الأحد، 16 يونيو 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 34




- 34 -

حينما تكلّمنا عن بعض دلالات الحديث النبويّ الشريف السّابق في الإشارة إلى حقيقة المهدي وخلافة آخر الزمان الإلهية الذاتية، وأشرنا بعد ذلك إلى فقه عدم الخروج عن الحكام الذي قامَ على امتداد مراحل الأمّة موافقاً للمشيئة الإلهية ودافعاً إلى عدم الانهيار ورادعاً عن الاقتتال والنزاع الهادم لبيضة الإسلام، أردنا ذلك جملةً وحكماً عامّاً، وما كان خروج الإمام السّبط الحسين بن علي عليهما السلام عن بيعة يزيد عليه خزي الله تعالى إلاّ إعلانا منه عليه السلام عن حقيقة ما هو قادم من هذا الملك العضوض الذي لم يكن ليوازي ولا ليقارب الخلافة الراشدة القائمة بالحقّ ظاهراً وباطناً، وأنّ هذا الملك العضوض اختلط فصار مرتعاً للهوى والنّفوس والحظوظ وظلم الحكام وجورهم، فقد صارَ كالورقة المجهولة بالإمكانين والقُرعة ذات الوجهين، تارةً تخرجُ منه إمارةٌ صالحة عادلة على العموم كما هي إمارة الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وغيره من السلاطين الصالحين الذين عرفتهم الأمّة المسلمة طوال فترة هذا الملك العضوض وهم كثير، خلاف الحكم الجبري الذي انعدم فيه أو كاد، الحكم الصالح، وتارةً تخرج منه إمارةٌ جائرة ظالمة فاسقة عابثة كما هي إمارة يزيد عليه خزي الله. فالإمام حسين عليه السلام أرادَ أن يُعلنَ حقّ المسلمين في خلافة راشدة ترجعُ إلى أهلها الذين حازوا خلافة الباطن، وتقيم العدل وتجبرُ الشرخ الذي وقع بين الظاهر والباطن، لما رآى في انفصال الظاهر عن الباطن من شرّ على المسلمين يزيدُ مع الأّيام،وعلى ذلك استشهد عليه السلام. ولكنّ أمر الله سبق عليه، فما كانت حركته إلاّ تنديداً بالكارثة التي حلّت بالإسلام والمسلمين بهذا الانفصال بين الظاهر والباطن، بين الخلافة الظاهرة والخلافة الباطنة.

فالفقه قامَ موافقاً للمشيئة الإلهية كما سبق أن قلنا، وحامياً لما تبقّى من وحدة المسلمين وبيضتهم، وما كان الفقهُ والشرعُ مدافعاً عن ظلم الظالمين وحكم الجائرين وتجاوز الانتهازيين من أبناء الدّنيا المتنازعين على الحكم والسلطة والجاه، وأنّ سيرة السّلف رضوان الله عليهم، سيرة أعيانهم وصالحيهم شاهدةٌ على ابتعاد الصالحين عن مخالطة الحكام الجورة والظلمة، وعدم التواصل معهم على سبيل الرضا بسياساتهم وحظوظهم، بل كانت يدُ الأئمة أعلى ونفوسهم عزيزةٌ، عزيزة بما هو عليه الحقّ الذي يمثّلونه ويرمزون إليه، المتنزّه عن الدّنيا وسفالتها وظلمها وجورها، وما كان التواصل قائماً أحياناً إلاّ من باب المناصحة والأمر بالمعروف وفي حدودٍ ضيّقةٍ جدّاً، هذا عن سيرة الصّالحين والأعيان الذين زكّتهم الأمّة، وكما كان الحاكم العادل الصالح مستنصراً بالله ليحكم بالعدل والصلاح، فكان صالحو زمانه يمدّونه بالتأييد مقدار استجابته لأمر الله تعالى فالله يقول {وَإِنْ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ}الأنفال:72. فكان حقّاً على المؤمنين نصرُ من يستنصرُ بالله صادقاً، فكان الأمرُ نسبياً قائماً على الحقّ أينما دارَ، وما كان أهلُ الله وأهل الصّلاح يداً في يدِ الحكّام ولعبةً وامتداداً لهم ولظلمهم على العباد، فالشرعية مثبتة لهؤلاء الحكّام كما ذكرنا، بحكم الحكمة والرّحمة العامّة وأمر الله سبحانه ومشيئته الموافقة لحقائق النّاس وبواطنهم كما قيل "كما تكونوا يولّى عليكم"، أمّا النّصح والنّصيحة فواجبٌ للحكام وبالطريقة التي تستدرُّ خيرهم ورحمتهم بالرعيّة ما أمكنَ ذلك. كما جاء في الحديث الصحيح (الدين النصيحة ، قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمّة المسلمين وعامّتهم) رواه البخاري ومسلم .
وهذا الكلام ذكرناهُ عن المراحل التي كان الخروج فيها بغياً واعتداءً وتجاوزاً على وحدة المسلمين وكسراً لبيضتهم.



