إلاّ في زمن الخليفة الذّاتيّ، الذي ظهر به العالم، ليُعطي الجزء الماديّ والعنصريّ والوهم المنفصل عن حقيقته الذي يُغذّي وجود كلّ نفسٍ بكلّ شرّ وكلّ وهم وكفر وأنانية. ولهذا كان أعوراً ليُجسَّد هذه الحقيقة أنّه أعورُ العين، ليس له سوى عين المادة والظاهر والشهادة وهو طافي العين الرّوحية كافرٌ بالغيب، وأنّه وهمٌ ليس إلاّ يتجلّى بقوّته  وظهوره الجسديّ في زمن الخليفة أو المجذوب، لأنّ المجذوب هو الذي ظهر بالشّطر الخلقيّ كما سبق ان أشرنا.

وإبليس وشياطينه هي الجزء النّفسيّ المغذي لكلّ نفسٍ وشرّها وكفرها ووهمها. فالحقيقة أنّ إبليس والدجّال مؤتمرون بالقرين نفسه، وهو نفسُ العبد. لأنّهما من سطوات الوهم والعقل التّرابي على النّفس.

ومن هنا كان ظهور الخاتم والخليفة هو إرجاعُ الحقائق لما هي عليه، والقضاء على هذا الوهم وعلى هذا الشرّ في العالم، فيتقدّس المجذوب، وينعكِسُ ذلك بقتل الدجّال والقضاء على ياجوج وماجوج. وياجوج وماجوج هم من آثار الانسلاخ من التركيب العنصريّ للمجذوب، وتغيير عرشه. فالله يمنّ عليه بعرش جديد وجسدٍ جديد يليقُ بالأمير والخاتم والخليفة الذي يظهر ويحكمُ بالعدل. وجهه كالكوكب الدريّ من أحسنِ النّاس وجهاً. ويتجلّى ذلك -أي أثرُ التقديس- في عهد المسيح عليه السلام حيث يُقتلُ الخنزير وهو رمز الخنزيرية ويُكسرُ الصّليب وهو رمز الشرّك ويعمّ السلامُ الأرض في عهد روح الله، وتنبتُ الأرض أشجاراً وفواكه من أحسن ما يكونُ طعما وحجماً وبركةً وخيراً، وتخضرُّ الأرض، ليُعطي تجلّي أثر الإسم الأعظم على الحياة. يحكمُها روحُ الله المسيح. فافهم هذه الحقائق الكبرى.

وإنّ الخاتم والخليفة جوهرُه وحقيقتُه ليس من أفراد بني آدم، وإن كان على الصورة الإنسانية، ولذلك لم يدخلْ ابداً في اعتبار التفضيل. فهو ذاتُ الباري سبحانه متجلّ بمظهرٍ إنسانيّ. الإمام الأعلى للوجود. أعلمُ الخلْق بالله تعالى.

هو الجوهرة المصونة والياقوتة التي لا قياس لفردِ بها، فهو فوق القياس فافهم. فهو السيِّدُ الصّمد. وهو حقيقة قوله صلّى الله عليه وسلّم "خلق الله آدم على صورته". أي أنّ الصورة الإنسانية التي وُهبها الإنسان هي صورة ما تجلّى به الله على الإنسان وخصّه به من فضلٍ عظيم ورجوعٍ إليه. ولكن هذه الصّورة الإنسانية محدودة بحدّها، فاعلم. أمّا الخاتم فهو ظاهرٌ بالصورة الإنسانية، وهو فوقها وخارجٌ عنها لأنّه هو حقيقتها، وهو خالقُها. فلا مجالَ للمقارنة بين أفراد بني آدم جميعاً وبين الخاتم. وذلك أشارَ إليه جهبد العارفين بالله في كلامٍ نفيس عظيم دالٌّ على علم هذا العارف بالله وأدبه ومقامه الرّفيع وهو الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي قدّس الله سرّه العزيز لمّا قال في الفتوحات المكيّة : 


(قوله إن الله خلق آدم على صورته:
فقد أدخله الجود الإلهي في الميزان فيوازن بصورته حضرة موجدة ذاتا وصفة وفعلا ولا يلزم من الوزن الاشتراك في حقيقة الموزونين فإن الذي يوزن به الذهب المسكوك هو صنجة حديد فليس يشبهه في ذاته ولا صفته ولا عدده فيعلم أنه لا يوزن بالصورة الإنسانية إلا ما تطلبه الصورة بجميع ما تحوي عليه بالأسماء الإلهية التي توجهت على إيجاده وأظهرت آثارها فيه وكما لم تكن صنجة الحديد توازن الذهب في حدّ ولا حقيقة ولا صورة عين كذلك العبد وإن خلقه الله على صورته فلا يجتمع معه في حد ولا حقيقة إذ لا حد لذاته والإنسان محدود بحد ذاتي لا رسمي ولا لفظي وكل مخلوق على هذا الحد والإنسان أكمل المخلوقات وأجمعها من حيث نشأته ومرتبته فإذا وقفت على حقيقة هذا الميزان زال عنك ما توهمته في الصورة من أنه ذات وأنت ذات وإنك موصوف بالحي العالم وسائر الصفات وهو كذلك وتبين لك بهذا الميزان أن الصورة ليس المراد بها هذا ولهذا جمع في صورة واحدة خَلَقَ الْإِنْسانَ ووَضَعَ الْمِيزانَ وأمرك أن تقيمه من غير طغيان ولا خسران وما له إقامة إلا على حد ما ذكرت لك فإنه الله الخالق وأنت العبد المخلوق وكيف للصنعة أن تكون تعلم صانعها وإنما تطلب الصنعة من الصانع صورة علمه بها لا صورة ذاته وأنت صنعة خالقك فصورتك مطابقة لصورة علمه بك وهكذا كل مخلوق ولو لم يكن الأمر كذلك وكان يجمعكما حد وحقيقة كما يجمع زيدا وعمرا لكنت أنت إلها أو يكون هو مألوها حتى يجمعكما حد واحد والأمر على خلاف ذلك فاعلم بأي ميزان تزن نفسك مع ربك ولا تعجب بنفسك واعلم أنك صنجة حديد وزن بها ياقوتة يتيمة لا أخت لها وإن اجتمعت معها في المقدار فما اجتمعت معها في القدر ولا في الذات ولا في الخاصية تعالى الله فالزم عبوديتك واعرف قدرك. ) انتهى.


  فافهم، فهذا فهمٌ عزيزٌ نفيسٌ، لا يعرفُه سوى الأفراد الغرباء الأمجاد قدّس الله سرّهم العزيز، فظهورُ الختم في الصورة الإنسانية لا يجعله محدوداً بحدّها وصورتها ومقتضيات ما جادَ به الله سبحانه على الإنسان وصورة العلم به. فهو فوق ذلك الحدّ، وليس داخلاُ في الاعتبار أنّه فرد من أفراد بني آدم. لأنّه المظهر الذاتيّ في الصورة الإنسانية، ظهرَ ليُرجع العالم لنصابه، ولم يشتهرْ في الأكوان، لأنّه فوق ذلك الحدّ من التشهير والرّتبة. ولهذا قال الشيخ الأكبر واصفا إياه "فقد زال بختمه عن رتبته".
وكذا وصفه الشيخ الجيلي وعرّفه تعاريف واضحة أنّ "لغته ليست لغة الخلق ولا محلّه محلّهم". وغير ذلك من التعريف به في مواطن مختلفة، والكتمُ الضاربُ عليه وعلى رتبته الشريفة. ولهذا أشارَ الشيخ الأكبر في قصيدته :

وحيدُ الوقتِ ليس له نظيرٌ ... فريدُ الذاتِ من بيتٍ فريدِ
لقدْ أبصرتهُ ختماً كريماً ... بمشهدِه على رغمِ الحَسُودِ
فقال : "أبصرته ختما كريما بمشهده على رغم الحسود."  

فلو كان كغيرِه ورتبته كغيرها من الرّتب، لما أشارَ إلى حسّاده والمنكرين عليه، فإنّما وقعَ الحسدُ والإنكارُ لرتبته العزيزة جداّ. وكذلك نعته في خاتمة كتابه عنقاء مغرب : بوصف السيّد الصّمد. ولعمري فإنّه لا صمد إلاّ صاحب الوجود الأحد سبحانه.

يتبع ..

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2014

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 68



 الخليفة 

إنّ مدارَ ولاية الخاتم المجذوب في آخر الزمان، تدورُ حولَ طبيعة الخلافة في هذه الدّنيا، فلمّا كان مشروع الخليفة أو كان هو الخليفة، فقد اختارته العناية لتجسيد حقيقة الصراع الدائر بين النّفس وهواها والروح وقدسيتها، والصراع بين المادة والكثافة وما له معنى الفناء والزوال وبين الروح واللّطافة وما له معنى للبقاء.

