الأربعاء، 30 سبتمبر 2015

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 76

أضيف 11/اكتوبر/2015


قد تجدون التكرار في ثنايا بعض هذه المقالات، ذلك أنّ هذه المقالات، تصدُرُ بحالها، ونفَسِها، بينها فترات، تعبِّرُ عن نوع تبريرٍ، أو صيحةً في عالم الحقائق والغربة. والله أعلم.

لبسم الله الرحمن الرحيم
إنّ كثيرين نقدوا كتاب الفصوص، وحتى بعض ساداتنا سمعته يتحفّظُ من كتاب الفصوص للشيخ ابن عربي قدس الله سره، وسبق لي أن قرأتُ بعضا من سطور وفصول الفصوص، وما يحضرني من معانيه، أجدُها عين الحقيقة معبّر عنها بلغة وأسلوب الشيخ الأكبر. الشيخ الأكبر من أجرأ من كتب في الحقيقة وبسطها في الكتب والصّحف، وإنّ للحقيقة مذاقاً مختلفاً، يتراوحُ بين الاستنكار وبين الدهشة العظمى، بحسبِ وقوف الحقيقة من الواقف عليها، أو بحسب طلب هذا الواقف عليها لها.
إنّها حقيقة مطلقة، حينما تصِلُ لسواحلها، تجدُها عين النقائض، قد تتوهّمُها بلا سيّد ولا حاكم، مشرعةً بلا حارسٍ ولا مالك، مطلقة هكذا، هي الإطلاق، ذلك التوهّمُ يأتي من الفكرة المستشرفة لمن لا يصلُ إلى تلك السواحل ذوقاً وعيناً، وقد تحسِبُها حقيقة أنانية لا تعتدُّ بسواها، ولا تأبه لغيرِها. هي عينُ النقيضين.
من هنا تقرأ ما جاء عن بعض الأكابر، قولهم شطحاً، وإن شئتَ تمكيناً، فكلا الوصفين جائزين، أنّه وجد عرشاً بلا ملِك، فجلس على العرش وصارَ هو الملك. نعم، هي الحقيقة المطلقة ما جعلتْ الطريقَ إليها إلاّ من هذا الوجه، وجه الإطلاق والتنزيه أن تتجسّدَ وتتحيّز وتتعيّن، إنّما جعلتِ الإنسانَ خليفةً لها، والقالب الذي يحتوي سرّها، ولا يصِلُ إلى ذلك المهمه المُصمت الأخير، إلا أمينٌ صفيّ صفا حقّاً من كلّ الأغيار، وصارَ قالباً لذلك الإطلاق، وقابلاً لذلك التجلّي الساذج. فلا تقبَلُ غيرَها، وإن كانَ عبداً، فقد صارَ عينها، إذ وصلَ إليها، وساذجاً قابلاً لسذاجتها، هي لا تقبلُ غيراً، ولهذا فعرشُها لا محالةَ فارغٌ لكلّ واصل، فما ثمّ اثنينية يا مغبون. فلا تستغرب هذه الحقائق. فهي بسيطةٌ وإن تعالت عن العقول. وهي سرّ السرّ. ومن هذه السذاجة تجلّت كل العظمة والوجود واللانهايات.
وأوّل من تجلّى منها، هو قالبُ الكمال ومحورُ الجمال، سيّد الخلق صلوات الله وسلامه عليه صاحب المقام المحمود ولواء الحمد سيدنا محمد النبيّ الأمي، فهو حامِلُ كمالات تلك الحقيقة المطلقة المتعالية، وحامل حقيقة ذلك العماء الساذج، بحرُ التجلّي والهيولى. معنى المعاني، وحقيقة الحقائق. لأنّ صفاءها وعماءها هو عينُ الفوقية والتعالي عن سائرِ التجليّات، فمنه بدأ الكمال والجمال والرّحمة، وهي أي هذه الكمالات هي المسمّاة بالرّحمة، فالرّحمة كانت برزخاً بين الحقيقة المطلقة وافتتاح الوجود بالصفات، وأوّل الصّفات هي كمالاتُها، لأنّها معبّرةً عن تنزّه العماء والحقيقة عن النّقص والتأثّر بالتجلّي، فهي المحتد الكمالي للصفات، فكان هو الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلم، وهو المسمّى الإنسانُ الكامل، فهو مجلى الكمالات والصفات بإطلاقها ومنتهى كمالها وجمالها. وسائر الأفراد الخلفاء على قدمه ورثة له. وبعد المحتد الكمالي تبداُ سائرُ التجليات بمراتبها ونقصها وتفاوتها. بلا نهاية ... فالحقيقة المطلقة غير قابلة للحدّ والتناهي، وتلك هي كمالاتُه سبحانه فوق الحدّ والحصر والتناهي. ومن هنا قال صلّى الله عليه وسلّم "زدني فيك تحيّراً"، وقال الله تعالى :"وقل ربي زدني علما". فلا نهاية لعلم الله تعالى وتجلياته، ولا حصر ولا إحاطة، فما يعلمُ بالله إلاّ الله سبحانه، ولا تصحّ كلمة عالم بالله إلاّ تجوّزاً، بل كلمة عارف بالله هي التي تداولها الساداتُ، وهي تعني المعرفة بالله على قدرِ ما تقبلُ القابليات بمعرفته سبحانه، فهو فوق الإحاطة والمعرفة والعلم سبحانه عزّ وجلّ.
وعليه فتلك الحقيقة، انبثقت منها حقائق الأعيان والخلْق، واستوعبَ كلّ مخلوقٍ وكلّ عينٍ من الأعيان حقيقته وتجليّاته ورحلته في ليلة أقداره، فما يمكنُ أن يستوعبَ فوق الحقيقة التي عليها فُطِرَ، فهي في الحقيقة معبّرةً عن عالم جبريّ أوّلي هو المعبّرُ عنه بإرادة الله التي سبقتْ كلّ إرادة، فلا يُمكنُ أن تخرجَ إرادة مخلوق وكائن عن إرادة الله تعالى، هذا معروف. ثمّ نسّق الله تراتبية الوهم والحجب، حتى ظهرتْ الإراداتُ والاختيار، وهي من جانبٍ آخر إرادة حرّةٌ منبثقةٌ من إرادة الله سبحانه، لأنّ الإنسان ما كلّفَ إلاّ لأنّهُ خلِقَ على الصورة، وتلك المخلوقية على الصورة وهبته الحرية والإرادة والاختيار، وفي الحقيقة ما ثمّ إلاّ حقيقته التي فُطِرَ عليها في الأزلْ، هي التي جعلته يختارُ ما يختارُ في حياته، ويتجلّى عليه ما يتجلّى من أقدار، فكلّ إنسانٍ هو قطبٌ في وجوده علِمَ ذلك أم لم يعلم، فوجودُهُ انبثقَ من حقيقته، وتجلّيه تجلّى من سرّه المكنون فيه، وهي الصورة التي خلِقَ عليه والسرّ المكنون في قلبه الذي انطبع به أوّل ما خلقه الله تعالى، ذلك السرّ هو الذي يجلِبُ جنسَ التجليّات التي تتنزّلُ عليه. وهنا بحرٌ غرقَ فيه من غرقَ، إنّه بحرُ القدر والقضاء والجبرية والاختيار. وخلفه يتجلّى سرّ الإنسان واصطفاؤه دون سائر المخلوقات، هذا الاصطفاء ضمّ الخصوصية الإنسانية بإطلاق، وإن كان أغلبُ من انتسبوا لهذا المخلوق شقوا بحقائقهم، لعظمِ الحقيقة المطلقة وثقلِها وعزّتها التي احتجبتْ، وحملها هذا الإنسان، إنّه كان ظلوماً جهولا، حين أشفقت منها السمواتُ والأرضُ.
لا يُمكِنُ أن تُجلى تلك النّصاعةُ للحقيقة حتّى لو أشارَ لها وكشف عنها الشاطحون أو العارفون، لأنّها محميةٌ بالقابلية، القابلية هي مستودَعُ القبول والعرفان والعلم، كما الدّوالُ الناطقة مجالاتُ تعريفها يتفاوت، ولا يمكنُ أن تقبلَ ما خرجَ عن مجال تعريفها. وكذلك هذه الحقائق، مستوى القبول فيها يرجِعُ للقلبِ لا العقل. لأنّ العقل في التحقيق واحدٌ، هو عقلٌ كلّي، والعقلُ الجزئيّ الذي يتفاوتُ بين النّاس مردُّه للقلب. ولذلك قال الله تعالى "أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها". فنسبَ التدبّر والأقفال للقلوب لا العقول. ومن أجل ذلك قال العارف بالله الحكيم الإسكندري "وصولك إلى الله وصولك إلى العلم به" لأنّ العلم لا يقعُ إلاّ بزوالِ الحجب وارتفاعها، وتوافق القلب مع العقل، فيحدثُ التجلّي الكلّي والوصول.

مزيداً من الحقائق المتعالية التي تبدو في نظر البعض أو الكثيرين شاطحة، فالنبوّة هي مقام إفتتاح الوجود وبرزخ الرّحمة ومقام الصّفات، فذلك واضح فالنبوّة هي الإنباء، وهي الواسطة والنّسبة إلى الخلق، وهذا هو برزخ الرّحمة ومقام إفتتاح الوجود وتجلّي التجليّات وظهور الصّفات، وهو مقام سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم، قال الله تعالى "وما أرسلناك إلاّ رحمةً للعالمين". للعالمين أي لجميع العوالم. فهو الذي إفتتح الوجود وكان صاحبَ مقامَ الإنباء، والنّسبة والواسطة إلى الحقيقة المطلقة. وجاء في الحديث : كنت نبيا وآدم منجدل في طينته، وفي حديث : كنت خاتم النبيين في أمّ الكتاب. نعم لأنّه ما تجلّى العلم ولا ظهرتْ الصفات إلاّ به صلّى الله عليه وسلّم. فهو الحجاب الأعظم والباب الأوحد إلى الله تعالى.
أمّا الولاية فهي سرّ النبوّة، فهي مقام الذات بل سرّ الذات، وباطن الصّفات، هي ذلك المجلى العمائي الساذج، والمعنى الذي تنزّه عن المعاني. هي الحقيقة المطلقة. حتى لو ناحَ النّائحون، فهذه هي الحقائق والعلم. فالله سبحانه في قرآنه تسمّى بالوليّ وما تسمّى بالنبيّ، وهذا دقيق ومرادٌ. ومن أجلِ هذا فإنّ المسمّى بخاتم الولاية، وهو الخليفة المذكور في كتاب الله تعالى حامل سرّ الخلافة الإنسانية، هو صاحبُ ذلك السرّ العمائي والسذاجة الذاتية بالأصالة. وهو صاحب الذات بالأصالة فيه انطوى السرّ المكنون.
ولذلك كتب الشيخ ابن عربي قدس الله سره عن ختم الأولياء، كتابه المسمّى بعنقاء مغرب، وأشار إليه كأنّه شيءٌ معجز أسطوري، وأخفى مقامه حتى لا يفتن الناس أكثر ممّا فتنت سطوره التي أشاعها في كتبه وصحفه، وكذلك كتماً للحقيقة عن غير أهلها، وأوّلهم الخاتم قبل بلوغه تلك الحقائق عرفاناً وقابليةً ... بل وكتمَ الخاتم، وما عيّنه، حتى نسب كثيرون تلك الختمية لأنفسهم. والولاية والختمية مرتبة من وجه، وهي سرّ الإنسان كما سبقَ أن ذكرنا، ولكنّها بالأصالة لواحدٍ هو خاتم الخلفاء وشمس المغرب. الذي يظهر بالاضداد والنقائض، ويُعبّرُ عن تلك الحقيقة المطلقة التي تقبلُ النّقائض والأضداد. ويعرفُهُ أهلُ الوصول الأمناء، ويعرفُه أهلم العرفان الحقيقي، ويشهدونَ تلك الحقيقة فيه سيرةً ووجها بملامح وجهه وخلقته، لأنّ الخلقات والشمائل الخلْقية والملامح معبّرة عن حقائق النّاس. كما هي الأخلاق تماماً، وهو يجمعُ الحقيقة المطلقة بخلقته وأخلاقه، في جمعه بين الأضداد كما هي الحقيقة المطلقة لا تتحيّزُ بمعنى أو معانٍ محدودة، بل هي مطلقة لها الإطلاق بإطلاقه ولانهاياته. وكتب كذلك الحكيم الترمذي رضي الله عنه عن ختم الأولياء وكتب عن مجذوب وحسب، وهو هذا المجذوب الذي يجمعُ بين الأضداد قبل كماله وخروجه إلى الإطلاق. وكتب عنها كذلك أو عنه بفقرات متفرّقة وأشعار منثورة متفرّقة في كتبه الشيخ الفرد الجيلي قدس الله سره. وعيّنه تعييناً أنّه هو المهدي، وهو خليفة الله. كما جاء في الحديث الصحيح في تعيين المهدي أنّه خليفة الله.
وإسم المهدي فيه تلك الدّلالة وذلك المعنى، فهو مهدي بسرّه الذي منه تجلّت سائر الأسرار، وهو مهدي إلى الإسم الأعظم بعفوية وتلقائية دلّت على سرّه، لمّا أعطى في مسيرته جميع المحاتد التي تجلّت في الوجود، وبذاتِ الوقت سلك نحو الذات، وما شاركته في ذلك السلوك نفسٌ، فهو سالكٌ بغيرِ نفس. ويأتي بالولاية كاملةً، بسرّها المكنون وحقيقتها. واسمُه دلّ على ما جاء في كتاب الله تعالى : المهدي : أي ألم هدى، المراد في قوله تعالى في افتتاح سورة البقرة : "ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين". فهو ألف الذات ولام العلم والأسماء وميم الصفات والحكمة والتعيين. فهو شطرٌ في حقّه وشطرٌ في خلقه. لأنّه عين المادة التي تجلّت منها الأعيان والخلق. فهو السيّد والخليفة ومالك الملك والإمام الأوّل. حقيقته التي أشار لها ودلّ عليها فرضتْ عليه مقام الكتم، لأنّ ختمه لم يدلّ إلاّ على الحقيقة المطلقة التي أشرنا إليها وهي عدم التحيّز والتعيّن وهي التجرّد من كلّ معنى وشيء.
فقد أعطى محتد السّائر بسعيه ونفسه إلى الله تعالى وهي زمن الخلافة الراشدة التي تُشرِقُ فيها الشمس من جهة واحدة، ثمّ أعطى محتد الذي زالَ عن عزّه وسعيه لمّا خرّب ظاهره وتنازلَ عن كلّ شيءٍ وهو زمن ظهور الدجّال، فهو دالٌّ على زوال هذا الختم من كلّ ما اكتسبه، فلمّا وجد ما اكتسبه فيه مشاركة نفس، وغير مقدّسٍ منها والنّفس مشاركة له، زالَ عنه وأسلمَ كلّه لله تعالى، وظهرَ دجّاله ظاهراً وفي الباطن هو خرابُ ظاهره وتخلّيه عمّا شاركت فيه النّفس، ثمّ أعطى أخيراً محتد نزول روح القدس وقبول الله له، وتجلّي ولايته العظمى ونزول الإسم الأعظم، وإشراق شمس الحقيقة عليه من كلّ الجهات.