________________




وعوداً لذكر المهدي وحقيقته العالية، فقلنا المهدي هو الخاتم الجامع بين الأضداد، كما جمعَ الأصلُ بين الأضدادُ، إذ هو عينُ الأصلُ بسرّه المطمطم، فالإنسان ذكرنا أنّ الله أودعَ فيه الأمانة التي هي الصورة والتي أشفقت منها السموات والأرضُ وأبينَ أن يحملنَها إبايةً راجعةً للوسعِ والقابلية التي أودعها الله في خلقه، وحملها الإنسانُ، حملَ هذه الأمانة وهذا السرّ العظيم، سرّ الخلافة فكان ظلوماً جهولاً، ظلوماً بظلمه لنفسه وغفلته عن عظمة هذه الأمانةِ وقدرِهاَ، جهولاً وفقاً لكونِهِ سبحانه لا يُعرفُ إلاّ بأسمائه وصفاته، فصارَ الإنسانُ بهذا الاعتبار في مقامِ الحيرةِ بين العجز والإدراكِ، وبين العلمِ والجهلِ، فالإنسانُ وحتّى بكونِهِ الإنسان الكامل الحامل لهذه الأمانة فالوصفانِ منطبقانِ عليه، الظلم والجهل. فمن حيث هو أعلمُ بالله فهو جاهلٌ بما لم يتجلّ الله به، فهو عالمٌ مدركٌ بما تجلّى الله عليه به، فالهويّة غيبٌ، والكنهُ غيبٌ.فافهم. وهذا هو مقامُ الحيرة والعجز الذي ذكرهُ الأكابر، ووردَ ذكرُه عن سيّد الخلق صلوات الله وسلامه عليه "زدني فيك تحيراً‏"‏‏ وهو مطابقٌ لقولهِ تعالى {‏‏وقلْ رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً‏}‏‏[‏طه‏:‏114‏]، فالحيرة ناتجةٌ من العجز عن الإدراك والجهل بالغيب المطلق. وفي هذا المقام قال صلّى الله عليه وسلّم : "لا أحْصِي ثَنَاءً عَلَيكَ ، أنْتَ كَمَا أثْنَيْتَ عَلَى نَفسِكَ". وقال الصدّيق الأكبر رضوان الله عليه : "العجز عن درك الإدراك إدراك". فهو إدراكٌ تامّ، في غاية الوسع والإمكان، وهو في نفسِ الوقتِ عجزٌ عن إدراك الكمالات التي لا نهاية لها والتجليّات المفاضة من عين الذات، لأنّ الله لا نهاية لتجليّاته وكمالاته. فما حمدَ الله سواهُ فاعلم، وما قامَ بحقّ حمْدِ الله إلاّهُ، ما حمدَ الله إلاّ اللهُ سبحانه، فهو الحامدُ والحمدُ والمحمودُ، ولا يزالُ سبحانهُ في غيبيّته وكنزيّته، فما عرفَ خلقُهُ إلاّ ما تجلّى به عليهم، فبذلك عرفوهُ وذلك هو غاية العرفان به، وهنا قالَ أحد العارفين بالله تعالى في قوله  تعالى : {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [‏الكهف‏:‏28‏]. قوله تعالى {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}، فغاية معرفتهم به وإرادته هي معرفة وجهه، والوجه هو هنا معرفة تجليّاته التي تجلّى فيها، وقرَنَ الوجه بضميرِ الغائب والهويّة، فقطعَ عنهم معرفة هويّته مطلقاً، معرفة كنه ذاته وحقيقته سبحانه. فالله أغيرُ الغيورين كما جاء وصفه في الحديث النبويّ الشريف، وغيرتُه الكبرى تجلّت في أنّ ختم أسمائه كما قال الشيخ الأكبر هو الإسم "هُو". أي ضمير الغائب. فما عرفَ الخلقُ، وقولنا الخلقُ بما في ذلك مسمّى الإنسان الكامل الذي يُطلقُ في حقّ خير الخلق صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم، فما عرفوا في نهاية العرفان بالله سبحانه والعلمِ به إلاّ وجهَ التجلّي، وأنّ كلّ شيءٍ يرجعُ إليه سبحانه هُو، فقال عزّ من قائلٍ {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}[‏الحشر‏:‏22‏] فبدأ بـ "هو" وانتهى بـ "هو". فهذا هو ختمُ الأسماء. فكلّ شيءٍ راجعٌ لله سبحانه هو، فكان الإسم "هُو" راجعٌ إلى الذات الساذج القائمِ بكلّ تجلٍّ حقّي وخلقيّ. وهيهات أن يُدرِك المدركون ما عرّفه الله بضمير الغائب، هُو، فلا يزالُ غيباً غائباً، فافهم، تعالى الله عمّا يصفون، {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الحج:74].