فلمّا خلق الله الخلْقَ من أجلِ أن يعرفُوه بالنّسبة المحمدية، وكان صلّى الله عليه وسلم هو الأنموذج الأمثل والكامل والمعنى الذي من أجله خلق الله الخلْق وظهر وتجلّى من عمائه سبحانه، فكان رسول الحقّ سبحانه وصاحب الإنباء والمسمّى الإنسان الكامل والأنموذج الحقّي الذي اقتفى أثره الخلْقُ.

فاحتاجَتِ الدّنيا في آخر زمانها أن يظهرَ الخليفة الذي به دارت الصراعات وتجلّت التجليّات والذي مثّل حقيقة التجلّي في جميع مظاهره ومختلف محاتده بين الأطراف المتناقضة، فظهرَ هذا المجذوبُ من نسل وذرية الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلّم وفي ذلك إشارةٌ لقول الله تعالى في محكم كتابه [إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ] [الأَحْزَاب:33]. أي أنّه يُمثِّلُ حقيقة التطهير المطلق، فكان العبد المطهّر عن الأكوان في حقيقته، وإن كانت الآية تنطبق على آل البيت في العموم، ولكن لها هذا الوجه المخصوص في الإشارة الى المطهّر عن الأكوان المهدي. فقلنا ظهر هذا المجذوب من آل البيت، إنساناً ليُجسّدََ حقيقة الخلافة في أنموذج صراعها الذي قامت عليه وصراع الأسماء في ظهور آثارها عليه، فهو السرّ الباطن الذي توجّه بتجليّات الأسماء والاتّصاف بها، فانعكستْ عليه آثارُها وهو بشَرٌ قبل خروجه من التركيب العنصريّ. ليحملَ على عاتقِه حقيقة ما تعرّض له بنو آدم جميعاً، وما عانوه من حقيقة التجلّي الإلهيّ والإنسانية في معناها الواسع والكبير الشامل بين الإنسانية في أوجها الإنساني حينما تؤيِّدُ بالرّوح الإنساني أو الروح الإلهي. لأنّهما في الأخير -أي المصطلحان: الروح الإلهيّ أو الروح الإنسانيّ- نفس المعنى ونفس الشيء من كون الإنسان هو الذي اصطفته العناية لهذا التجلّي الإلهي وهذه الخلافة الكبرى. فافهم. فقلنا بين الإنسانية في أوجها الروحي وبين الإنسانية في حضيضها البشريّ التّرابيّ، فأعطى هذا الخليفة المجذوب جميع الحقائق حقّها وتحمّلها في مسيرته، وعانى أوج الصّراع الدّائر بين المادة والنّفس المنجذبة للأرض والفناء والتلاشيّ وبين الرّوح المحلّقة في سماء التقديس، وبه أي بهذا المجذوب ظهرت الحضرات المختلفة للإنسان حضرة الإيمان والإسلام وحضرة التدجيل وحضرة البهيمية وحضرة الشيطنة ثمّ حضرة التقديس.

وليستِ تلك الصورة الدائرة للصّراع الأعظم الدّائر في زمانه سوى انعكاسٍ لما كان يمورُ في نفسه وشخصه، فأعطى صورة الإنسان وملاحمه الباطنية وانعكاسها على الأرض، ولكن أعطى ذلك بصورتها الكاملة والعليا بين الأوج والحضيض، لأنّه الخليفة وحقيقة جميع التجليّات ولأنّه سرّها وخزانة الجود والتجلّي، فكان لزاماً أن يظهرَ الصّراع محتدماً بذلك الشكل العظيم المهول الخارق. فهو زمانٌ استثنائيّ جدّاً بين فتنه الكبرى وشرّه العظيم وبين عطاء الله فيه ومضاعفة الأجر والفضل فيه للمحسن والثابت على الحقّ كما أخبرت بذلك النّصوص النبويّة الشريفة كون الفضل والأجر في عمل يمتدّ إلى خمسين من عمل الصحابة وإلى سبعين في رواية أخرى. وهو زمنٌ كذلك شملَ فترة العدل المطلق والعظيم والرّخاء الذي يحمله الخليفة عند بيعته ويقيمُ العدل في الأرض ويملأُ الأرضُ قسطا وعدلا بعدما كانت ملئت ظلما وجورا قبله.

فكان المهديّ بما يبدو ظاهراً من أفراد بني آدم، وهوكذلك في الاعتبار قبل خروجه من تركيب العنصر والمادة. ولكنّهُ في الباطن والحقيقة هو معنى خلق الله آدم على صورته، معنى الصورة حينما تتنَزَّلُ على الإنسان بذاتيتها، هو الرّوح الأعظم في مظهر الإنسانيّ فافهم، فهنا توصيفٌ يدقُّ ويجلُّ عن الفهم إذا لم يقف عليه الواقف وقفته المرادة.

فالمهديّ حتّى وهو في جذبه وتحت تأثير التركيب العنصريّ، فهو صاحب السرّ الأوّل الذاتيّ، لذلك تنعكِسُ عليه آثارُ الصورة الإلهية وآثارُ الإسم الأعظم، بتجلّي الأسماء وآثارها عليه، فهو حين جذبه مجذوبٌ من العناية كامل الجذب، ليس له اختيارٌ ولا إرادة نفسية، فأعطى التجلّي عليه الخلافة الظاهرة الرّاشدة العادلة، بقيادة الخليفة والإمام الأعلى المهدي عند بيعته وهو الرّوح الأعظم فافهم، كأنّ إمامة المهدي والخليفة في مظهره الكامل بعد البيعة والظهور هو صورة قلب المهدي المجذوب، الذي قادَ الصّراع في عرشه وهو مجذوب، وأعطى عدل الخلْق والتجليّات حقّها بالعدل والقسطاس المستقيم. خلافة عادلة منتهى العدل والخلافة الراشدة على منهاج النبوّة بما لم يدع أيّ صورة نقصٍ في أصول هذه الخلافة واركان الإمامة العليا. حتّى فتح الأمصار وفتح روما. وهي كنيسة القلب. ثمّ خروج الدجّال، وذلك صورة من صور الصّراع النّفسي عند السالك، بعد فتح دائرة القلب وكنيسة النّفس، فإنّ حقائق السّلوك تتغيّر من أرضية ظاهرية، إلى سماوية. ولأنّ المجذوب سلوكه وسيره بدأ من دائرة التركيب العنصريّ، ولأنّ جميع السلوك قام على وجود النّفس، وجميع الشرائع جاءت من أجل النّفس. جاءت لتُخرجَ الإنسان من حُكمِ نفسِه إلى دائرة قدسه، وهذا هو حقيقة التديّن. والذي أغفله التديّن المعاصر وغفل عن الحقيقة مطلقاً، في جهلٍ وتسطيح عظيمٍ عن الحقائق، وعن سرّ وجود الشرائع النبوية والرسالات السماوية. فظهر لدينا تديّن معكوس يدينُ بالمظاهر والطّقوس ومفرغ من روحه وحقيقته، والتي هي أي حقيقة التديّن هي الخروج من قيد واسر النّفس الترابية والهوى الشيطانيّ، ومخالفة الهوى والقرين بالانكسار لله سبحانه والاضطرار وتحقيق معنى وسرّ العبودية، والمظاهر قد تقومُ ولكنّها في كثيرٍ من الأحيان قد لا تقيمُ معنى العبودية المراد والخضوع الحقيقيّ لله سبحانه، الخضوع القلبيّ، وعزل النّفس الأمّارة بالسّوء.

فقلنا أنّ المجذوب، حينما وقع عليه التجلّي الأسمائيّ في جذبه، أعطى في البداية صورة الانقياد الأوّليّ وطاعة الجوارح فعدلَ وقامَ بحقّها، ثمّ عند ترقّيه بفتح دائرة القلب، فهو ما زال تحت تأثير النّفس والتركيب العنصريّ، فشاركه إذ ذاك في العروج السّماويّ وجودُ النّفس. فتأخّرََ القلبُ عن قيادِ عرشِهِ، لئلاّ تشاركَهُ النَّفسُ في قيادها وهي موجودة. فخرج حينها دجّاله، وهو النّفس الدجّالة تسعى في الأرض فساداً، وكان انعكاسها هو خروج الدجال في مرحلة حكم الخليفة العادل، لأنّ المرحلة هنا هي مرحلة عروج سماويّ بعد فتح دائرة القلب. وكان آخر معاقل الأرض والجوارح هي روما. وكونُ تجسّدتْ النَّفسُ دجّالاً يخرجُ ويفسد في الأرض ويزعُمُ الرّبوبية، ذلك أنّ الإسراء والعروج السّماوي في حقائق النّفس يأخذ منحًى أكبر، واتّساعاً في العقل والكشف.