الأحد، 14 يونيو 2015

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 75

 لن تهلك أمة أنا في أولها وعيسى ابن مريم في آخرها والمهدي في وسطها
 أضيف للمدونة بتاريخ : 07 أكتوبر 2015
كتب بتاريخ : 14 يونيو 2015
______________________

عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لن تهلك أمة أنا في أولها وعيسى ابن مريم في آخرها والمهدي في وسطها " حديث حسن. رواه النسائي وأبو نعيم والحاكم وابن عساكر.


__________________

إنّ هذا الحديث الشريف النبوي العظيم يبيّنُ عن عظمة هذه الأمّة في كونِها تجمعُ تلك الأسماء الثلاثة في وجودها وفي حقائقها، "لن تهلك أمّة أنا في أوّلها ". فرسولها هو المبعوث رحمة للعالمين نبيّ الأنبياء عليه وعليهم السلام ورسول ربّ العالمين إلى الناس أجمعين، وخير خلق الله وصفوتهم المصطفى أحمد الأمين، الذي جاء بأعظم شريعة وختمَ الدين وكمّله وختم الرسالات السماوية، وفتح باب الأحمدية بكونه صلوات الله وسلامه عليه الحجاب الأعظم والدّليل الأوحد الهادي إلى الله تعالى سبحانه.

فهو أوّل هذه الأمّة وقائدها ودليلها وقدوتها، فكيف تهلك ؟ وقد جاء في رواية أخرى نصّ الحديث "كيف تهلك أمّة ..؟" بصيغة كيف الاستفهامية الدّالة على معنى لن النافية. أي تعجّباً واستنكاراً كيف تهلكُ أمّة هو أوّلها صلى الله عليه وسلّم. وعيسى ابن مريم آخرها. أي ختامُها مختومٌ من ربّ العالمين بكلمته وروحه المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، الذي هو نبيّ روح القدس، فكيف يُعقلُ أنْ تنفلِتَ وتبيدَ وتضلّ ضلالاً لا رجعة فيه ولا أوبة، وختامُها المسيح روح الله الذي نزولُه هو نزول روح القدس إلى الأرض التي تقدّسُ كلّ شيءٍ وترجِعُهُ إلى أصلِهِ وحقيقته، فلا يبقى إلاّ ولاءُ الأشياء إلى ربّها ولا يبقى إلاّ المعنى المقدّس في كلّ شيءٍ، وتزولُ نفثات الشيطان وصولات الدجّال وأوهامه التي دجّلها عبر القرون والأحقاب، فختامُ هذه الأمّة هو نزول روح القدس، أو نبيّ روح القدس، لأنّ المسيح عيسى بن مريم مثّل روح القدس نبوّةً، وصفةً. لا ذاتاً. ولذلك جاء في الحديث الشريف قوله صلّى الله عليه وسلّم والمهدي في وسطها.

وجملة المهدي في وسطها، عجيبة، ودالّة على كثيرٍ من المعاني والدّلالات في عالم الحقائق، التي تفوقُ تفسيرَ من يأخذونَ الأحداث والأمور بظاهرية وتاريخية ظهورية.

أوّلاً فمعناها هو ما يُوافِقُ ما يتبادرُ إلى الأذهان، ويقعُ في الظاهر، وهو ظهورُ المهدي عليه السلام قبل المسيح ابن مريم عليهما السلام، المهدي الذي يقيمُ العدل والخلافة الراشدة على منهاج النبوّة، ويحرّرُ الأمصار ويفتحُ القسطنطينية ورومية. فيعزُّ الإسلامُ في وقته أيّما عزّ ويقامُ العدلُ غاية العدل. ولكنّ المهدي كما هو معلومُ يخرجُ في زمنه الدجّال بعد فتح روما. فيفسدُ في الأرض وتظلمُ به ظلمةً كبرى، حتّى ينزلَ روح الله المسيح ابن مريم عليهما السلام عند منارة دمشق، ويصلّي خلف المهدي ثمّ يقتل الدجال ويقضي عليه عند باب لدّ. وهذا معنى الحديث الشريف.

وقولنا مثّل المسيح روح القدس صفةً ونبوّة لا ذاتاً، هو سببُ ورودِ ذكر المهدي عليه السلام في وسطها من جهةٍ، ليُعلمَ أنّ روح القدس ما كان لينزل لولا وجودُ المهدي عليه السلام، لأنّه صاحبُ روح القدس بالأصالة، فتقديسُ الإمام المهدي لا يعكِسُهُ سوى نزول روح الله المسيح ابن مريم ولكن نزولاً لتقديس الأرض كلّها والقضاء على دجّالها وشرّها وكسر صليبها وتجديد أرضها وزرعها وخيرها، فتتجدّدُ الأرضُ وتخضرُّ وتتقدّسُ وتذهبُ الصفاتُ السبعية والوحشية ويرتفعُ الشّنآنُ بين العباد ويزولُ الأذى ولا يبقى إلاّ السلام والخير في زمن المسيح عليه السلام بعد زوال ياجوج وماجوج. وهو معنى تجلّي الإسم الأعظم على الأرض. وذلك لا يكونُ تحقيقاً إلاّ بصاحب الإسم الأعظم المهدي عليه السلام، فهو سبب نزول روح الله المسيح. لأنّ المهدي يُبعثُ رجلاً من آل البيت، وهذه النّسبة الطينية يجتمعُ له فيها معها نسبته المكنونة في الولاية، فيظهرُ بالأضدادِ هذا الوليّ، ويُعطي معنى الولاية بالأصالة، فالولاية فيه مكنونة، وله التصريف قبل تحقيق شرائط القطبية والتصريف والولاية التي كان يتحقّقُ بها سائرُ الأقطابِ ليعطوا تلك الولاية وتلك القطبية وذلك التصريف، أمّا المهدي في نسبته الطينية ابتداءً وفي تركيبه العنصريّ، يكونُ وليّاً، إليهِ ترجعُ التجليّاتُ، وبه ينعكِسُ ما في العالَم من أحداث وحقائق. ولذلك كان هو الوارثُ للأرض الوحيدُ، والمؤهّلُ أن يُصلحَها وهو صاحبُ الأمانة وصاحبُ الأمرِ، لا يملكُ الجميعُ ما يملِكُهُ من كونِهِ صاحب الذاتِ الذي إليه ترجعُ حقائق الموجودات وأعيانُها، وبولايته وملكيّته وقطبيته الأصيلة المكنونة فيه، يرِثُ عرش الموجودات ويعيدُهُ إلى التقديس والصّلاح الأعظم بعد صلاحه هو. وهذا يعكِسُ قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمهدي في وسطها، أي لولا وجود المهدي ما نزل المسيح عيسى ابن مريم ذلك النّزول الأخير ليقدّس الأرض ويقتل دجّالها ويكسر صليبها ويقتل خنزيرها ويُذهِبَ شرورها ويبعث سلامها وخيرها. وهذا معنى قوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَرِث الْأَرْض وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} سورة مريم-40. ومعنى قولهم إلى أن يرِث الله الأرض ومن عليها. فبعثة المهدي وظهوره هو علامة قيام الساعة ويوم القيامة ووراثة الأرض لصاحب الأمر.

وكذلك قال الإمام الجيلي قدّس الله سرّه في قوله تعالى : {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}. الأنبياء-105. قال هو خليفة الله المهدي الصالح للوراثة الإلهية، الذي يستأثِرُ بالخلافة الإلهية الذاتية لخصوصية ليست في غيره. قلت ليست في غيره ولا ينبغي أن تكونَ في غيره. لأنّه صاحبُ الملك والذاتية والوليّ بالأصالة كان وليّاً وآدم بين الماء والطين.

ولعبارة : والمهدي في وسطها، دلالة أخرى، ومعنى ثانٍ، دلّت عليه لفظة في وسطها. والوسط هنا كما احتملَ البينية بين الأوّل والآخر وهما رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسيح عليه السلام، فهو يحتمِلُ معناه الظاهر في كونِ المهدي في وسط الأمّة، وليسَ في أواخرها وحسب، والمعلومُ أنّ ظهورَ المهدي هو علامة الساعة وفي آخر الزمان، فكيف جاء التعبيرُ في وسطها ؟

وقد دلّت العبارة على ما أسلفنا ذكرَهُ من كونِ المعنى يتجاوزُ المفهوم الظاهر الذي ذكرناه ويتبادرُ إلى الأذهانِ، أي والمهدي في وسطها، فالمقصودُ به والله أعلى وأعلم هو الأحمدية التي فتحها النبي صلّى الله عليه وسلّم بقدومه، بابُ الولاية الذي انفتحَ لهذه الأمّة المحمدية المرحومة الجتباة، فالولاية والخلافة والأحمدية نالَها أولياء الأمّة المحمدية وتوارثوها بموجبِ وراثتهم لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولكن ورثوا عنه الولاية لا النبوّة، فالنبوّة ختمها وسدّ بابُها، والولاية هي للوليّ الخاتم بالأصالة وهو المهدي، فقد صارَ ظهورُ الأولياء والخلفاء بثوبِ الخلافة والولاية العظمى هو معنى وجود المهدي في وسط الأمّة، فكلّ خليفة ووليّ كامل وقطبٍ هو نائبٌ عن الوليّ والقطب الأعظم، سواء كان الوليّ في مقام القطبية أو كان في مقام الفردانية والأحمدية، فهو نائبٌ عن القطب الأعظم والوليّ الخاتم المهدي عليه السلام. فهذا معنى وارِدٌ جداً وتدلُّ عليه اللفظة في وسطها دلالة كبيرةً، كون المهدي لا يظهرُ في التحقيقِ إلاّ في آخر الزمان وعند أوان الساعة ويوم القيامة كما ذكرنا آنفاً.

فأحمد هو إسمُ الولاية والخلافة، والأولياءُ خلفاء وورثة للرسول صلّى الله عليه وسلّم لأنّه أوّل عبدٍ حاز على المحمدية والأحمدية، فهو الذي اسمُه محمد وأحمد صلى الله عليه وسلّم، والورثة خلفاءٌ له، ولكنّه صلّى الله عليه وسلّم حاز على الأحمدية منّة إلهية ونيابة عن الله تعالى في مقامِ الإسم الأعظم، وصاحبُ هذه الأحمدية بالأصالة وصاحبُ الولاية الخاتمُ هو الخليفة الإمامُ المهدي عليه السلام. فهذا علمٌ محقّق ثابتٌ لا مريةَ فيه. فالمهدي هو صاحبُ أخلاق الله تعالى بالأصالة، هو روحُ القدس ذاتاً، ولذلك ذكرنا في البداية أنّ المسيح مثّل روح الله نبوّة وصفاتٍ. لأنّ عرش الخليفة عند تقديسه، لا يحكمُه سوى روحِ القدُس، الذي مثّل القدسية في الأرض، أمّا الخليفة الإمام الأعلى فيطلعُ شمساً مغربيىةً في عرش المجذوب الذي تقومُ فيه الصراعات الكبرى، وتقومُ فيه الخلافة الراشدة على منهاج النبوّة ويقعُ فيه الجهاد، فافهم. فعرشُ المجذوب لم يتقدّس بعد، لذلك يقومُ فيه الجهاد وتقعُ فيه الملاحمُ الكبرى والفتوح الكبرى التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم:

عن جابر بن سمرة عن نافع بن عتبة قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة . قال فأتى النبي صلى الله عليه وسلم قوم من قبل المغرب . عليهم ثياب الصوف . فوافقوه عند أكمة . فإنهم لقيام ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد . قال فقالت لي نفسي : ائتهم فقم بينهم وبينه . لا يغتالونه . قال : ثم قلت : لعله نجي معهم . فأتيتهم فقمت بينهم وبينه . قال فحفظت منه أربع كلمات . أعدهن في يدي . قال " تغزون جزيرة العرب ، فيفتحها الله . ثم فارس ، فيفتحها الله . ثم تغزون الروم ، فيفتحها الله . ثم تغزون الدجال ، فيفتحه الله " . قال فقال نافع : يا جابر ! لا نرى الدجال يخرج حتى تفتح الروم .