يتبع ...


الخميس، 13 يونيو 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 33


- 33 -

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضّاً فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت..).

وهذا الحديث النبويّ الشريف على دلالاته الكثيرة، فهنا علمٌ كبير، نقفُ على بعضِ دلالاته كإشارةٍ ومعلمٍ هادٍ لنا في ظلمات العصور وفتنة الاعتداء على الحقّ، هذا الحديث الصّحيح الواقع حقّاً كما جاء بمراحله، ونحن نعيش نهاية الحكم الجبري وسقوطه كما نرى اليوم من تغيّراتٍ، دالاّتٍ في عالم المشيئة الإلهية أنّ تلك المراحل قامتْ على مشيئة الله تعالى {‏‏وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}‏‏ ‏[‏التكوير‏:‏29‏]. فكما قامَ الفقه الذي اجتمعت عليه الأمّة حامياً لبيضة الإسلام وفتنة التفرّق والخروج والمنازعات التي تجرّ الأمّة لويلاتٍ لا خير فيها، وما جاء في فقه عدم الخروج على الحكّام كما قال بعضُ أهل العلم بالله، فدلَّ هذا الحديث على أنّ سقوط الحكم الجبري وقيام الخلافة القادمة على منهاج النبوّة هي من مشيئة الله تعالى، فافهم. فكما قامَ الحقّ والفقه في الدّفاع عن فقه عدم الخروج عن الحكّام مهما ظلموا في تلك المراحل التي لاحتْ فيها المشيئة الإلهية وسبقتْ أنّ المشيئة سابقة على التغيير، وهنا علمٌ كبير، يوقفُكَ على حقيقة هذه الدّنيا، ويدلّك على علم التوحيد لله تعالى، وأنّ الأمر كلّه لله تعالى. فكأنّ تلك المراحل كانت على الدّنيا حتماً مقضياًّ، حتماً مقضيّاً تحتاجُ إلى تحريرٍ حقائقيّ وواقعيّ، فإنّه ما انفصلت الخلافة الباطنة مع الخلافة الظاهرة إلاّ بواقعها وفساد المُهَج، وطلب النّاس للدّنيا، فجاءت الحقائق موافقاتٍ لبواطن النّاس وحقائقهم. وساءت الأزمان شيئاً فشيئاً، حتّى صرنا إلى الحكم الجبري وهو أسوأ الفترات في حكم الأمّة المسلمة، وسقطت فيه القدس، وتفرّقت الأمّة دويلات، وما شرحناهُ من كيد الدجّال، وعلمه بالحقائق، الدجّال ومن ورائه إبليس، إبليس هو المعلّم الأكبر والعالم الخبير بحقائق الأمور، والعدوّ الكبير للإنسان.