وهذا يُعطينا صورة الإنسان، أيّ إنسان، أنَّهُ بين تأثيرين، تأثير روحه والذي يقوده نحو الرّوح والقيم السماوية والنّور والى حقيقة وجوده الأصليّ، وهو وجود الواحد الأحد لله سبحانه وتعالى، ومن جهة أخرى تحت تأثير العقل الترابيّ والنّفس. فعليك أن تفهمَ أنّ القرين ليس سوى هو أنت، نعم أنتَ في دائرة نفسك وتحت عقلك الترابيّ. لأنّك بين وعيين، الوعي الأصليّ والرّوح والضمير والوازع الديني فيك والفطرة، وعقلك المحكوم بالقلب والروح. ومن جهة أخرى وعي آخر ثانٍ نسمّيه العقل الترابيّ أو هو النّفس، نفسُك الأمّارة بالسوء. أو يُمكنُ القولُ هو أناكَ النّفسية المتشّبّتة بوجودها ووهمها الوجوديّ.

العقل الترابيّ هو العقل الذي يديرُ مصالح النّفس المجرّدة عن قيمها، يلتفتُ للمحسوس والماديّ والعاجل فقط، للهوى .. هو عقلٌ له إيجابياته لأنّه عقلٌ، يدير المعاش البشريّ، ولكنّ خطرُهُ أنّه يحكمُ بما هو محسوس وماديّ ووهمٌ وينقادُ للأنا النفسية والترابية، فسُميّ العقل الترابيّ، فهذه محاولة تحرير لهذا الاصطلاح. ولكنّنا نريدُ أن نوضّح لك معنى القرين، فهو ليس سوى نفسك، وليس سوى أنت تحت عقلك الترابيّ ووهمك الوجوديّ أو وجودك الوهميّ. لذلك كان القرينُ هو وجودك النّفسيّ والوهميّ الذي يمنعُك أن تتحرّرَ منه، لأنّه مرتبطُ بالمادة والتراب والمحسوس والظاهر، بل العاجل. وهو يُضاد حكم الرّوح وحكم القلب، والله تعالى لمّا وصف الكفّار قال في محكم كتابه :
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآن أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالهَا}. فنسب الأقفال وحقيقة التدبّر للقلب وليس للعقل. لأنّ القلب هو الحاكم والآمر، ولأنّ القلب هو الذي له نافذة إلى الرّوح وعالم الملكوت. فهو البرزخ بين عالم الملك والشهادة وبين عالم الملكوت والغيب. فوصف الله هؤلاء الذين لا يتدبّرون القرآن أنّهم على قلوبهم أقفالها، فهم لا يلتفتون إلى النافذة الملكوتية، حيث تطلُّ الرّوحُ عليهم بأنوارها وأمدادها. وحيث يتنزَّلُ عليهم نداءُ الفطرة المودعة فيهم، وحيث يدعوهم العقلُ الثابتُ للإيمان بوجود الواحد الأحد سبحانه الذي منه صدَرَ كلّ شيءٍ وكلّ موجودٍ. فكأنّهم أقفلوا قلوبهم، أو أقفلت نفوسهم قلوبهم. فعجزت العقول أن تتدبّرَ، فصارت عقولهم ترابية محضة، لا تستمع لحقائق الفطرة والروح، وتتمسَّكُ بالوهم. فيخدعُها وهمُ وجودها وتُنكرُ الحقيقة المطلقة.

ومن أجل ذلك قال سيّد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه
((أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ, وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ, أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ)). [أخرجه البخاري في الصحيح]. فمدارُ الصّلاح على القلبِ فتأمّل. لأنّ العقلَ وظيفتُه التحليل والتفكيك، ولكنّه يشتغلُ في الدوائر التي يفتحها له القلب، ويأمرُهُ أن يعمل فيها. فإذا كان القلبُ مقفلاَ غير صالحٍ، فإنّه حينها لا يشتغلُ العقلُ إلاّ في الدوائر الترابية والمادية والوهمية المتجلّية التي يوجّهها إليه القلبُ، بل يصبحُ القلبُ حينئذٍ في دائرة الحجرِ والإقفال. لأنّ العقل الترابيّ الذي يحكمُه الوهمُ يستلِمُ الحكم، ويتواطَأ مع النّفس فإذا بالغ العبدُ واستمرّ تحت دائرة الإقفال وإنكار الفطرة والرّوح. والسّعي إلى النّقيض المقابل للحقيقة ومصدر الخير والفطرة في أفعاله وأعماله وسيرته فذلك يقودُهُ في الأخير لموتِ قلبه أو إقفال قلبه بصفة نهائية، نسألُ الله العفو والعافية والسلامة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ)). متفق عليه.



فيتجسَّدُ هذا الصّرَاعُ العظيم بين الوهم والحقيقة، بين العقل التّرابيّ الموهوم وبين القلب والرّوح في الإنسان، ويتجلّى في عرش الخليفة، وفي نفس المجذوب، ولمّا كانَ قد وقع له فتح دائرة القلبِ هذا المجذوب التي تناظرُها في الأرض فتح روما أو القسطنطينية الكبرى، فإنّ النّفس قلنا تأخذ في سلوكها وعقلها ووعيها منحًى أكبر للحقائق والاتّساع الباطنيّ، فيتجلّى ذلك قوّةً مقابلةً في العقل التّرابيّ وتدبيره وقوّة الأوهام، مع زيادةً في تحرير الحقائق والمعارف عند المجذوب، فيحصُلُ عند ذاك فترة الدجّال، وهي النّفس التي تستلِمُ الجوارح والأرض، لأنّ قلبَ المجذوب قلبٌ أمينٌ لا يسلكُ إلاّ بالله تعالى في صدقٍ متفرِّدٍ من غيرِ مزاحمة للنّفس في مسعاه وسلوكه، فيحصلُ أنّ المجذوب يبقى تحت صراع العقل التّرابيّ من جهة وأوهامه القائدة للنّفس، وتحت حكمِ قلبِه الصّادق وعقله المتين في تحرير الحقائق وإدراكها. وليس هو أي المجذوب سوى رمز وحقيقة القلب الصادق الأمين، وسرّه المكنون المطهّر عن الأكوان، فيُعطي بمسيرته جميع الحضرات البشرية الإنسانية، فكان أسمُه الخليفة هو الدَّالُ على سرّه، أنّه هو الخليفة الذي به ظهرت جميع الحضرات والمحاتد، حتّى ينتهي في الأخير للعروج الأكبر، بين قوّة عقلية ترابية كبرى ونفس دجّالة، وقوّة عقلية روحية تخترقُ الحقائق إلى مثواها الأخير. وهناك يتجلّى عليه الروح القدسيّ، أي في عرشه، وهو نزول روحُ الله المسيح بن مريم في الأرض ليقتل الدجّال عند باب لدّ. وهو في السيرة الذاتية للمجذوب لقاؤه بالرّوح وعروس الحضرة. وتأييده بروح القدس أخيراً. والدجَّالُ يتجسَّدُ ظهورُه وقوّته وهيمنته في زمن الخليفة لأنّه يُمثلُ العقل التّرابيّ في الإنسان، وهو يمثل الحدّ الأعلى المتطرّف للعقل التّرابي والوهم ولا يكونُ ذلك إلاّ في حكم وقطبية المجذوب الخليفة الإنسان الذي أعطى الوجود جميعه، فافهم. ويكونُ لهذا العقل التّرابيّ ظهوراً لأنّه وقع في عرش المجذوب وجسده الترابيّ، فالمادّة والظهور كان بسببِ ذلك، ولذلك فإنّ أخطرَ زمان وأقواهُ هو فترة ما قبل ظهور المهدي الخليفة العادل، في الفساد الذي يغزو الأرض وهمينة قوى الشرّ وتحالف البغي واليهود والصّليب الحاقد والكفر المتمرّد، يقودُهم الدجَّالُ ومن خلفه إبليس وشياطينه. ثمّ يتجسَّدُ هذا الظهور صريحاً بعد حكم الخليفة العادل وفتح روما كما شرحنا انعكاساً لسيرة المجذوب، أربعين يوماً كما جاء في الحديث الشريف الصّحيح. ثمّ ينزلُ المسيح روح الله ليقدّس الأرض ويقتل الدجّال. لأنّه هو مقلوب الدجّال ومعكوسه، من كونِ الدجّال كما قلنا يُمثّل حضرة الوهم والعقل التّرابيّ فروح القُدس تمثّل إبطالَ هذا الوهم وإرجاع الأمر لله سبحانه وتعالى، ولهذا فإنّ الدجّال يذوبُ بمجرّد اقتراب المسيح روح الله منه، كما يذوبُ الوهمُ عند ظهور الحقيقة، وكما يختفي الظلام عند ظهور النّور، ولكنّ المسيح عيسى عليه السلام يقتله بحربةٍ عند باب لدّ ليطمئنَ النّاس بمشهد قتله ويزيلَ عنهم روع ما فعله هذا الدجّال من إفسادٍ في الأرض طوال تلك القرون الغابرة.