أي فنصّ الحديث الشريف : " تغزون جزيرة العرب ، فيفتحها الله . ثم فارس ، فيفتحها الله . ثم تغزون الروم ، فيفتحها الله . ثم تغزون الدجال ، فيفتحه الله ".

فالغزو في الحقيقة يقعُ من المؤمنين وعلى رأسهم المهدي عليه السلام، وآخر الجبابرة والمفسدين هو الدجال، يغزوه المؤمنون ويفتحه الله تعالى. بخلافِ ما يبدو للنّاس وفي الظاهر أنّ الدجّال هو الغازي.

وفي عالم الحقائق المهدي هو الذي يتسبّبُ في ظهور الدجال العلنيّ وغزوه والقضاء عليه أخيراً، بتقديس عرشه ونزول روح الله المسيح ابن مريم عليهما السلام.

فهذه حقائق كبرى عزّت على كثيرٍ من الأفهام.

والله يقولُ الحقّ وهو يهدي السبيل.

السبت، 30 مايو 2015

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 74



إنّ محبّة الله سبحانه، لا تُعارض محبّة رسوله صلى الله عليه وسلّم.
والله سبحانه جعل الطريق لمحبّته عبر طريق محبّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم والفناء فيه. فالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو روح الوجود وروح الطريق إلى الله وروح الخلق، لأنّه المعنى الذين منه خلقوا والنور الذاتي الذين منه انبثقوا، فلا يُعرفُ الله سبحانه إلاّ بذلك المعنى والمحطّ الرحماني، فحين تفنى في العبد الذي جعله الله معنى العبودية وحقيقتها فإنّك حينها ستمضي على قدمه لتعرف الله وتحبّ الله سبحانه. والرسول صلى الله عليه وسلم هو العبد الوحيد الذي أهّله الله لهذا الفضل وهذه الميزة، العبدُ الذي رأى الله سبحانه، وعرج إلى سدرة المنتهى. فلن تعرف الله وترى الله وتحبّ الله حقّ المحبّة إلاّ إذا كنتَ على قدم العبد الخالص الأوّل المحبوب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، فحين تتحقّق بمحمّدك ستشهدُ أحمدك. محمّديتك باب أحمديتك، عبوديتك باب خصوصيتك. كلّ الطرق منقطعة إلا طريق الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلّم. فمعراج القرب هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم.
هذا مبدأ ثابت، لا يُعارض ولا يُزاحَم. والشيوخ المربّون إنّما صحّ لهم ذلك، بتلك المحمدية فقد صاروا رسلاً لمعرفة الله تعالى والدلالة عليه. وقد اجتمع فيهم في الأصلِ، المحمدية والأحمدية معاً، فهم بابُها والأدلاّء عليها. ففنى المريدون في شيوخهم ثمّ فنوا في النبي صلى الله عليه وسلّم بشهود شيوخهم حاملي أنوار الحبيب صلى الله عليه وسلّم، ثمّ فنوا في الله تعالى لأنّ أنوار الحبيب صلى الله عليه وسلم قائدة لله تعالى. هذا هو الطريق. قلنا في الأصل، لأنّ الحقيقة ليس جميع من اشتغل منصب التربية والارشاد عبر الأزمان والأحقاب في هذه الأمّة تحقّق بتلك المحمدية والاحمدية ونال درجة القرب. بل ما أقلّ المقرّبين والأفراد المتحققين، شيوخ الارشاد والتربية بحقّ وتحقيق. قلّة نادرة وليس كلّ من اشتهروا وظهروا في الأكوان على ألسنة الخلق نالوا تلك الدرجة المقرّبة، فهذا حقّ. نادرون وقلّة وآحاد أهل التربية الأمجاد وكذا الأفراد.

وذكرتُ هذه المقدّمة والاستطراد، لأقول أنّ غربة آخر الزمان وصعوبته المتفرّدة ما كانت إلاّ مجلًى لطريق الله سبحانه، وطريق الإسم الأعظم. فإنّ إرادة وجه الله سبحانه دونها خرط القتاد، ولا يثبتُ لها إلاّ الآحادُ والأفرادُ. ولذلك جاء آخر الزّمان صورةً لهذا الطريق، فهو طريق صاحب الإسم الأعظم. وحضرته، وهو صورة الذين سلكوا هذا الطريق المظلم الغريب العظيم الذي تسقطُ دونَهُ دعاوى الأدعياء، وهمم الكثيرين وان كانوا نجباء، ولا يصمدُ ولا يبقى إلاّ الخلَّصُ القلّة الآحادُ.

فالذكرُ بالإسم الأعظم من أشدّ الأذكار على النفس، فهو قرينُ الجهاد، لا يعدله ذكرٌ، لأنّ النّفسَ تنفرُ منه نفوراً ويثقلُ عليها ثقلاً عظيماً، لأنّه يُبيّنَ عين هذا الطريق الخالص القائد لوجه الله سبحانه.

بين التحقّق بالإسم الأعظم وبين المريد حضرات ومنها حضرة الدجال، دجال نفسه وسامري نفسه وقرينه، وذلك شيءٌ يغرقُ فيه الغارقون، ويهلكُ الهالكون إلاّ من ثبّته الله واجتباه وأراد له الوصول، والوصول يُحصي شروطاً عظمى، الهمّة والإرادة الخالصة والثباتُ والعقل القويّ. الوصول إلى تلك المهامه يحتاجُ عقلاً عظيماً، على خلافِ ما يظنّ الكثير من المتصوّفة أنّ الطريق يُقادُ بغير عقلٍ. ولكن هناك عقلٌ للفهمِ عن الله سبحانه، وهناك عقل ترابيّ مذمومٌ هو المنهيّ عنه، وتشغيله يمنعُ السالك الى الله تعالى. فهناك التسليم والتفويض، وهناك العقلُ والفهمُ عن الله تعالى. ركنان متوازيان يصحّ بهما السّيرُ إلى الله تعالى.

صفوة الصفوة هم اصحابُ الإسم الأعظم، والملامية الأقدسيون، فنوا في الله تعالى، وخلصوا لوجه الله سبحانه، فهم أهلُ الله وخاصّته. فنوا عن النّفوس. وما أدراك ما النّفوس.

كم من مظهرٍ فخمٍ يُظنّ به الوصولُ، وهو في الحقيقة لم يطوِ نفسه، ولم يبلغ حضرة قدسه. ما أقلّ أهلَ حضرة الله تعالى. وطريقُ آخر الزّمان تتجلّى فيه الفتن التي تعرِضُ لخاصة المقرّبين، ولكن تتجلّى عامّة بحُكمِ ظهورِ الرجل الذاتيّ صاحبِ الإسم الأعظم ورجل الساعة والقيامة. فهو زمانٌ مختلفٌ عنيدٌ مريدٌ.

فالإسمُ الأعظم وطريق الله لا يقنعُ من السالك بشيءٍ، حتى يذهبَ بكلّ محبوباته ونديّاته وأهويته من حوله، ولايبقى له إلاّ وجهُ الله تعالى في طريقٍ عظيم شديدٍ، أساسُ السّيرِ فيه الاضطرار، ومن يقدِرُ على تلك الأهوال والمفاوز ؟ سوى صادقٍ ألجأهُ اضطرارُه لربّه، فانتشله الله من غرقه وعوزه وهلكته، ونجّاه به سبحانه. فهذا هو طريقُ الأحرار.

وفي هذا المقام، مقام الإسم الأعظم جاء عن حذيفة قال : جئت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - والعباس -رضي الله عنه- جالس عن يمينه ، وفاطمة - رضي الله عنها - عن يساره ، فقال : " يا فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعملي لله خيرا ; فإني لا أغني عنك من الله شيئا يوم القيامة " . قال - يعني ذلك - ثلاث مرات.
ثمّ التفتَ إلى العباس وقال نفس ما قاله لفاطمة.

سمعنا سادتنا رضي الله عنهم بما هو معناه عن هذا الحديث ، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة عليها السلام بنت وقرّة عين ابيها رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أغني عنك من الله شيئاً، أي مقام اسم الله يطلبُ اجتهاداً خاصاً وإرادة وسعياً لا يغني فيه سائرُ الوجاهات والشفاعات، بل يطلبُ طريقاً خاصاً شاقاً لنيل تلك الخصوصية والتجرّد للوصال وطلب ذات الله سبحانه ووجهه خالصاً. وهنا ارتفعت النّسبة الربّانية عن النّسبة الطينية. فشرفُ النّسبة لله تعالى أعلى من شرف النّسبة الطينية. ولا يبلغُ بك مقام النّسبة الطينية مقام النّسبة الربّانية إلاّ بالتحقّق. وإنّما خُصَّ آلُ البيتِ عليهم السلام بنقاء طينتهم ونور النبوّة فيهم فكانوا إذا تحقّقوا بالنّسبة الإلهية فاقوا غيرهم وصارَ في وسعهم ما ليس في وسع غيرهم. لكن بشرطِ التحقّق الخالص وتحقيق النّسبة العالية.

ومن هنا، فإنّ محبّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هي غايةٌ لأنّها وسيلةٌ لمحبة الله سبحانه، فما تحقّق بحبّ الله الأعظم الخالص سوى قلبِ عبده النبيّ صلى الله عليه وسلّم. والغاية والأصلُ هي محبّة الله سبحانه. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) ﴾. ( سورة آل عمران ). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: (أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحبّ الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي). رواه الترمذي.

وقال صلى الله عليه وسلّم "أهل القرآن أهل الله وخاصته"، لأنّهم تحقّقوا على قدم الحبيب صلى الله عليه وسلّم، القلب الجامع القارئ. قال الله تعالى "الرحمن علم القرآن". فلمّا نزل القرآن قلوبهم أيُدوا بروح القدس وصاروا في جملة المطهّرين وأهل حضرة الله تعالى سبحانه. هؤلاء هم أهلُ الحضرة، وهناك الفقراء الأقدسيون، مريدو هؤلاء الاساتيذ.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.


 