يتبع ...

الأحد، 30 نوفمبر 2014

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 67




لبسم الله ..

هناك حقائق عجيبة، لا تُدرك، لأنّ التعبير عنها يجعلها منقوصة وربّما تُسبّب ثلماً وخللا عند المتلقّي الغير مستعد لها والذي لا يملك الخلفيات التي تجعلها مقبولة عنده.

من أعظمها حقيقة الولاية، فالولاية مرتبتين. مرتبة الولاية العامة لسائر المؤمنين بالله.
ومرتبة الولاية الخاصة : وهي الولاية الكبرى ومرتبة الخلافة.

الأولى مرتبة الولاية العامة : مصداقها قول الله تعالى : {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. (البقرة-257).

المرتبة الثانية : الولاية الخاصة مصداقها قول الله تعالى : {
أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّـهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦٢﴾ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴿٦٣﴾ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّـهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٦٤﴾} (يونس).

والفرق بينهما فرقٌ عظيمٌ، كما الفرق بين التقييد والإطلاق. الأولى ولاية للعناية وإخراج المؤمن من الظلمة إلى النور فهو في طريق التحقّق والتنوير والإثبات.
الثانية هي مقام الولاية والتصريف والخلافة والحرية الكبرى.

لا شيء صدفة وعبثاً في التعبير القرآني. وللقرآن حقيقة إحصاء جميع حقائق الخلق ابد الآبدين. أحصى كلّ شيء وكلّ الحقائق وأجملها. فالقرآن هو العلم. هو كلّ العلم.
وهو علمٌ غير منتهٍ وغير نافد، بل مطلق ولانهائي .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يأتي القرآن الكريم يوم القيامة بكرا كأن لم يمس". وهو ذاتُ التعبير الوارد في كلام الخضر عليه السلام لمّا قال لسيدنا موسى عليه السلام "ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر".

فما أردناهُ هنا أنّ لفظة الوليّ هي صفة الله تعالى سبحانه، وهي التصريف والتدبير والملك. وتسمية الخلفاء بمسمّى الأولياء والوليّ في القرآن الكريم، هو ذاتُ المعنى المراد في قوله صلّى الله عليه وسلّم "خلق الله آدم على صورته". فبالولاية صحّت للإنسان هذه المرتبة وهذه الصورة. فافهم. وهي أي الصورة مقرونة بالولاية بمعناها الخاصّ المراد في المرتبة الخاصة الثانية فنقول فلان "وليّ الله". فهو المتحقّق بالصورة الإلهية المعنوية. وهو ذات المعنى المراد في الحديث القدسي الصحيح "من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ..". والحديث القدسي وضع أوصاف الوليّ بدقّة وهي مرتبة الفناء في الله سبحانه والبقاء به : "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ".

فإذا فهمتَ ذلك، فهماً عاما على الأقلّ، فهمتَ لماذا كان خاتم الولاية هو صاحبُ مسمّى الوليّ بالأصالة. كان وليا وآدم منجدل بين الماء والطين.

فجميع الأولياء والعباد ما صحّت لهم الولاية التصريفية إلاّ بتحقيق شروط الولاية والاتّصاف بحقائقها، بالخروج عن دائرة الأكوان، والتحرّر من رقّ العنصر والطين، ليعودوا الى مقام الروح الخالص، هناك يصبحوا في مقام الولاية. إلاّ الخاتم الوليّ فولايته متحقّقة حتّى وهو في دائرة الأكوان وتحت التركيب العنصري.وذلك يحتاجُ ربّما الى توضيح يُقرِّبُ المعنى والفهم.

وهذا الذي لا يُدركُ إلاّ لعارفٍ بالله يعرف معنى الولاية ومقامها وفلكها، وهو أعلى فلك وأعلى دائرة. فهي فوق النبوّة. عند تجريد الدوائر. ولا نقصِدُ أنّ الأولياء أفضل من الأنبياء عليهم السلام، بل نحن نتحدّث أنّ الولاية هي آخر الدوائر التحققية وهي التي تعطي التحقّق بالصورة الإلهية التي أهّل الله لها الإنسان. وإلاّ فالأنبياء وقفوا على سواحل بحر الولاية بما عصمهم به الله تعالى وعلّمهم العلم الثابت وكانوا المعلّمين وكانوا القدوات في برور التخلّق والتحقّق الصفاتي. لذلك كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو سيّد المتحقّقين وسيّد الأوّلين والآخرين. فكان الوليّ المقرّب وكان النبيّ الخاتم. لأنَّهُ أوَّلُ مخلوقٍ حصّلََ الكمالات والصفات الإلهية فكان الواسطة بين الحقّ سبحانه والخلق، بل كانَ المقصودَ من الخلْق وكان الأنموذج الذي به الله ظهر سبحانه.
فقلنا لا نعني بعلوّ وفوقية فلك الولاية الأفضلية، بل في التحقيق أفضلية الأنبياء محقّقة في الأكوان، إلاّ أنّ آخر وأعلى الشرف الإنساني هو الولاية في التحقيق. لأنّها مقام الحرية والإطلاق والصورة الإلهية المقصودة، ومقام المعرفة التي خلق الله لها الإنسان.

ونُضيفُ أنّ الله سبحانه لم يخلق الإنسان للمنافسة والتفضيل والحساسية بين أفراده، بل لا موجود سبحانه سواه، وكان الوصول إليه هو ارتفاع تلك الحساسيات التي ليس لها معنى في بحر الإطلاق. فليس ثمّة سوى الحرية. ومن هنا كان الأولياء والأنبياء هم الأصفياء، أي أهل الصفاء والنقاء من تلك الحساسيات. ليس هناك عند الله تعالى إلاّ الرحمة والحرية والصفاء والإطلاق.
فخلق الله الخلْق ليذوقوا تلك النّعم وتلك الرحمة ويشهدوا ما خلق وأبدع وما سوّى وقدّر سبحانه وصوّر. فخلَق الإنسان واصطفاهُ بالصورة والخلافة.

وعودةً لتحرير معنى كونِ الوليّ الخاتم كان وليا وآدم بين الماء والطين كما هي نبوّة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلّم، فالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو النبيّ الأصاليّ والخاتم الذي استحقّ لفظة ومسمّى النبيّ بالأصالة، فهو صاحبُ مقامُ الإنباء ومقام التعريف بالله سبحانه والواسطة إليه والنسبة بين الخلق والحقّ، فكان النبيّ بالأصالة وما سواه من الأنبياء نبوّتهم مشتقّة ومقتبسة من نبوّة خاتم الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام. كان الله في عمائه وليس معه شيء. كما جاء في الحديث الشريف الحسن عن
أبي رزين العقيلي رضي الله عنه قال: ((أين كان ربنا تبارك وتعالى قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: كان في عماء، ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق العرش ثم استوى عليه)) رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي، وصححه الترمذي في موضع، وحسنه في موضع، وحسنه الذهبي.
فلمّا أراد التجلّي سبحانه خلق نسبة وبرزخاً هو برزخُ الإنباء والرّحمة، به رحم الخلْق بظهورهم من العماء إلى الوجود، وفي الحديث ثمّ خلق العرش ثمّ استوى عليه، أي خلق العرش عرش الموجودات واستوى عليه بالنسبة الرحمانية، أي أنّ الخلقية والحوادث بدأت بالنسبة الرحمانية والبرزخ الرحماني المحمدي لذلك قال الله تعالى {الرّحمن على العرش استوى}. وصاحبُ هذا المقام والنسبة هو نبيّ الأنبياء عليه الصلاة والسلام. فكان برزخاً بين بحر القدم وبحر الحدوث، وكانَ النّسبة الذي به بدأت الحياة الخلقية والزمان والمكان. فهذا هو معنى النبوّة تحقيقاً، وهو مختصّ بالنبي الخاتم صلى الله عليه وسلّم الذي منه بدأ الخلق. وسائر الخلْق به ظهروا فهو القاسم لما أعطى الله تعالى. كما قال صلى الله عليه وسلم "إنّما أنا القاسم والله هو المعطي". أي هو القاسم لما كان في عماء الله سبحانه. أمّا الولاية فهي أعلى من النبوّة، لأنّها تختصُّ بمقام التّصريف والعطاء من بحر العماء. فافهم.
الولاية وجهتها للحقّ سبحانه، مقامُها سرّ الألوهية، والنبوّة وجهتها للخلق، فهي القاسمة من بحر العماء والحقّ سبحانه إلى كون الخلق والحوادث.
وهنا أشكلَ العلم والعرفان على الكثيرين، في التفريق بين المحمدية والأحمدية، فالمحمدية هي النبوّة ووجهتها الى الخلق والحوادث، والأحمدية هي الولاية ووجهتها الى الحقّ سبحانه وبحر القدم. والنبيّ الخاتم صلى الله عليه وسلّم كان العبد البرزخ بين النبوّة والولاية، والجامع بين المحمدية والأحمدية، لأنّه العبد القاسم والفاتح للوجود. فهو محمّد النبيّ وهو أحمد الوليّ. وبالأحمدية والولاية نال صلى الله عليه وسلّم المقام المحمود. كونه أوّل عبد ومخلوق وسائر الأولياء والأنبياء ساروا على قدمه. إلاّ أنّ الوليّ بالأصالة وأحمد بالأصالة هو خاتم الولاية. وهذا معنى قولنا كان وليا وآدم بين الماء والطين. فأحمد هو المهدي. وليس هو سوى الحقّ سبحانه. فافهم. لأنّ صاحب العماء هو الوليّ المتصرّف ذو الملك سبحانه. هو الوليّ بالأصالة هو الله سبحانه

{وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} (الشورى28). {أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحي الموتى وهو على كل شيء قدير} (الشورى الآية 9).
وقولنا كان وليا بالأصالة وآدم بين الماء والطين، أي أنّ ولايته متحقّقة وهو في تركيبه العنصريّ وقبل خروجه الى الإطلاق. أي أنّه متصرِّفٌ في الكون بطبيعة رتبته حتى وهو في دائرة التركيب العنصريّ. لذلك كان الحديث عن الختم المجذوب. حينما تكلّمنا عن الختم المجذوب وحينما تكلّم عنه الشيخ الأكبر والشيخ الترمذي في كتابه ختم الأولياء، وهو لم يتكلّم سوى عن المجذوب.

لأنّ الجذب والتركيب العنصريّ هو آية وحجّة الختم، كونُه صاحب الرتبة الذاتية والولاية الأصالية، فسرُّهُ جعله كذلك. وهو الذي جعله وأهّله أن يعودَ بالأكوان من ظلمتها وتدجيلها وفسادها وانحرافها عن الفطرة إلى روحها وصلاحها وقدسيتها. سرّهُ الذاتيّ.

فجميعُ الأولياء يتصرّفون بشرط تحقيق شرائط الولاية، وذلك بعد خروجهم عن الأكوان، وهناك كان الأقطاب يتصرّفون بالنيابة عن الله سبحانه فهم خلفاؤه. إلاّ الختم المجذوب في آخر الزمان، يأتي ويستلم القطبية قبل خروجه عن الأكوان برتبته ومن غير قصدٍ منه، لأنَّهُ عينُ الروح الأعظم الذي كان في العماء ربّاً، وظهرت به الأعيان العلمية والمخلوقات. فيكونُ عرشُه وجسمه هو العرش الكلّي للمخلوقات، لأنّه الروح الأعظم، ولكن من غير إدراك لحقيقته في البداية وهناك يبدأ إسراؤه من دائره نفسه إلى حضرة قدسه، بسذاجته الذاتية وعفويته ورتبته الطبيعية المنطوية فيه وسرّه المكنون. فهو ليس بظلّ بينما سائرُ العباد عروشهم ظلالية، فحين فنائهم تهوي عروشهم الترابية وينالون الخلافة على العرش الكلّي وتصحُّ لهم رتبة الوليّ والمتصرّف، بينما الختم المجذوب، فهو صاحبُ العرش والأكوان ..فإذا جاءَ انعكست سلوكياته ونفسه على الكون، وهو في طريق التحقيق قبل الخروج من الترابية والعنصرية والأكوان. لأنَّهُ في جذبه وفي طور تركيبه العنصريّ، يكونُ عاكساً للظاهر والخلق، والقوالب الخلقية. طبعاً يكونُ عاكساً للدائرة الخلقية والعنصرية في الأكوان ممثّلاً لها، وفي نفس الوقتِ إسراؤه يمنحه الشهود والعلم والذوق في حقائق الذات من غير شهود منه وعلم كما هو العلم الكشفيّ المحيط والتفصيليّ والشهود العياني، فهو المشاهد والغير المشاهد والعالم والغير العالم والذائق بحكم سرّه الذاتيّ. فيرتقي في العلم على حسبِ إسرائه في الحقائق وتكشّفها له.

ومن هنا ربّما نفهمُ لماذا كانت حربُ إبليس وحليفه الدجّال وأعوانهم على الخليفة، على المجذوب، طمعاً أن يستولوا على الدّنيا من خلاله، لأنّ نفسه هي مرآة العرش. ولهذا في عقود قليلة جدا تحدثُ تلك القفزات العلمية والتواصلية والتكنولوجية والمادية والحضارية الكبرى، لأنّها فترة الختم المجذوب قبل كماله وخروجه من تركيبه العنصري ومادته. فيحدثُ أن تتواصل المادة تواصلاً لم يسبق له مثيل من قبل، لأنّها فترة الخليفة. فافهم. أي لأنّ العرش صارَ تحت حكم جسد المجذوب، جسد واحدٍ. والمجذوب يحكمُ عرشه كغيره بالروح والعنصر، لم ينسلخ من ترابيته وتركيبه العنصري وتأثير النّفس فيه. فتقوى المادة وحكمُها في زمنه في آخر الزمان قبل فنائه وخروجه من دائرة الأكوان. أي ما يقارب نحو أربعين سنة.

ويستغلُّ هذا المتاح إبليس والدجّال الكذاب. ويُجنُّ جنونهما ويطيشُ لبّهما أن يريا طموحهما يتجسّد منه شيئاً من السيطرة على الأكوان من خلال المادة، عبر نفس المجذوب. ويزدادُ الحسدُ والحقد المنفوث فيهما، وإبليس حاسد حاقد كما جاء في القرآن الكريم، لمّا تكبّر واستعلى وقال أنا خيرٌ منه خلقته من طين وخلقتني من نار. يقصدُ آدم، ويريدُ الخليفة الإنسان. وتلك إرادةُ الله تعالى سبحانه في الأكوان. قضتْ أن يحدث الصّراع بين المادة والنّفس المسجونة في سجون المادة والتراب، وبين الروح التي إليها الأمرُ والمبدأ. وكان إبليس هو روحُ المادّة وروح الشرّ وروح الأنا القاصرة في الأكوان، لأنّ الله خلق الإنسان على الصورة، وهذه الخلقية والنّفس هي في الحقيقة مخلوقة من الرّبوبة والكبرياء، فهي الباعثة لكلّ إنسان على أناهُ أن يتشبّثَ بكبريائه وأناهُ وما هو متاح لديه، فهي الهوى في النّفس الدّاعي لكلّ حظّ دنيوي ونفسيّ وماديّ وشهوة قريبة متاحة وما يقيمُ الأنا ويثبِّتُه، وفي المقابل هناك الرّوح والصورة التي أهّل الله لها الإنسان، أن يعودَ إليها بإسقاطه التراب والهوى النّفسيّ ودعوى الكبر والرّبوبة. ويعودَ إلى صورته المطلقة التي أرادها الله له وهي الصورة المحمدية الكاملة، والروح الخالص والحرية الكبرى.