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 73

30/05/2015


 
أشتاقُ إلى ومضِ المعارف العاليات التي كانت تترى على سطوري، عالَمٌ من التنظيرِ العالي، يُدهِش، وكثيراً من العبادِ يفجؤُهُم ويجعلُهُمْ بين التصديق والإنكارِ، أحقيقةٌ ما يخطّهُ هذا الجريءُ الجاسِرُ على سورِ المعاني والأسرار ؟!
وإي الله هي الحقيقةُ أضاءتْ في زمَنٍ الثابتُ فيه مع زمرة الحقّ والنّور سابقٌ من السابقين على قدَمِ صحبِ المختار. صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه.
إنّهُ زمَنُ ظهورِ الألِف روحُ الأرواح، وقبلة الأشباحِ، إنّهُ زمَنُ ظهورِ المكتومِ الخافي خلفَ أسرارِ العلومِ والألواح، إنّهُ زمَنُ ظهورِ معدنِ السرّ الأعلى وحقيقة الحقائق، صاحبِ الصورة وخليفة مالك الملك، الخليفة الأصليّ المالك الذاتيّ، الرّوح. الذي ظهرَ في سائرِ الأشباحِ بوجهه الذاتيّ. وأعطى حقيقة جميع المراتب. فلهُ مرتبةُ الرّحمانية بالأصالة فهو حقيقتُها، ونسبَها لأفضل خلقه وصفوتهم، فشقَّ من ألِفِه من بطنِ ألفه نقطةً وجعلها قلباً جامعاً لشهوده، قارِئاً لحقائقِ وجودِه. فانبثقَتِ الباءُ ( ب) ألفٌ ممدّد تحته نقطة الشهود والسرّ، فمنها بدأتْ دورة الخلق، ودورة الوجود، ودورة انفلاقِ الأنوار والأسرارِ من كنز هوية الألف، من أمّ الكتاب. فما من موجودٍ أو مشهودٍ إلاّ وظاهرٌ بنورِ الباءِ. وقائمٌ بشهودِ الباءِ في عالمِ الكونِ والأكوانِ.
فهي الفاتح الخاتم، الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق، هي النّور الذاتي، ألفٌ ونقطة هوية وسرّ. هي أفضل الحروف المخلوقة، إن كان الألفُ قد تنزّه عن الخلقية كونُه عينُ مدد الحبر ومدد المعنى الذي منه ظهرت الحروف والكلمات والموجودات. إنّما ظهرَ حرفاً لينوبَ عن الحبر والنقطة في تنزيهها وأحديتها، فتخضعَ لهُ وبأمرِه الأكوانُ والحروف والموجودات. ولا بدّ لهذا الإطلاق وهذا الحبر الغير المنتهي وهذه النّقطة المصمتة في كنزيّتها وعذريّتها، أن يتجلّى في خليفة هو عينُ الإطلاق. ولمّا كان الإنسانُ هو المخلوق على الصورة، فقد ظهر مخلوقاً على صورة الخليفة. أو سبق القدرُ أن يكونَ الخليفةُ من عينِ جنس هذا المخلوق ظهوراً وحرفية، وهو في السرّ متعالٍ عن ذلك، متعالٍ حتى عن جنس الإنسان، من أفراد ولد آدم عليهم السلام، لأنّهُ ما مثّلَ سوى الحرف الأوّل المنزّهُ عن الخلقية حرف الألف، بينما سائرُ الأفرادِ دخلوا في خلافة الألف عبر الباء، فبالباءِ صحّ لهم الدّخول، فهم على قدمِ الباءِ الذي هو باءٌ والف في ذاتِ الوقت. إلاّ هذا الخليفة ولِدَ ألِفاً، ولكن بحُكمِ وجوده الابتدائي تحتَ حكم العنصر والأكوان والسّفل المقدّر في عالم الأكوان، ما مثّل حين ذاك إلاّ الألِفَ بمعانيه ودلالاته بين العلوّ والسّفلِ كما هو التمايز الواقع في عالم الأكوان، أرسلَهُ الله في آخر الزمان بعد ما استولى رسول العنصر والتراب والمادة والسّفل على معاني الحروف، فدجّلها وطمَسَ مراميها العالية ومعانيها السامية، وجعلَ من دلالاتِ الحروف والكلماتِ في عالمِ السّطورِ سفليةً ومدجّلةً ومنكّسةً، ففصمها عن إطلاقها وعن روحِها، وعن مددها الذي لا ينتهي من بحرِ هويّتها وكنزيّتها، وعانى في جملة ذلك كلّ حرّ شريفٍ يرومُ معنى جميل، ومدداً أصيلاً، فضاقتِ في عالم السطور والحروف والأكوان حقائقُ المعاني.
وفي الحقيقةِ ما ثمّةَ إلاّ هذا الألِف، بظهورِه العنصريّ والمتضاد، قامَ فيه صراعُ وجودِهِ الكثيفِ المنسوب إلى معاني السّفل والمادة، ووجوده اللّطيف المنسوب إلى عالم العلوّ والروح والإطلاق. وتجسّدَ العالَمُ كلُّهُ ألِفاً، فالحروف والسطور كلّها أصلُها وليست سوى ألفٍ، فهو حقيقتُها، انعكس العالَمُ من وجودِه وهذا الصراع القائمِ فيه، قبلَ أن يصحوَ من سكرٍ كان فيه، فوجدَ دجّالَ عنصره ومادته وسفله قد دجّل المعاني وشيطانه قد قطع الطريق وأعدّ كل الوسائلَ الممكنة لقطع الطريق على الروح فيه، والعودة إلى اصله وإطلاقه، لتعود المياهُ إلى مجاريها ويزول التدجيلُ والتسفيلُ في هذا العالَم.

هناك قامت حربُ الحروب، وجهدُ البلاءْ على هذا الخليفة قبل أن يتّصل بإطلاقِه وينفلِتَ من عنصره وترابه، فتضادّ فيه المعنيين السّفلُ والعلوّ، والمادة والروح، والكثافة واللّطافة، والحسّ والمعنى. وهو في أصله كلّ ذلك ومنطوٍ فيه ذلك، فالكثافة عرَضٌ فيه، واللّطافة هو اللّطيفُ القديمُ، هو الألِفُ والألِفُ لا يُعطي إلاّ معنى تجلّي الإطلاق في الحروف ومعانيها ودلالاتها، لأنّه وراء باءِ التجلّي، لأنّ الباء هي مدخلُ الألِف، والدالة عليه.
فالخلاصة هذا الوليّ المتفرّد مقامُه في الألف لم يخرج منه، ودلّ في عنصره ومادته على أصلية المعنى، الذي نبعت منه الأضداد، على الألف الذي ظهرَ بالمعاني والسفل والعلوّ وجميع التجليّات في الأكوان والحروف والسطور. ودلّ على حقيقة الصّراع في هذا المخلوق الإنسانيّ، وأعطى صورة الحقائق على واقعها كأنصعِ ما يكونُ، وبدتْ هناك حضراتٌ من السفلية ما ظهرتْ قبله وكذا بدتْ هناك حضراتٌ علوية ما ظهرت قبله، وارتفعَ كعبُ الفهم عن الله ارتفاعاً فاق جميع العصور، ووضحتْ الحقائقُ لمتلمّسٍ كما لم تتوضّح من قبلُ لكثيرٍ من الخواص وخواص الخواص الذين كانوا موجودين. فهو زمانٌ عجيبٌ، زمانٌ غريبٌ. الغربةُ فيه عظيمة، والمعاني فيه عظيمة، والصراع فيه عظيم كبيرٌ بين السّفل في أجلى صوره وأجناده وأمداده، والعلوّ المكنونِ في سرّ هذا الوليّ الذي هو أصلُ كلّ شيءٍ، فلهذا انتُخِبَ لآخر الزمان ليخرج بالحروف والسطور بعد ذاك التدجيل الكبير، والتسفيل العظيم والشيطنة الكبرى إلى إطلاقها وحقيقتها. فإذا تحقّق وخرج عن مادته وعنصره، خرجت تلك الحروف والكلمات لا محالة معه، فهو حقيقتُها وهو عرشها الكليّ، وإليه مرجعها وحقيقتها. فزالَ الدجال والشيطان والسفل والشرّ إطلاقاً، وقام الحقّ في العالم وتقدّس.

وجميع حقائق آخر الزمان ترجِعُ لحقيقة هذا الوليّ الألف، كظهور الشمس من مغربها، فهو عين الشمس المغربية القائمة بنفسها فهو الروح المعظم، وانغلاق باب التوبة، لأنّ الألِف قد أشرق على الألِف، ألف مطلق أشرق على ألفٍ محدود في عالم المادة والكثافة، فلا يغفرِ لنفسه وذاته، بل إمّا يرفَعُ ما كان موجوداً ويقبله وهو ما انتمى للعلوّ والإطلاقِ ولاءً وانتماءً، أو يقهرُ ويبيدُ ما انتمى لضدّ العلوّ والإطلاق والأصلِ. وبهذا ينتفي التدجيل ويُبَادُ الظالمون إبادةً، وآخرهم الدجّال. تلك هي الحقائق.

فهذا الوليّ هو الخاتمُ وهو الوليّ وهو المالك والخليفة، خليفة الإطلاق، بل هو عينُ الإطلاق تجلّى في مظهر ذاتيّ. فلذلك فهو أوّل حرف، وهو الظاهرُ بجميع المراتب التي تمظهرَ بها الكونُ، وتجلّت بها الحروف والكلماتُ.


الأربعاء، 8 أبريل 2015

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 72

أضيف 07/10/2015
  زماننا يطلبُ العُمق والحقيقة في المفاهيم ..

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ آخر الزّمان، وأقصِدُ زماننا هذا الذي تحوّلت أحواله واستغربتْ وجعلت الحليم حيران، والعاقل دهشان، والطيّب غلبان، وقلبت مفاهيمه وعناوينه، وتزيّنت فيه الدّنيا وتقوّت فيه الشهوات والمادة. هذا الزّمان إنّما هو كذلك لأنّه صورةٌ مختلفة نوعاً ما عمّا سبق من الأزمان والأعصار.

فهو صورة الحقائق وظهور آثارها في الواقع والدنيا، لذلك تستعجِمُ فيه الكثيرُ من المفاهيم السّابقة لا استعجاماً بمعنى عدم الصلاحية، ولكن استعجاماً يذهبُ إلى استنزال بطونها وحقيقتها لكي تُفهمَ على وجهها الصّحيح. فالظاهرُ فيها لم يعُدْ يشفعُ، وربّما حتّى لم يعُدْ ينفع. كثيرٌ من المفاهيم والمعاني التي كان القدامى يستندون إليها، اليوم صارَ لها وجهٌ مختلِفٌ، منكورٌ من جهةِ أنّها غير شافعة ونافعة كما كانت، ومطمورٌ يَطلُبُ أن يُكشفَ عن حقيقته وجوهره الذي كان يغذّي جميع ما سبق من مفاهيم تناوبَتْ عليه ظاهرةً وباطنة، إذ البُطونُ اليوم صار ذاهباً إلى أقصاها كما هو الظهورُ اليوم ذاهبٌ إلى أقصاه في عالم الحقائق والتجليّات. ولذلك اختلف الزّمان اختلافا عظيماً، زلزلَ تجلّي بطونُه وحقائقُه أرضَ الظواهر وما تراكمَ على عوالم الخلق والنّاس يحسبونه ثابتاً، أو عقيدةً نهائية، وظهرتْ من هذه الزلازل الشديدة والبراكين الثائرة من حمم البطون مفاهيمٌ جديدة، وعقائدٌ كانت باطنة، استنادُها على ذات الأسس التي كانت قائمة، ولكنّ الرّبط بين تلك الأسس وهذه التي بدأت في التجلّي هو الذي استجدّ فأفغرَ الأفواه والعقول دهشةً وحيرةً، وهوّمَ القلوب في متاهاتِ الاستعجام.

ومن حقائق هذا الزّمان، أنّ التصرّف ارتفعَ عن جميع دوائره الصّغرى التي كانت سابقاً تتداولُه، ولم يبقَ إلاّ تصرّف صاحبه الأصليّ، القطبُ الذاتيّ. لأنّه زمانٌ من بين ما فيه وقوع الظلم العظيم، كذا قال بعض العارفين بالله، فرحمة بالخلق لم يترك لهم الله أن يتصرّفوا فيظلموا ويتحمّلوا ما يقعُ فيه، ... وهو إن بدا ظلماً في عالم الأسباب، فهو في عالم الحقائق عدلُ تجلّي جميع الحضرات التي يستوجبُها تجلّي أسماء الله سبحانه وصفاته العلى التي لم تُغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلاّ دخل تحتَ حيطتها، فله سبحانه ملكوت السموات والأرض وملكوت كلّ شيءٍ ولا شيء يخرجُ عن ملكه وملكوته فافهم. لذلك لم يبقَ التصرّفُ إلاّ لصاحب الحقيقة المتجلّي بالخلافة بالأرض. الخليفة الذاتيّ. خليفة الله سبحانه.

ولذلك فإنّ ظهور الخلافة الإلهية لا يقعُ إلاّ بقيامِ الساعة، لأنّها عينُ ظهور شمس المغرب التي تجري بنفسها في عرش الخليفة. فتُعطي إذا ذاك عدل جميع الحضرات، حضرة شمس المغرب التي هي الخلافة الإلهية وتجلّي العزّة فيها للحقّ، عدلاً مُحاطاً ظاهراً يشملُ الأرض، فتمتلئ الأرضُ قسطا وعدلا كما كانت قبل ذلك قد امتلأت ظلماً وجوراً. وتتجلّى فيها حضرة الإسلام مشرقةً من جهةٍ واحدة على الخلق والنّاس. فتجمعُ المؤمن الصّادق والمستدرج المغبون ومنه المنافق.

ثمّ حضرة الدجّال التي تلي حضرة شمس المغرب، ولذلك تليها فهي حضرة تمايز حضرة المؤمن الصادق والمستدرج المغبون والمنافق، فيها تُفتنُ القلوبُ فتناُ كبرى وتتزلزلُ زلزالاً شديداً، لتتمايز الدوائر الإيمانية ويظهرُ فضلُ تفاوتِ الإيمان فيها وعمقه في صحراء الدّجل وليل الظلمة المخيّم على الأرض. وهي حضرة النّفس التي تأتمِرُ بالهوى وتستعلي أناها حاكمةً على الجوارح فلا تُغذّي النّفسَ إلاّ بما هو معاكِسٌ لضدّ الرّوح الذي هو أصلُ الإنسان ومصدرُه ومرجعه الأصيل والصّحيح. ولذلك تنطمِسُ بها كلّ المعاني الفاضلة التي تتجّه إلى الرّوح والفطرة والجمال الخلُقي. ولا تعلو فيها سوى ما كان منتمياً للمادة والهوى والظلمة.

ثمّ يلي ذلك حضرة روح القدس ويمثّلُها نزول روح الله المسيح بن مريم عليهما السلام، الذي يقتلُ دجّال الأرض، كما يتقدّسُ الخليفة المجذوب بلقاء الرّوح والرّجوع إلى حكمها. وهي حضرة تقديس يعمُّ فيها الخير والسلام المطلق والإيمان الثابت الكامل. وهي حضرة تجلّي الإسم الأعظم على الأرض. وهو الذي لم يتجلَّ منذ بداية الخلافة الإنسانية وعهد آدم عليه السلام. فلا يتجلّى إلاّ بهذا الخليفة الذاتي حامله وصاحبه بالأصالة.

والله يقولُ الحقّ وهو يهدي إلى سواء السبيل.

الجمعة، 27 مارس 2015

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 71

أضيف 07/10/2015



 
لبسم الله ..