فقلنا المادة تطلبُ الأنا والرّبوبة من خلال النّفس البشرية والترابية المعجونة بالطين والمادة المنفوخ فيها ربوبة الربّ سبحانه. وتتجسَّدُ هذه الأنا والظلمة والوهم في إبليس كشيطان وجان حاسد وذريّته التي تسعى في الأرض فساداً وإغواءً وتضليلاً، وتتجسَّدُ في الدجّال الأعور في عالم الكثافة والمادة، وهو بشر مغبونٌ مستدرجٌ مخدوعٌ من إبليس يخدعه أن ينالَ بتلك الخوارق والمادة ودائرتها ما يتوّهمه قدرةً. وهي قدرة وخوارق مدجّلة مادية مبنية على الأسباب وقوانين المادة التي خلقها الله سبحانه وقدّرها تقديراً سبحانه، فيُدجِّلُ بها على النّاس ويزعُمُ الرّبوبية بالتدجيل. لأنّ الله ضربَ على قلبه وأقفله فهو لا يرى ولا يعقل، في غفلة كبرى وحماقة عظمى وفتنة قصوى تدعمُها المادة وأسبابها التي أقامها الخالق سبحانه. استوجبَت هذا الأمرَ حكمتُه سبحانه في خلقه وما ذكرناهُ عن طبيعة النفس البشرية المخلوقة من الرّبوبة والصّراع المقضيّ في هذه الدنيا وهذه الدار الفانية بين النّور والظلمة، والروح والمادة. لذلك قال الله تعالى في الحديث القدسيّ ((الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما قصمته ولا أبالي)). وقال صلى الله عليه وسلم ((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)). لأنّ الكبر هو المانع للعبودية التي هي حقيقة العبد والمخلوق ومنتهاه. فالكبر لايليقُ بمن حقيقته العدم، والصورة الإلهية ما كان ليتحقّق بها العبد إلاّ بعودته لحقيقته الأولى وهي وجود الواحد الأحد المعبود سبحانه، وهناك يشهدُ بالله سبحانه. ومن هنا نفهمُ أنّ الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم نالَ منتهى الكمالات الإلهية بالعبودية الخالصة والعبدية المحضة فقال الله تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. الإسراء-1. قال : عبده. وكذلك وصفه في سورة الكهف بتلك العبدية فقال {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب}. وهي نفس صفة المهدي لأنّ الآيتين في الإسراء والكهف تنطبقان على المهدي، بعبديته وإسرائه ونزول الكتاب عليه. فهو صاحب الكتاب. نزل عليه الكتاب، فهو الرّوح الأعظم، أي كتاب العماء وبحر الهيولى الذي منه تتخلَّقُ الخلائق والأشياء، فهو الكاتب والرَّاقمُ بمادته الذاتية جميع الحقائق الخلقية والحقية. وعبدية المهدي لأنّه الذي أظهر هذه المرتبة ورقمها وفطرها ليتحقّق بها العباد، فافهم فهو العبدُ المحض في مقام العبدية والعبودية وهو الربّ في مقام الربوبية. فمنه ظهر كلّ شيء، وهو صاحبُ الأضداد. ولذلك وصفَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين السؤال أين كان ربنا قبل الخلق، فقال : كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء. أي ما كان هناك تمايزٌ في الحقائق والأشياء، ما ثمّة هناك علوّ وسفل، لأنّها كلّها ترجع إلى الواحد الأحد سبحانه، وفي العماء مثاله كدواة الحبر، اجتمعت فيها كل المعاني والكلمات والحروف ولكنّها لم تتمايز فهي حبرٌ واحد، لا يقالُ حبرٌ أفضل من حبر في الدواة، فكلّ المعاني فيه واحدة ومادتها واحدة، فلمّا برزت الحروف والكلمات في القرطاس، ظهرت المعاني بها، فتمايزت هناك الكلمات والحروف بمعانيها ومداليلها، فبروزها في القرطاس حروفا وكلمات هو عالم الكون والحدوث، وعدم تمايزها في الدواة قبل بروزها هو عالم العماء. فافهم. فهذا مثال توضيحيّ لمعنى العماء، الذي وصفه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. ومن هنا كان المجذوب جامعاً للأضداد ليدلَّ على تلك الوحدة الجامعة كما هو الأصل، وهو الأصلُ بسرّه.

فقلنا كان المهدي عبداً محضاً لأنّه هو حقيقة الربّ والعبد كما سبق أن اقتبسنا من أكابر العارفين بالله كالجيلي الذي قال
(واعلم : أنّ قولنا الحق والخلق، والرب والعبد انمّا هو ترتيب حكمي نسبي لذات واحدة كل ذلك لا يستوفي معناها) اه. وهذه الذات هي المهدي الوليّ الخاتم. فكان هو صاحب الكتاب هو الروح الأعظم الذي منه تتخلّقُ الاشياء.  والنبيّ الخاتم صلى الله عليه وسلم نزل عليه القرآن، أي هو القارئ لذلك الكتاب، والقاسمُ لما فيه على الخلق. وكذلك كلّ وليّ كاملٍ تحصلُ له الوراثة بنزول القرآن. إذ قال الله تعالى {الرّحمن علّم القرآن}. فبالقرآن والطهارة من الأكوان يحصلُ للعبد ثمرة مسّ الكتاب والإنفاق من رزقه والتصرّف فيه. فالخلاصة أنّ مقام العبدية هو آخر التحقّقات التي بها ينالُ العبدُ مقام الختمية والولاية والحمد، لأنّها إعلان الفناء في الخالق سبحانه. ولهذا كان اسمُ الختم المهدي عبد الله. وهو إسم جميع عباد الله المتحقّقين بالإسم الأعظم. من كونِ الألوهية تقتضي تلك الثنائية والشطرية بين الحقّ والخلق. فالخلق نتاج تجليّات الحقّ سبحانه وآثار أسمائه وصفاته. والخليفة هو خليفة الحقّ سبحانه، وراقمُ ما به ظهروا فهو الأَولى برقمِ الحقيقة الأولى التي خلق الله لها الخلق، فكان اسمُه عبد الله، فهو العبد المحض وهو الربّ المطلق. هو الرّوح الأعظم. سمّي الخليفة، لأنّ الله فوق القوالب التشبيهية والمظاهر التحيّزية، فكان الخليفة والوليّ خليفة الإطلاق والحقّ سبحانه والمظهر الذاتيّ.

فاحتدام الصّراع بين المادة والروح، يتجسَّدُ أكثر ما يتجسّد في زمن الخليفة، وفي عرش الخليفة وهو مجذوب، فأجرى الله ما أجراهُ عليه، ليُشهِدَ أولياءه وملائكته وخلقه حجّة هذا الخليفة وسرّه، فبسرّ هذا المجذوب الذاتيّ، المكنون فيه، يطوي ذلك الصّراع العظيم الذي لا يقدِرُ عليه أحدٌ، حينما يستولي الشيطان والدجال على مجموع الأرض، وغزو النّفس بكلّ ما يملكانه ويقدران عليه، فتتلاشى خدعهما وحيلهما أمام هذا المجذوب، ويظهرُ الفرقُ بين الدجل والباطل والوهم وبين الحقيقة والحقّ والثابت. ليزولُ وهم الدجّال وحمقُهُ وحسد الشيطان ونفثُه وهو يرى العبد الذاتيّ في عزّ عجزه وضعفه يتولّى أمر العرش والكون فينعكِسُ به على الدّنيا من غير قصدٍ منه ولا طلب، بل اصطفاءٌ من الله سبحانه، وسرّ مكنونٌ فيه أنّه هو الذي بمادته الذاتية وسرّه المكنون رقَمَ تلك الحقائق والخلائق، فتنعكِسَ مراحلُه على الكون والأرض، ويجمعُ المجذوبُ كما سبق الإشارة بين الأضداد فهو في دائرة النّفس والتركيب العنصريّ وتأثيره من جهة وهو من جهةٍ أخرى سارٍ بالعلم والعقل والنّفوذ والذوق في أسرار الكون والوجود وحقائقه وأسرار المكوّن، وهي أسرار غيبية لا تحصُلُ إلاّ لمن لهُ قدَمٌ هناك في تلك المراتب والغيوب، فدلّ على قدمِه الرّاسخ وسرّه الجامع. فهو الوليّ صاحب الذات الساذج ومادته هي مادة الكون والخلائق والحقائق، وكان قلبُ النبيّ صلى الله عليه وسلّم أمّياً بهذا الاعتبار، ليكونَ قابلاً لشهود الذات الساذج فيشهد بالصورة الإلهية بالله تعالى، وكذلك كلّ قلبٍ أمّي هو قلبُ وليّ من أولياء الله تعالى، {
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } (الجمعة-2). فللآية هذا الوجه الباطن كما لها وجهها الظاهر في المعنى، من كون الأميين هم العرب في زمنه صلّى الله عليه وسلّم، وهم في الوجه الباطن أهل الولاية والاجتباء الذين تمّ لهم الرّجوع إلى الصورة المحمدية بتلك الأمّية التي أهلتهم لشهود الذات الساذج والتحقّق بالختمية. والوليّ الخليفة قلبُهُ هو السرّ الأول والذات الساذج الذي منه تجلّت مادة الكون ومادة التجلّي. فهو السرّ الأحديّ والذاتيّ. هو فوق الاعتبار الخلقيّ هو الرّوح الأعظم.

يتبع ..



الأحد، 7 سبتمبر 2014

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 66

                       

 - 66 -

لبسم الله الرحمن الرحيم

سألني بعضهم عن معنى تجلّي الله في النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم بالصفات، وتجلّيه في المهدي بالذات.

أقولُ هي مراتب ومسمّيات فقط، إذ لا موجود سواهُ وحده لا شريك له لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم الذي قام به الوجود جميعاً. فتجلّى سبحانه في الوجود والموجودات والكائنات وتسمّى بها اعتباراً فظهرت أسماؤها ومراتبها، وقضى ظهوره وتجلّيه في خلقه، فالله سبحانه متعالٍ عن إدراكنا في أحديّته، فهو الواحدُ الأحدُ لا غير معه ولا شيء سواه موجوداً.

فلولا الحقّ ما كان خلق، ولولا الخلق ما ظهر الحقّ سبحانه، وما عرفه العارفون ولا تعرّف إليه خلقُه سبحانه. فهذا هو التوحيد والتفريد.