إنّ الحقائق عاليات، عصيّةٌ على الإدراك، الكتمُ فيها واجبٌ لأربابِ الذّوق والتحقيق، واجبٌ يفرضُهُ ذوقُهم وعلمهم بها فضلاً عن الحظر والمنع الوارد في إفشائها، لأنّ معرفتها بلا أنوارها وعظمتها المنطوية فيها لا يلقيها إلاّ كاسفةً، وربّما ضرّتْ أكثر من نفعِها. وأنوارُها لا تُدرَكُ إلاّ بالبصائر والقلوب، وإدراكُها يطلبُ مدارِجاً يتحقّقُ بها القلبُ، وبين تلك المدارج القلبية والمعارف العقلية المجرّدة بونٌ شاسعٌ عظيمٌ.
قد لا تصحُّ معرفتها العقلية أصلاً إلاّ لقلّة حصلَ لهم جذبٌ أو سريانٌ بالرّوح، فعقلوا معرفة مجرّدةً قبلَ التئام أرواحهم بأجسادهم ونفوسهم .. ومنهم غالباً تصدُرُ المعارفُ العالية التي قد تُثيرُ الجدل، أو لا تُقبلُ حتّى عند المؤمنين وحتى عند المنتسبين لسلك هذا الطريق. لأنّ المعارف مستويات وقابليات، والحقائق عاليات.

مع ذلك فلا يعني أنّ المعارف لم تأتِ عن طريق المحقّقين، كلاّ .. فبريدُ المحقّقين هو واردُ هؤلاء المفصحين، لأنّ الذين خاضوا وأفصحوا ربّما في تلك المعارف بشيءٍ من الجرأة، ما حصل لهم إلاّ المعرفة العقلية المجرّدة كما سبقَ أن ذكرنا، وذلك لا يعطيهم الاستشراف على وجه اليقين إلاّ بقائدٍ ودليلٍ واضحٍ أو مرموز، يقضي استشرافهم الرّوحيّ بفهم المرموز، ويقعُ على قلبهم كما قاله المحقّقون. ومن هنا تحصلُ أغلبُ معارفهم على وجه اليقين والإدراك العلمي العقليّ.

لأنّ المحقّق علمُه بالله تعالى سبحانه، فنى في الله وهو باقٍ به، فلا ينطِقُ من خانة الظنّ ولا التوهيم. بل كلامُه محقّق خالص. ولذلك سمّوا المحقّقين. أي محقّقين في كلّ شيءٍ متحقّقين، علما وذوقاً وسلوكاً .. الخ.

وجميعُ الحقائق مذكورة، سواء في القرآن الكريم أو في السنّة المطهّرة، أو في كلامِ السّادة المحقّقين كما ذكرنا، ولكنّ التحقيق لا تنزِلُ به الحقائق إلاّ مغلّفةً جامعةً، تجمعُ فيها المستويات المختلفة، خصوصاً الكلام المقدّس القرآن والسنّة ، فالقرآن جامعٌ أحصى الله فيه كلّ شيءٍ، بإطلاق ولا تناهي، والسنّة فصاحبها هو الذي أوتي جوامع الكلِم. ولذلك فالعباراتُ المحقّقة تأتي دائماً منوّرةً جامعةً، حكيمةً عليمةً، يقرأها الجميع ويتذوّقُها الجميع، ولكلّ واحد قوتُه منها وعلمه منها وفهمه منها. وتبقى فيها أسرارها المدركة والغير المدركة. والقرآن الكريم قال عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : "يأتي القرآن يوم القيامة بكراً". بكر أي كأنّه لم يُلْمَس ولم تغرَفْ معانيه إطلاقاً، لمدى إطلاقه الذي لا يُحدّ ولا ينتهي ولا يحاطُ به، تعالى الله سبحانه أن يُحاط بكلامه، وصفاته، وتجليّاته.

وعليه فالخلاصة أنّ جميع الحقائق مذكورة، وأقصِدُ الحقائق العالية العامّة والمجملة لا التفصيل. فحينما يقولُ سيّدنا علي بن أبي طالب باب مدينة العلم عليه السلام ((إعلم أنّ جميع أسرار الكتب السماوية في القرآن، وجميع ما في القرآن في الفاتحة، وجميع ما في الفاتحة في البسملة، وجميع ما في البسملة في باء البسملة، وجميع ما في باء البسملة في النقطة التي تحت الباء، قال الإمام علي كرّم اللّه وجهه: أنا النقطة التي تحت الباء.)). اه.

فذلك أنّ النّقطة هي نقطة الذات والهوية، التي جمعت فيها كلّ العلوم وخرجت منها كلّ العلوم والتجليّات. كما نقطة الحبر والمداد، فكلّ ما يُسطرُ هو راجعُ للنقطة في التحقيق والتدقيق. وسمّي علياً لا صدفةً، ولكن لهذا المعنى أن يكونَ باباً لمدينة العلم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. أي يمرّ جميع المشايخ والطرائق عبر باب مدينة العلم ثمّ مدينة العلم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو حجاب الله تعالى ووسيلته.

بيدَ أنّ في معنى قوله عليه السلام وأنا نقطة الباء، أي أنّه تحقّق بالباء وتحقّق بالألف. فإن كان النقطة فهو بالأحرى الألف والباء وغيرها من الحروف.

وذلك يعني أنّه خليفة وقته، وهكذا كلّ وراث لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فهو خليفة.

أي بمعنى آخر أنّ عالم التجلّي اقتضى ظهور الحروف وكلّ حرفٍ له دلالة في عالم الحقائق، فالألف هو الخليفة والباء هو الرسول والواسطة، هكذا .. وعليه فرسول الله صلى الله عليه وسلّم هو الباء بالأصالة، وهو الألفُ بالتحقّق وهو النّقطة التي هي سرّ الألف، فافهم. فالإمام علي هو النقطة وهو باب مدينة العلم، فبالأحرى والأولى أن يكون مدينة العلم صلى الله عليه وسلّم هو النقطة وما حوته من علوم وتجليّاتٍ.

والرّسول صلّى الله عليه وسلّم هو النّقطة لأنّه صاحبُ القلبِ القارئ للعلوم المنزلة، والقراءة لا تقعُ إلاّ بالنّقطة التي هي رمز الذات الساذج، وسرّ الذات، أو سرّ الألف، وإليها يعودُ كلّ شيءِ، وجميع التجليّات والعلوم. فمن النقطة برزت الحروف والكلمات جميعها.

فهنا توضيحٌ للحقائق العاليات، ومعى الخلافة، فالألف كمظهر أصاليّ ذاتيّ هو الألف وهو الخليفة، وهو خاتم الأولياء عليه السلام. بالمظهر الأصاليّ كألف أصيل لا بالنيابة. ولكنّ جميع الخلفاء المحقّقين هم بالنّيابة ألف، وقد تحقّقوا بالنّقطة. أي بعد الفناء صاروا ألفا وخليفة، فهم خلفاء يعودُ لهم جميع ما في الوجود وما في الكتاب.

إنّما وقعَ الفرقُ والتفريقُ، في الأرض، أرض التجلّي وأرض الكلمات والحروف والسّطور، هناك تميّز الخليفة بذاته الذي هو الخليفة وجميع الذين نابوا عنه، هم نوّابٌ عنه، فالمملكة مملكته، والحروف ترجِعُ إليه فهو ألفُها مادة سطورها ورسمها وتجلّيها.

بيدَ أنّهُ في الحقائق ما ثمّة سوى النّقطة والألف خليفتها، فكلّ متحقّق قد فنى عن مظهره الشخصيّ فهو بروحه وحقيقته ألف، ونقطة جمعتْ فيها أن تكونَ ألفاً وباءً وغير ذلك، فمن صارَ ألِفاً، فقد جمع جميع ما تجلّى لأنّه تحقّق بمادة الحبر.

والألِفُ هو الخليفة خليفة النّقطة النّقطة المتعالية عن الإدراك والتنزيه والتشبيه، فهي في عليائها غير مدركة الكنه وفيها انطوى كلّ شيءٍ.


************************** 


وعن الباء التي جمعت كلّ شيءٍ فيها كما جاء في الأثر، فرسمُ الباء هو ألف ممدّد ( ا ) وتحته نقطة (ب). الباء هو الحرف الثاني في الترتيب، لأنّ الأوّل هو الألف.
الباء يرمز إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولذلك جمع فيه كلّ أسرار القرآن والوجود، وهو باء الواسطة، ورسمُهُ فيه هذا المعنى، معنى الواسطة والحجاب على الحرف الأوّل القديم الألف الذي هو مادّة الحبر وعلم النّقطة المكتنز فيها في حضرة القدم، أي حرف الألف القديم الذي هو الخليفة، فهو خليفة النّقطة في الظهور إلى أرض السّطور، ولكنّه ذاتُ النّقطة المكتنزة في غياهبها المتعالية عن التنزيه والتشبيه، إنّما ظهرَ حرفاً لأنّ مدد النقطة وعلمها وتجلياتها وصفاتها وبحرها المكتنز فيها لا يظهرُ إلاّ بالألف، ولا يتجلّى إلاّ بالألف. فهو النقطة امتدت بُعدا وأبعاداً، ففي حضرة القدم وأمّ الكتاب وفي دواة الحبر هو الألف الذي لم تتميّز حروفه وكلماته عن بعضها ولم تتميّز معانيها عن بعضها البعض، وإن كانت هناك مودعةً في غيب النّقطة وبحرها. فما تميّز هناك العلوّ والسّفل في بحر النّقطة وفي أبعاد الألف التي لم تتجلّى بعدُ.

فكان الباء هو أوّل حرفٍ يخرجُ إلى وجود التجلّي، ومن أجلِه خلق الله سبحانه باقي الكلمات والحروف والمعاني، لأنّ الله سبحانه كان في كنزيّته مخفياً ألِفاً مكتنزاً في النّقطة، أو ألِفاً معبّراً عن الوحدة المطلقة حيث لا تمايز بين التجليّات، فافهم، فلمّا أرادَ أن يتجلّى، أحبَّ أن يُعرفَ، فخلقَ نسبةً بها يعرفُه خلقُه، وتلك النّسبة هي حرفُ الباء، فكانت صورة حرف الباء ورسمُه، دالٌ على هذا المعنى.

فالباء جاء على صورة ألف -كما ذكرنا- ممتدّ وتحته نقطة، فهو ألف الصفّة صفة الألف وتحته نقطة وهي سرّ الألف، أو نقطة العروج إلى سرّ الألف لشهود جميع ما تجلّى به الله سبحانه وما خلقه، إنّ الألف بذاته سرّه فيه، لم ينفصل عنه، ولمعرفته وخلافته سبحانه خلق الله سبحانه برزخاً هو النّقطة، وهو البرزخ الرّحمانيّ، أي برزخُ الرّحمة الذي منه تجلّتْ جميع التجليّات وظهرت الحروف والكلمات، فكانت نقطة الباء معبّرةً عن ذلك البرزخ منفصلة الرّسم عن الألف الممدّد كأنّها برزخ شهود لما تجلّى بالألف من رسمٍ وحروف وكلمات وتجليّات فتأمّل. فكانت الباء برسمِها موحيةً لهذا المعنى ، معنى شهود ما ظهرَ به الألف، وأنّها النّسبة والواسطة بين الخالق والمخلوق، بين الألف القديم وتجليّاته وخلقه وكلماته وحروفه وآثاره.

ويمكنُ القولَ والتوضيح أكثر، فتنبّه. أنّ نقطة الباء هي برزخ رحماني لشهود باقي التجليّات التي هي دون البرزخ الرّحماني، وهي بذاتِ الوقت أي هذه النّقطة عند التحامِها بالألف، تصبحُ سرّ الألف الذاتيّ، ومجلى الإسم الأعظم. وهو شهود حضرة القدم، والعماء. شهود الواحدية بشهود الألف المتجلّي قبل التمايز، وشهود حضرة الأحدية والعماء الساذج. وهي في هذا الالتحام مقام الولاية الكبرى والختمية والإسم الأعظم، وهي في كونها منفصلة مقام النبوّة والرّحمانية. فالنّقطة نقطة الباء إسقاطُها هو القلب، والألف المدّد هو الرّوح. وعند نزول الرّوح على القلب، يتأيّدُ العبدُ بالروح القدسيّ. ويحدثُ الالتحام ويصيرُ القلبُ عين الرّوح، أو سرّ الرّوح. فهو شاهدٌ للرّوح وما تجلّى فيه. وهي هنا معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم "خلق الله آدم على صورته".

خلق الله سبحانه الباء أوّل حرفٍ وجمعت فيها كلّ ما ظهرَ به الألِفُ من صفاتٍ وتجليّاتٍ وكلمات وحروف، فكانت الباءُ هي صفةُ الألف، لأنّ الألِف هو روح النّقطة وصفتُها من وجه، ولكنّه ذاتُها لا غير، فالنّقطة ليست سوى ألِفٍ جامعٍ لما اكتنزتْ فيها، فتأمّل. فهو أي الألف ذاتٌ وصفة، ولكنّه مثّل الذات في التحقيق، وفي وجوده يرتفعُ كلّ وهمٍ وكلّ موجودٍ غيره، فلا يبقى إلاّ هو اي الألف. فكانت الباءُ هي صفة الألف، هي الألف من حيث كونِه صفةً فافهم، ورسمُها كما أشرنا دلّ على ذلك، ألف ممدّد وتحته نقطة الشهود ونقطة السرّ ونقطة البرزخ.

ولذلك كان صلّى الله عليه وسلّم هو صاحب الأسماء والصفات، وصاحبُ الكمالات التي ظهرَ بها الألف، لأنّ الباء هي نقطة شهود كمالات الألف من سرّه، ومن برزخ الرّحمة الذي هو منهُ فاضتْ الكمالات وفاضتْ التجليّات، فهو أعلى مظاهر الوجود، لأنّ الوجود لمّا برزَ إلى الوجود أي وجود الحدوث والخلق، فقد تدرّجتْ أطيافه واعتباراته ومنازلُ التجليّات فيه وآثار الأسماء والصّفات، فبهذا الاعتبار، اختفى الألف وإن كان ظاهراً، فلا موجود سواه، وظهرتِ باقي الرّتب الاعتبارية التي قامَ عليها الوجود وقامتْ عليها المنازل والمعاني والمباني، فكان الباءُ (ب) هو أعلى مظاهر هذا الوجود لأنّه حرفُ الشهود ونسبة تعرّف باقي الحروف والموجودات على أصل الوجود وخالقه وهو الألف. فافهم.

وكان الباء هو بابُ الألف وحجابه وواسطته ومظهرُ أسمائه وصفاته، لأنّه عينُ الألف ولكن صفةً وظلاًّ لا ذاتاً ولذلك جاء رسمُه كما أشرنا، انفصلتْ فيه النقطة انفصالاً اعتبارياً، دلّ على الخلقية فافهم، ودلّ على النّسبة التي بها يُعرَفُ الله سبحانه من خلقه. ومن هنا سمّي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الحقيقة المحمدية، أو سمّيت الرّوح بالحقيقة المحمديّة، تسميةً للدّلالة على صفتها، لا ذاتِها. فما للذاتِ في المخلوقات ذوقٌ ولا حلولٌ تعالى الله سبحانه عن ذلك، فالألف ألف متصّل، هو عينُ الصفات التي تجلّت بذاتها، وعين التجليّات والمخلوقات، فلا موجود سواه، هو عينُ النّقطة المكتنزة في كنهها الغير المدرك. فتأمّل هذا العلم فهو لبابٌ. فالله سبحانه متعالٍ عن الخلق.

وإنّما كان حرفُ الباء أوّلَ الحروف وأقربَها للألِفِ وحاملَ صفته وجميع تجليّاته كما ذكرنا. وهو النّسبة بين الألف وباقي الحروف والكلمات والتجليّات والمخلوقات. ومن أجله أي من أجلِ الباء خلق الله خلقه وأبدع كونه ووجوده، ليعرفوه ويشهدوا ما خلق به سبحانه، من برزخ الرّحمة الذي خلقه منهم. وكان الباء هو برزخ الرحمة وبرزخ الشهود ونسبة التعرّف. وتلك النقطة تحت الباء هي نقطة اعتبارية هي نقطة السرّ، بها يُشهدُ سرّ الألف والألف، ولكن من غير إدراك لكنه الألف والنّقطة فافهم، من غير إدراك لكنه الذات تعالى الله أن يحاط به سبحانه. فجميعُ الخلفاء الإنسانيين ظلالٌ لهذا الألِفِ الخليفة الإنسانيّ الأوّل، الذي هو عينُ القديم في كنهه وذاته وروحه وسرّه. وإن صحّ لهم في التحقيق التحقّق بالألف، وشهود حضرة القدم، بل وشهود حضرة العماء والأحدية. فهم بالولاية وخلافة الألف، نالوا مقام الألف وصورته ظلاًّ وشهوداً لا ذاتاً، فالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو أوّل سابقٍ تحقّق بصورة الألف وبه نالَ المقام المحمود، فهو البرزخُ بين الباء المطلّة على الخلق، والألف القائم في حضرة الذات والعماء. وعلى قدمه سار الخلفاء والورثة الأولياء.

فهذه حقائق عالياتٌ، فلا وجه للتشابه بين الأصل والنسخة، وبين الخالق والمخلوق وإن كان هذا المخلوق إنساناً على الصورة، وله من صفات الأوّل سبحانه، ولكن هناك انفصال اعتباريّ هو نقطة الخلقية، فافهم. وغاية الكمال الإنساني المخلوق كان في حرفِ الباء الذي هو خير الخلق وصفوتهم وأكمل الكملاء وباب الخلق على الله وحجابه الأعظم وحامل صفة الألف بكماله وجميع تجليّاته، كما هو رسمُه وخلقُه الدّالُ على ذلك. ولكنّ الألف الأصليّ هو الذي استقلّ بنفسه، وهو الذي منه ظهرَ كلّ شيء، وهو حامل الكنه وسرّ الذات، إذ هو عينُ الذات والكنه. والله أعلى وأعلم.




الخميس، 25 ديسمبر 2014

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 70



                            النقطة المُصمتة (.) والنقطة المجوّفة ( o )
                                   نقطة الذات ونقطة الصّفة

النّقطة ( . ) كانت في كنزيّتها تُخفي أسرارها وعلومها وبحارها وكلماتها وحروفها ومعانيها، فشاءت أن تتجلّى، فما تجلّت إلاّ من ذاتها لذاتها في ذاتها، ولكنّها تجلّت بحكمة وعلم وتقدير قدّرت تجلياتها ببعدين زمان ومكان، مقداران متجليّان من حكمتها وقدرتها وإرادتها في تجليّاتها، فأنشأتْ نقطةً مرآةً لها مجوَّفةً ( o ) . تكونُ هذه النّقطة المجوّفة مرآة التجليّات وبها تخرجُ الأسرار والعلوم والموجودات من عماء النقطة المصمتة الأولى، فكانت النّقطة الثانية هي نقطة التعيّن بها برزت جميع الحروف والكلمات والمعاني والدلالات وسائر التجليّات من عماء النقطة وكنزيّتها. وجعلتها مجوَّفةً تحملُ صورتها في الدائرة حول التجويف، ألف دائرٌ الذي هو من جنس النّقطة، أوّل حرف ظهر من النّقطة وأوّل حرف له اقترب من النّقطة بعدا واحداً. فكان الألف هو حامل سرّ النقطة وعلمها وعماءها بالذات والتّمام، لأنّ النّقطة ما برزت إلاّ حروفا في عالم الأبعاد والتجلّي فجعلت الألف خليفة لها، وبه تشكّلت المرآة التي هي النّقطة المجوّفة أي بالألف، فحصّلت النّقطة المجوّفة البرزخية بين عماء النّقطة المصمتة وبين عالم التعيّن والتجلّي والتجويف، وذلك بواسطة الخليفة الألف لأنّه عينُ النّقطة ولكنّه كان كتاب النّقطة في كنزيّتها. لأنّه نقطتين، نقطة الكنه الغير المدرك ونقطة العماء والمادة المتجليّة، وجاءت النقطة المجوّفة أوّل مرآةً للنّقطة المصمتة أي مرآةً للألف، ولكن منها اي بالنقّطة المجوّفة بدأ بُعد الزمان والمكان والتجلّي. فسمّيت نقطة الصّفة لأنّها أظهرتْ صفات النّقطة المصمتة من الكنزية الى الظهور بالآثار في عالم التجلّي والخلْق. فجمعتْ نقطة الصّفة بين العماء والكنزية وبين الظهور الصفاتي والتعيّن في عالم الصفات والخلْق.
وسائر من جاء من حروف عالياتٍ من أخذوا الصورة الألفية، أخذوا تلك الصورة بواسطة النقطة المجوّفة نقطة الصّفة التي هي ألف بالصورة ومرآة هذا الألف الأصليّ الذي خلَفَ ومثّل النقطة بذاتها.
فلمّا برزت الحروف والكلمات والتجليّات من عماء النقطة المصمتة برزوا بالواسطة نقطة الصّفة والتعيّن والتجويف مرآة الشهود والنقطة القاسمة من بحر العماء والكنزية، فكانت السّابقة والفاتحة للوجود والقاسمة من عطاء النقطة الأحدية.


غير أنّ الحروف والكلمات لم تكن في الأخير والحقيقة سوى النّقطة الأولى الأحدية التي أخذت ما أرادت ممّا شاءت من صور وحروف وكلمات بواسطة خليفتها الألف الذي خطّ الحروف والكلمات وحبرها. فكان وجهُ النّقطة يلوحُ في كلّ حرف وكلّ كلمة وكلّ لمسة لأنّها أصل كلّ شيء،ولأنّه في التحقيق ما ثمّة سوى تلك النّقطة المصمتة وما تجلّى شيءٌ إلاّ في ذاتِها ولكنّها قدّرت وشاءت أن تتجلّى لمخلوقاتها وموجوداتها وحروفها وتُشهدَهَم وجودها وخلْقها وإبداعها وكمالاتها الغير منتهية وصفاتها العليّة. فأبرزَتهم من مرآة شهودها نقطة الصّفة. فكانت نقطة الصّفة هي أوّل حامل لسرّ النّقطة المصمتة وما جاء من بعدها من حروفٍ عاليات أخذوا صورة الشهود كانوا على قدمها وبواسطتها. فكانت أقربهم للسرّ الذاتيّ المصمت في كنزيته الغير المدرك.
وقالت بلسان حضرتها العلية النقطة الأولية "إنّي جاعل في الأرض خليفة"، أرض تجلياّتي وصفحات سطوري وكلماتي، به تظهرُ الحروف والكلمات والمعاني والاعتبارات بين مداليلها المختلفة وتمايز معانيها. مهما برز في هذه الأرض فبحقيقة هذا الألف الذي رسم وكتب وأظهر الحروف والكلمات وكان مادتها من نقطتي. فسمّته إنسان، وأخذ هذا الإنسان جميع مكنونات الحروف والكلمات والمخلوقات في عالم الأرض والتجلّي. لأنّه خُلِقَ على صورة الألف الأوّل الأصليّ الذي رسمَ الحروف والكلمات والتجليّات. وجعلت هذا الإنسان مطلق الإنسان مركّب بتركيب حقائق الموجودات فيه التي ترجِعُ إليه، فيأخذ تأثيرها عليه بتمايز معانيها فيه واختلاف دلالاتها عليه، بين علوّ وسفلٍ، ومن هنا برز الابتلاء والتكليف، وتمايز الإنسانُ بين نازلٍ إلى حضيض الدّلالات والمعاني والكلمات، وبين متعالٍ إلى علوّ الدّلالات وإطلاقها وكمالاتها التي فاضت بها من نقطتها وكنزيّتها الأولى، وجعلتِ النّقطة المصمتة رسولها إلى عالم الأرض والتجليّات إلى هذا الإنسان المخلوق على صورة الألف الأصليّ، هي النّقطة المجوّفة نقطة الصّفة التي بها ومن أجلها خلقت هذا العالم بين علوّه وسفله، وأظهرتهُ ليشهد خلقُها وعبيدها بتلك المرآة ما صنعتْ. فكانت نقطة التجويف ونقطة الصفة لها مظهر في الحروف شابه الألف، هو أقرب الحروف إلى الألف، له وجهة للألف ووجهة أخرى للحروف الأخرى، هو حرف الباء. له نفس شكل الألف، إلاّ احدوداب عند الطرفين، ونقطة تحته. لأنّ الألف كان لا يمثّل إلاّ المادة الأولية في عمائها، بكونه كان مستقلاًّ ما قام بحرف آخر، حرف الألف ا ، فكان حرف الألف هو رمز الهوية التي تتوجّه إليها سائر الحروف والمخلوقات، مستقلّ منفصل حامل سرّ النّقطة المصمتة. إذ الحروف كلّها هي نقطة في الأوّل والأخير. فكانت الباء حرف الصفة وواسطة الإنسان إلى حرف الألف، لها شكل الألف كأنّ جميع الحروف تشكّلوا من باء عند الكتابة والرّسم، لأنّها أعطتهم البُعد الزماني والمكاني خلاف الألف الذي بُعدُه هو بُعد العماء. ولذلك جاء رسمُ الباء كأنّها ألف نائم، ظلّ للألف، فابتعدت قدر نقطتين عن النّقطة، ابتعدت نقطةً في رسمها كما ابتعد الألف، ثمّ ابتعدت عن النقطة التي تحتها بانفصال اعتباريّ، بعداً آخراً، فكان بعدُها الأوّل عن الألف وكان بُعدها المنفصل الاعتباريّ عن نقطة الكنه الغير المدرك. الذي هو مدركٌ للألف الأصلي وحسب، الذي ابتعد بُعداً واحداً عن النقطة، لأنّه عينُ النّقطة مُدرك لكلّ حقائقها وأسرارها وكنهها وكان خليفتها في الأرض وعالم التجليّات، فافهم.