الله سبحانه تعرّف إلينا بمظاهر وقوالب تشبيهية ونورانية وتجلّى لنا فيها، فغطس الغاطسون أولو العلم وأربابُ التحقيق في بحر عرفانه وبحر وجوده وبحر توحيده سبحانه فلمّا بلغوا منتهيات العلم والتفريد والتقديس عادوا وليس معهم سوى ما كان معهم، عادوا بالجهل والعجز والحيرة، رغم منتهى العلم الذي توّجهم به الله سبحانه، فشهدوهُ في خلقه، وعرفوا آثار أسمائه وصفاته في خلقه.

فقولنا كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو مظهر الأسماء والصفات، هي رتبةٌ أظهرها اللهُ تدلُّ على تجلّيه من عمائه إلى خلقه وعالم حكمته، رتبةٌ أقامَ عليها أنموذج توحيده وحقيقة شهوده، ليتعرّفَ بها عليه الإنسان الذي جعله الله سرّ هذا الوجود، ووهبه الخلافة فيشهدَ بالله هذا الوجود وهذا الجمال وهذا الكمال وهذه العظمة الغير المتناهية له سبحانه.

نعم .. الله اصطفى الإنسان اصطفاءاً عظيماً، ووهبه الخلافة، والخلافة هي كون الإنسان مخلوق على الصورة، أي ليشهد بالله ويسمع بالله ويرى بالله ما صنع الله وما أبدعه الله وما خلق الله من عجائب وكائنات، ومخلوقات لا تتناهى تدلُّ على عظمته سبحانه.

فلمّا خلق اللهُ الإنسانَ لهذا السرّ العظيم المعظّم، قدّرَ له مراتبَ يترقّى بها الى تلك الرّتبة وتلك المعرفة وتلك الصورة. فجعل رتبة سيّد الوجود ومفتاح باب الشهود سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم هي بابُ هذه الصورة الأوّلية "خلق الله آدم على صورته". كان اللهُ في غياهب غيبه، فخلق روح النبيّ صلّى الله عليه سلّم ونوره، من نور ذاته، وجعله الصورة الكمالية الصفاتية، التي رحم الله بها الوجود والكائنات، فإنّ رتبته صلّى الله عليه وسلّم هي أسعد السّعادات وأكبر البشارات وغاية الحفاوات، فعرّفتنا بالله تعالى أنّه سبحانه ما خلق الخلق إلاّ برحمته، فيالها من بشارة عظمى، فقرَنَ رتبة الصفات التي منها تجلّى الخلقُ، باسمه الرّحمن، وسمّى محلّ الولادة حيث يتخلَّقُ المولود والمخلوق رحِماً، فمن ذلك الرحِمِ يولد المولود للحياة ويرى نور الوجود، فجعله أشرفَ أسمائه بعد اسمه ذاته "الله"، اسمه الرّحمن وقد تشكّل من الرحم : ن. قال سبحانه على لسان ملائكته بل المقرّبين من ملائكته حملة العرش ومن حولهم :
{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ.} غافر-7.
فقالوا ربنا وسعت كلّ شيء رحمة وعلما. فقدّموا الرحمة على العلم، دلالةً على كونِ الخلق بدأ من الرحمة، وحيثُ الخلْقُ يقتضي معه مسير المخلوق ومصيره بالأقدار المقدّرة عليه في الآزال. فتفهمُ حينها أنّ العلمَ يتلو الرّحمة، فالعلمُ رافقَ الرّحمة في أقدار المخلوقات جميعاً، كما قال الشيخ الاكبر ابن عربي في الفتوحات ما ثمّة بابٌ يفتحُ إلاّ بالرّحمة. فجميعُ الأقضية والأقدار تجلّتْ على مسارِ الرّحمة. فالخلْقُ مبدؤهم الرّحمة ونهايتُهم الرّحمة في نهاية الآباد. فثمّة رحمة رحيمية ظهرتْ ظاهراً، وهناك رحمة تأديبية بطنتْ. ومن هنا تفهم الفرق بين اسم الرّحمن الذي وسع الخلق جميعاً رحمةً ظاهرةً وباطنةً، فتقدّرتْ به الأقدارُ ورافقها العلمُ، حيثُ العلمُ يصحبُ الأقدار والتجليّات مهما تنوّعت. وبين اسم الرّحيم الذي كان رحمةً خالصة. وتفهَمُ معنى قوله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم. فباسم الله تجلّت البداية بشهودِ الأحدية والواحدية، ثمّ باسم الرحمن تفرّعت الموجودات وظهرت الدائرة الوجودية المفصولة بوترها الوهميّ بين الشقّ الحقّي والشقّ الخلقيّ، ثمّ باسمه الرّحيم عادتْ الموجودات من دائرة الخلق وشهود الشّقاء الوهميّ إلى دائرة المُنعم الموجد سبحانه. وعادت الى شهود صورتها التي خلقت عليها. وهي صورة الخالق سبحانه الواحد الأحد.

إنّ الله سبحانه خلق الخلق فأبدعهم وخلَق العالم وصوَّرهُ ونسجه، ونسج أقدارهُ وتطوّرَهُ، ثمّ جعل على هذا العالم سيّداً، يعودُ العالمُ إليهِ، وجعل هذا السيّد والمخلوق اختصاراً يعودُ إليه جميعُ ما في العالمَ، روحاً ومادةً، فكان هذا المخلوق هو الإنسان، فأنشأهُ الله سبحانه مخلوقاً يختصِرُ العالم فيه جميعه بجميع عوالمه، وتلك هي حقيقة الصورة المعنية في قوله صلّى الله عليه وسلّم "خلق الله آدم على صورته". وهي الصورة الروحية الشهودية التي بها يشهدُ الإنسانُ جميع ما في العالم، ويتصرَّفُ فيه بإذن الله تعالى. بل يتصرّف في العالم بالله تعالى حين عودته الى شهود صورته التي يرجعُ إليها، فتنمحق الهوية المقيّدة للإنسان، وتتجلّى الهوية المطلقة، التي هي هوية الله تعالى. فلا يُصبِحُ العبدُ إلاّ عبد الله الباقي بالله، المقدّسة ذاته وسرّه. وهذه هي حقيقة الخلافة والصورة.

وجعل الله العوالم برازخ ومسمّيات ومراتب. فكانت رتبة الهوّ حيث التعالي عن التجليّات والتشبيه وهو الذات الساذج، ثمّ رتبة الرّوح الذي تجلّى الله فيه بذاته وهو الكتاب الذي أحصى الله فيه كلّ شيء، وهي مرتبة الألوهية. فكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو رتبة الإنسان الكامل الذي تحقّق بالرّوح  وعبّر عن صفات الله الكمالية وأسمائه المقدّسة، بصفته المخلوق الأوّل، وبصفته محلّ التجلّي الأقدَس، وبصفته الرّوح والنور الأوّل الذي خلق الله منه كلّ شيءٍ. وهو المسمّى الحقيقة المحمديّة، لأنّها حقيقتُه صلّى الله عليه وسلّم. فكان العبد الأكمل الكامل المثاليّ، جمّله الله سبحانه بالكمال الخلُقيّ الصفاتيّ والكمال الخلْقيّ الشمائليّ، فهو أجمل مخلوقٍ، أجملُ إنسانٍ في شمائله وخلقته صلّى الله عليه وسلّم. وكلّ خلّة وخلقة لها تناسبٌ وارتباطٌ بالخلُق المقابل لها. فكانت شمائله معتدلة غاية الاعتدال، متناسقة غاية التناسق صلوات الله وسلامه عليه. فرتبته الوجودية هي سيّد الوجود، والإنسان الكامل، والعبد الكامل المُسّمى عبد الله وأحمد. محمّد في توجّهه الخلْقي وأحمد في تحقّقه الحقّي. وخصّه الله سبحانه بالصلاة عليه، فهو العبدُ الذي يتلقّى تجليّات الله سبحانه، ومنه تًُقسَمُ تلك التجلّيات والعطايا الإلهية على الخلق والعباد جميعاً، فهو كما قال "
وَاللَّهُ الْمُعْطِي، وَأَنَا الْقَاسِمُ" متفق عليه. فهو القاسم لما أعطى الله، وهو المفيض لما فاض به عليه الله سبحانه، فهو العبد الأوّل. في مقامِ العبودية والكمال الإنسانيّ. فمن مشكاته صلّى الله عليه وسلّم يقعُ مقامُ الإنباء، فالأنبياء والرسل جميعا عليه وعليهم الصلاة والسلام منه يقتبسون، وبه يشهدون. ومن دونهم من الأولياء كذلك.
ولكن من مشكاة النبوّة والرّحمانية حيث الرّوح والتوجّه الخلقيّ، أمّا مشكاة الولاية والتصرّف والتنزّه عن التجلّي، فيقعُ الشهودُ من مشكاة خاتم الولاية، الذي إليه يرجعُ كلّ شيءٍ. فقوله صلّى الله عليه وسلّم " خلق الله آدم على صورته". فهنا الصورة والمشكاة هي الإسم الله سبحانه، ولا يقعُ التحقّق بهذه الصّورة والمشكاة إلاّ بختمها ختم الولاية، فبه يشهدون ما يشهدون بالصورة. أمّا المشكاة الأولى التي تكونُ من ختم النبوّة فهي مشكاة النبوّة والرّحمانية حيث قال صلّى الله عليه وسلّم "خلق الله آدم على صورة الرحمن". فتلك هي مشكاة النبيّ الخاتم، وهي مشكاة النبوّة والتوجّه الخلقيّ، أمّا مشكاة الإسم الأعظم والولاية الكبرى فهي مشكاة الخاتم الوليّ.
وعليه فجميع الأولياء، وأخصّ هنا الأفراد منهم ومن خرج  عن دائرة الأكوان، وتحقّق برتبة الختمية فيشهدُ ما يشهدُه على صورة الله سبحانه بمشكاة الختمية، ختمية الخاتم.
إذ لا موجود على التحقيق سواه، فكانت تلك مراتبٌ شهودية تحقّقية، ونماذج، فكانت المشكاة الأولى التي يكونُ بها العبدُ متحقّقا بالإسم الأعظم هي صورة الختم، خلق الله آدم على صورته. وهي صورة الخليفة. وقد قال سبحانه وتعالى " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير". فنزّه المثل، وهو الإنسان المخلوق على الصورة حين يعودُ إلى حقيقته وصورته الأولى، يُصبحُ منزّهاً عن التجلّي، أمّياً فوق القوالب التشبيهية والتمثيلية، قابلاً لجميع التجليّات الإلهية الغير المتناهية. فقال ليس كمثله شيء. وذلك يوافق الحديث القدسيّ القائل
(( عبدي أطعني تكن مثلي ، تقل للشيء كن فيكون ))