فلمّا قالت النّقطة المصمتة بلسان حضرتها العلية "إنّي جاعل في الأرض خليفة". قصدت أنّ عالم الأرض وحيّزه وحيّز تجلياتها فيه سيكونُ قائماً ما قامَ بألفٍ هو خليفتها، هو حامل سرّها وحامل سرّ النّقطة، وصاحب المادة العمائية الذاتية، الذي به تتشكَّلُ المخلوقات والتجليّات وهو حاملُ الوجه الذاتيّ  لمّا قالت بلسان حضرتها العليّة :
﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. فالوجه ما كان إلاّ بالخليفة والألف الأصليّ الأوّل حامل سرّ الذات. ثمّ جعلت النّقطة العليّة الإنسان  خليفةً بالاعتبار الذي ذكرناه بكونه على صورة الألف، حاملاً لجميع ما برز للوجود فيه، وكان المقصود من سائر الإنسان الخليفة الذي يكونُ حاملاً لسرّ الخليفة الأوّل، أي ألفاً ظاهراً موجوداً في كلّ زمانٍ، يكونُ هو الخليفة والألف الذي به تقومُ الحروف والمخلوقات، ويكونُ على صورة المرآة مرآة الشهود والنقطة المجوّفة نقطة الصّفة التي حملت صفة النقطة وكمالاتها وإطلاقاتها في عالم التجلّي، أي على صورة الباء من وجهٍ وارثاً للباء وخليفةً لها، وفي نفس الوقت على صورة الألف خليفةً ونائباً للخليفة الأصليّ الألف الأصليّ الذاتيّ. فافهم.
على هذا النّسق تجلّت النقطة من كنزيتها وعمائها، وجعلت خلائف على مدار الأزمنة يقومُ بهم في كلّ وقتٍ ما برزَ، يحملون سرّ الألف الأصليّ الذاتيّ.

ثمّ لمّا نضجت مسيرة الوجود إلى ذروتها وتأهّلت للشهود العليّ ظهرت الباء الأصلية التي بها برز هذا الوجود وظهرت النّقطة المجوّفة التي بها برز جميع التجلّي من عماء النّقطة المصمتة، فدلّت هذه الباء على الألف الأصليّ وكانت له واسطةً. وهي السّبب التي من أجلها خلقت النقطة العلية الخلْق ليشهدوا بواسطة هذه النقطة المجوّفة (نقطة التعيّن والصفة) خلْقها (أي خلْق النقطة المصمتة) وتجلياتها وإبداعاتها وجمالها وكمالاتها.


ثمّ لمّا حان موعدُ الساعة والعودة إلى عالم الجزاء واليوم الآخر، ظهر الخليفة الأصليّ، الألف الأصليّ حامل سرّ النقطة المصمتة والذي هو مادة جميع المخلوقات والموجودات. فظهرَ أوّلاً بنسبته العادية مركّباً بتأثيرات الدّلالات والمعاني والحروف والكلمات المختلفة في الوجود، في زمنٍ كانت قد أخذتِ الطبيعة الظاهرة الكافرة بغيب الوجود وحقيقته وبنقطته وبألِفه الذي به ظهر، أخذت سيطرتها على الموجودات بتدجيل المعاني وقتل المعاني والدّلالات العلوية وتثبيت المعاني والدّلالات السّفلية، بتدجيل وشرّ عظيمين لم يعرفهما زمان قبل ذلك. ففسدت الأرضُ وعمّها الظلمُ العظيم والفساد الكبير، والخليفة متأثّرٌ بتلك المعاني الموجودة والدلالات السّفلية لأنّهُ عينُها وروحها في الأصل فهو يأخذُ ما هو موجود قبل رجوعه إلى أصله الأوّل، وإطلاقه، لأنّه في دائرة التقييد. وهنا يظهرُ سرّهُُ فيقودُه سرّه الذاتي فيه المكنون فيه أن يعود بالوجود إلى أصله إلى إطلاق معانيه وجمالها الأعلى، عند تحرّره من قيده وتركيبه العنصريّ فتكونُ حينئذٍ الساعة ويوم القيامة، لأنَّهُ قد ظهرَتْ شمسُ المغرب والألف الأصليّ العائد بالوجود إلى أسمه الأعظم ووجوده الأصليّ وحقيقته المقدّسة من الدّلالات السفلية والحضيض. فيظهَرُ إماماً مجاهداً قائماً بالعدل حقّ قيامه ليُعطي كلّ حقيقة موجودة في وقته قيمتها التي تليقُ بها، فهو الذي ظهر بها، وهو حقيقة كلّ شيءٍ، فيعدلُ ويُبيدُ الظلم والظالمين، وآخرهم الدجّال. ولا يكونُ هو من يقتلُ الدجّال، لأنَّهُ هو الألف الأصليّ وهو الذي تحمّل ظهور هذا الدجّال فهو حقيقته، فإذا حان موعد تحرّر وجوده من الدجل والشرّ والحضيض والسّفل ينزلُ روح الله النبي المؤيّد بروح القدس ليقدّس الموجودات فتظهرُ بتمايزها لكن تمايزها الجميل والعلوي المقدّس ويقتل روح الله الدجّال. ويحكمُ روح الله الذي هو روح الألف هذا الوجود الألفيّ المقدّس. وتنتهي قصّة الدّنيا. وتبقى التفاصيل الختامية لزوال هذا الوجود الدّنيويّ الذي قام بهذا الألف، فإذا ذهب هذا الألف ذهب هذا الوجود الدّنيويّ، ثمّ يُعطي هذا الألف ذاتُه الوجود الأخروي الأبديّ الخالد. وفيه يُجازى كلّ مخلوق جزاءه.


السبت، 13 ديسمبر 2014

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 69



وما أردتُ تبيينه في المقال السابق أنّ كلّ عبدٍ وكلّ إنسانٍ هو في الحقيقة مخلوق على الصورة في حقيقته، هذا هو الإنسان وهذه هي إرادة العناية الربانية في آدم وبنيه، ولذلك فإنّ كلّ عبدٍ له مجرّة خاصة به إن شئنا قول ذلك، أو أنّه يجمعُ السموات والأرض جميعها فيه، نسخةً منها. نعم نسخةً منها كما النسخة الأصلية للعالم. وهذا العالم الذي ينطوي في كلّ واحدٍ منّا هو منطوٍ بالمادة من كونِ كلّ جزءٍ فينا يعكِسُ ما هو موجود خارجنا وفي العالم الكبير، وهو منطوٍ فينا بالرّوح التي يتجلّى بها جميع الأشياء والعالم. وعلى هذا النّمط والصورة خلق الله الإنسان، وكلّفه.

فقال له عبدي وهبتُك هذا الوجود وهذا العالم وخلقتُك على الصورة، وأنعمتُ عليك بجميع ما في السموات والأرض وسخّرتهم لك، وأرسلتُ لك الرّسل ليعرّفوك حقيقتك وحقيقة ما أنت فيه، ووهبتُك العقل لتسمع وترى وتعقل وتفهم والقلبَ ليقودَ خطاك إليّ إن أطعتني من خلال رسلي ورسالاتي.

وجعلتُ فيك فطرةً تولدُ عليها وهي حقيقتُك وأصلُك، فطرةٌ تقودُ قلبكَ إليّ، ولكنّني خلقتُك لتعبدني وتعرفني، وتعرِفَ نعمي عليك وحقيقة وجودك، وأنّك بالإرادة المودعة فيك تملك سلاحاً ذو حدّين، إمّا أن تختارَ حقيقتك وأصلَك وترجعَ إليّ بالشكر والعبودية فأحرّرَك منكَ وأتفضَّلُ عليك بجميع ما وهبتك في العوالم، وبجميع ما تحمله روحك ممّا تعلمه وممّا لا تعلمه وممّا تراهُ وما لا تراهُ، ولديّ مزيد وعطائي لا نهاية له ولا حدّ فأنا الخالق العظيم جلّ شأني، أو تختارَ الوهمَ على الحقيقة، والنّعيم العاجل المتوهّم بإرجاع الأمر إليك ولو على حساب القيم وما شرعتُه لك من خلال شرائعي التي جاء بها الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهي شرائعٌ ما جاءت إلاّ لتوجيه حياتك وحياة من حولك للأفضل وللمصلحة العليا والفضلى وللخلاص من أسرِ وهمِك والكفر بالمنعم الذي تفضلّ عليك، والكفر بوجوده الذي هو الوجود الحقيقيّ، وجميع ما تراهُ من خيرٍ ونعم وعجيب المخلوقات هم مخلوقاتي وهم تجليّاتي وهم آثار أسمائيّ وصفاتيّ وآثار أفعالي في هذا الوجود. فلا شيء حولك له القيومية بنفسه، إلاّ بقيامه بي وحدي أنا سبحاني فأنا الحيّ القيّوم المطلق. فلا تكفرْ بي وبوجودي وبالحقيقة التي أقمتُك عليها وبالصّورة التي بها أنت تملكُ هذا الاختيار المطلق، الذي وهبتُه إيّاك، ولكنّه اختيارٌ كسلاحٍ ذو حدّين، فإمّا أن تخترقَ الوهْم وتؤمن بي وتنعم في الأخير بالخلود في النّعيم والرحمة المطلقة، وتحيا حياةً طيّبة في الدّنيا والآخرة. أو تبقى حبيس الوهم وتختار الظلم والأنانية والكفر ومصدر الشرّ والنّقص في حياتك وفي الأخير ستعودُ إليّ لأجازيك جزاء كفرك بوجودي وجزاء شرّك وبغيك في الأرض وظلمك لعبادي وخلْقي.

هكذا خيّرَ اللهُ سبحانه كلّ عبدٍ، سواء عرف أو يعرف هذا الاختيار، وأنَّهُ في الحقيقة لا موجود حولك سوى تجليّات نفسك عليك، فافهم.

فمجرّتك وعالمك والعالم من حولك كلّه هو تجليّات الصورة عليك، ولكنّها تمرُّ عبرك، عبر قلبِك وعبر نفسك، فتنعكِسَ تجليّات الصورة المنعكسة من الإسم الأعظم، لأنّ الإنسان مخلوق على الصّورة، ولكن بوجودِ نفسه وفرقِه، فإنّ ذلك يُعطي وجودُهُ الذي هو فيه، وجميع ما في الحياة هي حصادُ لزرعِك بطريقةٍ ما. فإنّ جملة الأسماء التي تعلمُها والتي لا تعلمُها التي أظهرتْ هذا العالم هي تتأثّرُ بك أنتَ في ما يدورُ حولك، وقد ذكرتُ هذا في مقالٍ سابق عن الإنسان وعلم الأسماء والتّصريف. ومن هنا فإنّ جميع ما يتعرَّضُ له المرءُ والعبدُ مصدرُه الله سبحانه، ولكن هو نتيجة قلبِه واعتقاداته وأخلاقه الباطنة فيه، وصورة نفسه في الحقيقة. وكان مصدرَ الشرّ والنّقص والأذى هو نفسُك، وكان مصدرَ الخير هو الله سبحانه. ونقصِدُ هنا أنّ مصدرَ الخيرَ يأتي من حيثُ الهوية المتجرّدة المطلقة المنسوبة لله سبحانه، ومصدرَ الشرّ هو نفسُكَ. ولا يظهَرُ هذا الأمرَ للنّاس والعبيد إلاّ في مرحلةٍ متقدّمة من السّلوك وعند اقتراب العبدِ من الحقيقة ليخرجَ من قيده إلى إطلاقه، ويخرج من وهم نفسه إلى صورته المخلوق عليها بأصليتها وحقيقتها أي إلى وجود الله سبحانه.

وهكذا خلَقَ الله الإنسانَ وكلّفَه في الدّنيا، وذلك بجعله مزيج روحٍ خالصة عارفة بالله هي أصلُه وحقيقته وصورته المقصودة من الوجود، وهي العاكسة لما هو فيه من حياةٍ، وجسد ترابيّ وطيني وتركيب عنصريّ يشكّل بصيغة ما وجودَهُ المقيّد ونفسَه العنصرية .. فإذا هو ركَنَ لهذا الوجود المقيّد أعطاهُ ما هو من جنسِه، وهو التقييد والألم الحسّي واللّذة الحسية في دائرة العنصر، والوهم الذي قام به الحياة. وأعطاهُ هذا الوجود المقيّد والوهم الذي هو فيه آثارَ الموجودين معه في العالم، ويعيشُ على تلك البهيمية والطبيعة الحيوانية فيه، لا يأخذ من دنياه سوى ما عاشَ من أجله وله. أمّا إذا آمن بالله سبحانه وبالغيب، والتجليّات الأسمائية المتصرّفة في حياته بالله سبحانه، فإنّ آثارَ هذه التجليّات تتعدّى ذلك الوجود المقيّد، ويقودُهُ ذلك للنّور، ولا نور في الحقيقة إلاّ نور الله سبحانه الذي أنار بنوره السموات والأرض وجميع المخلوقات بتجلّيه سبحانه، وجميع الموجودات والكائنات وهمٌ وآثار تجليّاته وحسب.
لذلك قال الله تعالى سبحانه
{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ  وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ  أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)} سورة البقرة.
فالله وليّ المؤمن به يخرجه من ظلمات الوهم إلى نور الوجود الحقيقيّ إلى نور الله سبحانه. والذين كفروا بالله وبوجوده وبالغيب الذي يديرُ حيواتهم ويقيمُها، تولّاهم الطواغيت وهي جميع الطّبائع والأوهام المتجليّة في وجودهم غير الله سبحانه فتسقيهم طواغيتهم الظلمة ومزيدا من الرّكون الى الطبيعة الترابية والوهم، وليس ثمّة سوى الوهم ما يُضادّ مصدر النّعم جميعها والخير جميعه والوجود جميعه فينعكِس ذلك عليهم شقاءً وحرماناً وعذاباً في الدّنيا وفي الآخرة أجلى وأمرّ. أمّا المؤمن وإن تعرّضَ للمعوّقات في طريقه وطريق خروجه من الظلمة فهو منقادٌ إلى النّور الحقيقيّ، والوجود الحقيقيّ ومصدر الخير والإطلاق والنّعم جميعها. فينعمَ بذلك في مرحلةٍ ما في الدّنيا بحياةٍ طيّبة حتّى لو كانت في النكّبات والمعوّقات والابتلاءات التي هي من طبيعة الرحلة الى الوجود الحقيقيّ وطبيعة الدّنيا، ويذوق تلك النّعم والهناء والسّكينة من الله سبحانه تغمرُ قلبُه، ولكن آثارُ الحياة الطيّبة وذوقُها لا يظهرُ إلاّ في مرحلة ما من تجاوز الظلمة والقرب من الله سبحانه. هذا لعموم المؤمنين، وفي الآخرة نعيم يتجلّى خالد، ورضا من الله سبحانه الذي به آمن المؤمن.