فتفهمُ أنّه لا موجود سواه، والعبدُ حين يرجِعُ إلى مولاه وحقيقته الأولى، وهي العدمُ، فلا يبقى إلاّ الموجود الواحد المعبود. قال الله سبحانه وتعالى "إنّا لله وإنّا إليه راجعون". وأنّ إلى ربّك المنتهى". فرجوعنا إلى الله سبحانه، وهذا الرّجوع هو في الحقيقة تحقّق بمشكاة خاتم الولاية. فكما كانت رتبة الرحمانية ورسالة الرحمة الى الوجود ورتبة الكمال الصفاتي والأسمائي متمثّلةً في سيّد الوجود صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، فكذلك رتبة الإسم الأعظم الله ترجع إلى العبد المحض والوليّ المحض المهدي عليه السلام خاتم الولاية. هو المسمّى الحقّ سبحانه، هو المظهر الإنسانيّ الذاتيّ الأصاليّ لله سبحانه. وسائرُ الخلفاء والأولياء الأفراد الأختام هم ليسو سوى هذا الخاتم في مظاهرهم الإنسانية وصورهم وأشكالهم. بما فيهم النبيّ الخاتم صلّى الله عليه وسلّم.ولكنّهم أختام، إذ لا موجود إلاّ هو .. فقد صاروا الى رتبة الهوية حيث التنزيه عن كلّ شيء. فافهم.
فكما كان لرتبة البقاء الذاتي والإنباء مظهر هو خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام. فكذلك رتبة الهو والذات، حيث الرّوح الذي يظهرُ فيه الله بذاته، هو هذا الرّوح وهذا الخليفة المهدي إليه يرجعُ كلّ شيءٍ. وهو المظهر الأصاليّ والذاتي وصورته هي الصورة الختمية لخاتم الولاية. فكانت شمائله الخلْقية التي وصفته بها النبوّة دقيقةً في تحديد أوصافه وما يعكسِه هذا الختم الوليّ، وقد شرحناها في مقال سابق، من كونه أعلى الجبهة وأقنى الأنف وعلى خدّه الأيمن شامة، فكلّها دالَّةٌ على كبرياء هذا الخاتم وعزّته وعلوّه علوّ الجبهة وقنى الأنف، وأمّا الشامة في خدّه الأيمن فهي محلّ الهوية المطلقة، كما كانت النّقطة معبِّرةً عن الإطلاق وعن الحقيقة وعن العلم كلّه المفاض من غياهبها. وكذا هي رمز الحجر الأسود الذي يبايع كدلالة على بيعة الميثاق الأوّل والعهد الذي أخذه الله من بني آدم. فالمهدي هو الختم المطلق والمظهر الذاتيّ. وذلك لا يعني وجود الغيرية كما أشرنا. فهي رتبٌ، ولذلك جاز للأولياء والخلفاء التحقّق بها، ويشهدون ما يشهدونه على الصورة من مشكاته. فافهم.

وهنا أمورٌ كبرى وبشارات عظمى، في الاصطفاء الإنسانيّ الأكبر، أنّ العبد له التحقّق بمشكاة النبيّ الخاتم وله التحقّق بمشكاة  الوليّ الخاتم. وهما الصورتين اللتين أشرنا إليهما.
وأنّ المقام المحمود الذي خصّ به صلّى الله عليه وسلّم، هو مقام ختم الولاية حيث الحمدُ يصحُّ للعبد بالتحقّق بجميع التحقّقات والتجليّات ورجوعها إليه من كونه على الصورة. ولمّا كان سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلّم هو الرّسول الخاتم والكامل والأوّل والقاسم والفاتح للوجود فقد كان التحقّق على قدمه لا محالة يُعطي الإنسان المخلوق لواء الختمية والتحقّق بالإسم الأعظم والعروج الى سدرة المنتهى. فكانت البشارة هنا أنّ جميع المتحقّقين بهذه الختمية لهم المقام المحمود. ويجدون ذلك ذوقاً وشهوداً.

ولو شئتَ لرجعتَ إلى بعض تصريحات المشايخ أنّ مقام الوسيلة الذي خصّ به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والذي لا ينبغي إلاّ لرجل واحد، يجدونه، ويجدُ كلّ واحدٍ منهم أنّه الرجل الواحد. لأنّهم حينها يكونون على قلب ذلك الرجل الواحد وهو النبيّ الخاتم صلى الله عليه وسلم الذي تأهّلَ للواء المقام المحمود. إذ لا موجود إلاّ الله سبحانه وتعالى، فهم يرجعون إليه بشهود الأحدية والواحدية، ويجدون ذوق اللواء المحمود  والتحقّق بجميع ما تجلّى عليهم، وكيف وهُم على مقام "عبدي أطعني تكن مثلي تقول للشيء كن فيكون". ولا تعدّد هناك إذ لا موجود إلاَّهُ سبحانه. وهو المحمود وحده لا شريك له. فيجدون ذوق المقام المحمود.

لا تستغرب كلامنا هذا، لأنّ الله ما خلق الأنموذج الكامل سيّد الوجود صلى الله عليه وسلم إلاّ ليعودَ إليه العائدون في مقام شهوده، فكان على ربّك حتماَ مقضياً، قضاهُ على نفسه فضلاً وتفضّلاً على خلقه وعلى عبده الإنسان، أن يهبَ المقام المحمود لسيّد الوجود، لأنّه المخلوق الأوّل والعبد الأوّل، وإذا صحّ له ذلك، فتلك هي البشارة الكبرى أنّ جميع السّائرين على قدمه المتحقّقين بحقائقه سيشهدون ما يشهد ويعودون للواحد الأحد، حيث هو وحده الموجود . فافهم.

ولهذا قال الله في الحديث القدسيّ "لولاك ما خلقتُ الأفلاك". فهو الأنموذج الذي تظهرُ به كمالات الله وتجليّاته من غيبها ونقطة هويّتها الى وجودها وتجليّها فخلق الوجود من أجله، ليرجع كلّ شيءٍ إليه. فما ثمّ سواه وحده سبحانه موجوداً، وكلّ شيءٍ مراتب وهمية ومسمّيات، فهو الوليّ وهو النبيّ وهو الصديق وهو الشهيد وهو الصالح وهو المؤمن وهو العبد وهو الخلق في جميع المظاهر، فما ثمّة إلاّ هو، هُوّ مطلق وهُوّ مقيّد. هُوٌّ مطلق هو الله سبحانه وخليفة هذا الهو وحامل سرّه بمظهره الذاتيّ هو الخليفة الختم المهدي عليه السلام. وهناك الهوّ المقيّد الذي هم جميع المخلوقات باختلاف مراتبها ومسمياتها.

يتبع ..