فقلتُ لا تظهَرُ هذه الحقيقة بجلاءٍ ووضوحٍ إلاّ لسالك طريق الله للتحرّر من قيده إلى إطلاقه، ووهم نفسه إلى حقيقة وجوده، فإنَّهُ حينئذٍ يتجلّى عليه وهمُ وجوده ووهم الطّبائع فيه أي من حوله، بالحربِ عليه، ولمّا كان العالم هو صورته ونسخته ومنطوٍ فيه، فإنّ الذي يقودُ الحرب عليه هو قرينه وهو نفسُه ووجوده الوهميّ والعنصر فيه الملتصق به الذي يغذّي الحسّ والعقل التّرابي، وحينها يجدُ شيطاناً عليماً بالعالم والعيوب والمداخل النّفسية، يتجسّسُ على نفسه ويعلمُ عنه كلّ صغيرة وكبيرة منذ ولادته، وهو لا يقدرُ على دفع هذه الجوسسة لأنّه أسير النّفس ولم يخرج ولم يتحرّر من الأكوان ولم يخرج إلى الإطلاق والفناء عن نفسه. وتقوى هذه الحرب وتأخذ أبعاداً أكبر كما ذكرنا عند من يكونُ سلوكه جادّاً فيحصلُ بسلوكه اتِّساعُه في الإسراء والعالم ليخرج من القيد والوهم، فيأخذ بذلك عقلُه التّرابيّ ونفسُه وقرينُه حجماً أكبر وقوّةَ أقدر في التصريف في عالمه يُعاني من شيطانه ومن يوالون الطواغيت على حساب الوجود الحقّ والنّور. فيُبتلى أشدّ البلاء.

ومن هنا كان أشدّ النّاس بلاءً الأنبياء ثمّ الأمثل فالأمثل، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلّم، أي بقدرِ اتّساعك وجديّتك وصدقك في طيّ الطريق تتجلّى عليك العداوة من القرين والطّباع والطواغيت حولك. وكان الأنبياءُ القدوة فكانوا أشدّ النّاس بلاءً. ثمّ يحصلُ البلاء بحسبِ هذا الصّلاح والصّدق في طلبِ وجه الحقّ سبحانه.

وهذا الذي كنّا نشرحُه عن العقل التّرابيّ والقرين والمهديّ وما يحصلُ له، وينعكِسُ ذلك عليه دجّالاً في عرشه هو عقلُه التّرابيّ المنعكِس من وجوده الوهميّ والترابيّ والطّبعيّ العنصريّ. ولأنّ المهدي كان الوليّ الذاتيّ الذي كان مصدرَ التجلّيات وصاحب الذات الساذج، فقد أعطى الصّراع النّفسيّ والعقل الترابي كما ذكرنا دجّالاً عليماً بعيوب النّفس عليما بالمادّة، يدجّلُ على النّاس بالأوهام ليجعلهم يؤمنوا بوهمِ حياةٍ قائمة على المادّة والأسباب من غيرِ مسبّبٍ وموجدٍ سبحانه، ومن غيرِ غيبٍ يحكمُ هذا العالم الشهادي الظاهر.
فالحقائق إذن أعطتْ ظهورَ هذا الدجّالَ، ورافق ظهورُه وإفساده قرونا طوالاً بدأ من زمان سيّدنا موسى عليه السلام وبعثته، وقد شرحنا ذلك في مقالات سابقة أنّ بعثات الرّسل عليهم السلام، كانت مراحل في الوعي والنّضج الإنسانيّ وحقائق الخلافة الإنسانية الكبرى، وكانت بعثة سيّدنا موسى عروجاً ونقلة نوعية للإنسان. ومنه بدأت الرسالات السماوية الكبرى. فتأمّل. والتي وجودها الى يومنا قائم. وهذا يضاهي تماماً ما ذكرناهُ في حياة المجذوب أنّ دجّاله يظهر بعد فتح دائرة القلب وبداية العروج في الحقائق السماوية. أي بعد فتح روما يخرج الدجّال.

فالحقائق أعطتْ ظهور هذا الدجّال اللّعين لأنّ الله جعله رسول المادّة والوهم والحدّ المتطرّف من العقل التّرابيّ، وما كان ظهورُه وخطرُه يشتدُّ إلاّ في زمن الخليفة الذّاتيّ، الذي ظهر به العالم، ليُعطي الجزء الماديّ والعنصريّ والوهم المنفصل عن حقيقته الذي يُغذّي وجود كلّ نفسٍ بكلّ شرّ وكلّ وهم وكفر وأنانية. ولهذا كان أعوراً ليُجسَّد هذه الحقيقة أنّه أعورُ العين، ليس له سوى عين المادة والظاهر والشهادة وهو طافي العين الرّوحية كافرٌ بالغيب، وأنّه وهمٌ ليس إلاّ يتجلّى بقوّته  وظهوره الجسديّ في زمن الخليفة أو المجذوب، لأنّ المجذوب هو الذي ظهر بالشّطر الخلقيّ كما سبق ان أشرنا.

وإبليس وشياطينه هي الجزء النّفسيّ المغذي لكلّ نفسٍ وشرّها وكفرها ووهمها. فالحقيقة أنّ إبليس والدجّال مؤتمرون بالقرين نفسه، وهو نفسُ العبد. لأنّهما من سطوات الوهم والعقل التّرابي على النّفس.

ومن هنا كان ظهور الخاتم والخليفة هو إرجاعُ الحقائق لما هي عليه، والقضاء على هذا الوهم وعلى هذا الشرّ في العالم، فيتقدّس المجذوب، وينعكِسُ ذلك بقتل الدجّال والقضاء على ياجوج وماجوج. وياجوج وماجوج هم من آثار الانسلاخ من التركيب العنصريّ للمجذوب، وتغيير عرشه. فالله يمنّ عليه بعرش جديد وجسدٍ جديد يليقُ بالأمير والخاتم والخليفة الذي يظهر ويحكمُ بالعدل. وجهه كالكوكب الدريّ من أحسنِ النّاس وجهاً. ويتجلّى ذلك -أي أثرُ التقديس- في عهد المسيح عليه السلام حيث يُقتلُ الخنزير وهو رمز الخنزيرية ويُكسرُ الصّليب وهو رمز الشرّك ويعمّ السلامُ الأرض في عهد روح الله، وتنبتُ الأرض أشجاراً وفواكه من أحسن ما يكونُ طعما وحجماً وبركةً وخيراً، وتخضرُّ الأرض، ليُعطي تجلّي أثر الإسم الأعظم على الحياة. يحكمُها روحُ الله المسيح. فافهم هذه الحقائق الكبرى.

وإنّ الخاتم والخليفة جوهرُه وحقيقتُه ليس من أفراد بني آدم، وإن كان على الصورة الإنسانية، ولذلك لم يدخلْ ابداً في اعتبار التفضيل. فهو ذاتُ الباري سبحانه متجلّ بمظهرٍ إنسانيّ. الإمام الأعلى للوجود. أعلمُ الخلْق بالله تعالى.

هو الجوهرة المصونة والياقوتة التي لا قياس لفردِ بها، فهو فوق القياس فافهم. فهو السيِّدُ الصّمد. وهو حقيقة قوله صلّى الله عليه وسلّم "خلق الله آدم على صورته". أي أنّ الصورة الإنسانية التي وُهبها الإنسان هي صورة ما تجلّى به الله على الإنسان وخصّه به من فضلٍ عظيم ورجوعٍ إليه. ولكن هذه الصّورة الإنسانية محدودة بحدّها، فاعلم. أمّا الخاتم فهو ظاهرٌ بالصورة الإنسانية، وهو فوقها وخارجٌ عنها لأنّه هو حقيقتها، وهو خالقُها. فلا مجالَ للمقارنة بين أفراد بني آدم جميعاً وبين الخاتم. وذلك أشارَ إليه جهبد العارفين بالله في كلامٍ نفيس عظيم دالٌّ على علم هذا العارف بالله وأدبه ومقامه الرّفيع وهو الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي قدّس الله سرّه العزيز لمّا قال في الفتوحات المكيّة : 


(قوله إن الله خلق آدم على صورته:
فقد أدخله الجود الإلهي في الميزان فيوازن بصورته حضرة موجدة ذاتا وصفة وفعلا ولا يلزم من الوزن الاشتراك في حقيقة الموزونين فإن الذي يوزن به الذهب المسكوك هو صنجة حديد فليس يشبهه في ذاته ولا صفته ولا عدده فيعلم أنه لا يوزن بالصورة الإنسانية إلا ما تطلبه الصورة بجميع ما تحوي عليه بالأسماء الإلهية التي توجهت على إيجاده وأظهرت آثارها فيه وكما لم تكن صنجة الحديد توازن الذهب في حدّ ولا حقيقة ولا صورة عين كذلك العبد وإن خلقه الله على صورته فلا يجتمع معه في حد ولا حقيقة إذ لا حد لذاته والإنسان محدود بحد ذاتي لا رسمي ولا لفظي وكل مخلوق على هذا الحد والإنسان أكمل المخلوقات وأجمعها من حيث نشأته ومرتبته فإذا وقفت على حقيقة هذا الميزان زال عنك ما توهمته في الصورة من أنه ذات وأنت ذات وإنك موصوف بالحي العالم وسائر الصفات وهو كذلك وتبين لك بهذا الميزان أن الصورة ليس المراد بها هذا ولهذا جمع في صورة واحدة خَلَقَ الْإِنْسانَ ووَضَعَ الْمِيزانَ وأمرك أن تقيمه من غير طغيان ولا خسران وما له إقامة إلا على حد ما ذكرت لك فإنه الله الخالق وأنت العبد المخلوق وكيف للصنعة أن تكون تعلم صانعها وإنما تطلب الصنعة من الصانع صورة علمه بها لا صورة ذاته وأنت صنعة خالقك فصورتك مطابقة لصورة علمه بك وهكذا كل مخلوق ولو لم يكن الأمر كذلك وكان يجمعكما حد وحقيقة كما يجمع زيدا وعمرا لكنت أنت إلها أو يكون هو مألوها حتى يجمعكما حد واحد والأمر على خلاف ذلك فاعلم بأي ميزان تزن نفسك مع ربك ولا تعجب بنفسك واعلم أنك صنجة حديد وزن بها ياقوتة يتيمة لا أخت لها وإن اجتمعت معها في المقدار فما اجتمعت معها في القدر ولا في الذات ولا في الخاصية تعالى الله فالزم عبوديتك واعرف قدرك. ) انتهى.


  فافهم، فهذا فهمٌ عزيزٌ نفيسٌ، لا يعرفُه سوى الأفراد الغرباء الأمجاد قدّس الله سرّهم العزيز، فظهورُ الختم في الصورة الإنسانية لا يجعله محدوداً بحدّها وصورتها ومقتضيات ما جادَ به الله سبحانه على الإنسان وصورة العلم به. فهو فوق ذلك الحدّ، وليس داخلاُ في الاعتبار أنّه فرد من أفراد بني آدم. لأنّه المظهر الذاتيّ في الصورة الإنسانية، ظهرَ ليُرجع العالم لنصابه، ولم يشتهرْ في الأكوان، لأنّه فوق ذلك الحدّ من التشهير والرّتبة. ولهذا قال الشيخ الأكبر واصفا إياه "فقد زال بختمه عن رتبته".
وكذا وصفه الشيخ الجيلي وعرّفه تعاريف واضحة أنّ "لغته ليست لغة الخلق ولا محلّه محلّهم". وغير ذلك من التعريف به في مواطن مختلفة، والكتمُ الضاربُ عليه وعلى رتبته الشريفة. ولهذا أشارَ الشيخ الأكبر في قصيدته :

وحيدُ الوقتِ ليس له نظيرٌ ... فريدُ الذاتِ من بيتٍ فريدِ
لقدْ أبصرتهُ ختماً كريماً ... بمشهدِه على رغمِ الحَسُودِ
فقال : "أبصرته ختما كريما بمشهده على رغم الحسود."  

فلو كان كغيرِه ورتبته كغيرها من الرّتب، لما أشارَ إلى حسّاده والمنكرين عليه، فإنّما وقعَ الحسدُ والإنكارُ لرتبته العزيزة جداّ. وكذلك نعته في خاتمة كتابه عنقاء مغرب : بوصف السيّد الصّمد. ولعمري فإنّه لا صمد إلاّ صاحب الوجود الأحد سبحانه.

يتبع ..