فقلنا كانت المشيئة سابقةً، فقامَ الفقهُ وقامت الأحكام الشرعية منافِحَةً على بيضة الحكم والدّولة المسلمة لكي لا تقع المنازعات التي ليس لها داعٍ، لأنّ المنازعات لا تقومُ إلاّ بحقّها، وحيثُ أنّ الخلافة الباطنة انفصلت مع الظاهرة من عهد سيّدنا الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، فقد صارت المنازعات على الحكم متشابهة، والخروج على الحاكم من نفس وجود ذلك الحاكم، فكلّ خروج على الحاكم - في المراحل السّابقة قبل أوان قدوم المرحلة الأخيرة- هو بتقرير المشيئة الإلهية خارجٌ عن الحقّ، من جنس طلب الدّنيا ومن حظوظ النّفس، مهما حاولَ المبرّرون تأويلا أفعالهم فيه، وبالتالي فهو إفسادٌ في الأرض وفتنةٌ وموجبُ لسفك الدّماء والمنازعات الفتّاكة التي تفتكُ بالنّاس التي حرّمها الله تعالى، فصار الإصلاحُ على سبيل الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وسبله التي أشار إليها أهل الصّلاح وسلك سبيلها أهل الفلاح، والدّفع في الأرض والسّعي قدر المستطاع لإصلاح الخلق وتوجيههم إلى الحقّ وتخفيف الضرّ والفساد والضّلال.

وعليه فقد كان الفقهُ قائماً بمقتضى المشيئة الإلهية، ودائراً معها، ولمّا جاءَ أوانُ سقوط الحكم الجبري واندلاع هذه التغيّرات والثورات الشعبية، فقد اجتمعَ التغيير هنا مع المشيئة الإلهية، فافهم. فالحديث النبويّ الشريف له هذه الدلالة العميقة والحكيمة، ونحنُ نقتبسُها من أهل العرفان الذين أشاروا إليها، ونضعُها هنا، فالتغيير الواقع وإن خالف ما كان مجمعٌ عليه من الأمّة وأهل الفقه، فهذه المخالفة وقعتْ ظاهرةً لهذا الإجماع فقط، أمّا في الحقيقة فالتغيير وقع بمشيئة الله تعالى، بمعنى أنّ التغيير وسقوط الحكم الجبري، اجتمعَ فيه معاملين إثنين : التغيير المقدّر الواقع بالمشيئة الإلهية، والتغيير المراد الذي ينشدُهُ كلّ مؤمن بالله ويرجوه كلّ عبدٍ وهو قيام الخلافة الرّاشدة على منهاج النبوّة.

فاصبحَ من المستحيل أن يُخالفَ الشرعُ بأحكامه وفقهه هذه المشيئة الإلهية إلاّ ظاهراً، وإجماعاً كان قائماً بأسسه الباطنة التي لم يفقهها أهل الظاهر، والجامدون على النّصوص من غير استشفافٍ للحقّ الخالص الحقّ المراد الذي أمرَ الله به سبحانه. فافهم.

فالمؤمن يدورُ مع الحقّ حيثما دار، وهذه الصّفة تعلّقتْ لخفائها وتعلّقها بالمشيئة الإلهية، تعلّقت بأهل العلم بالله تعالى وحدهم، فهم لعلمهم بالله وشهودهم مراداته في الخلق، يشهدونَ هذا التجلّي عليهم في واقعهم ومراد الله منهم، فيعرفون الحقّ حيثما دارَ، فيدورونَ معه، فانظرْ مثال هذا إلى ما ذكرناهُ من فتنة التغيير الواقع في أيّامنا وكيف اختلف عليه المختلفون، وبقيَ أهل الجمود والنّصوص من غيرِ بوصلةٍ تهديهم إلى الحقيقة والحقّ، يضلّلون الذين استجابوا لهذا التغيير، وهو تغيير وراءه الخير العظيم والخلافة الإلهية القادمة المتظرة لا شكّ في ذلك، ووراءه نهاية دولة الباطل المهيمنة على العالم اليوم بعسكرتها وإعلامها وغزوها الأثيريّ والثقافي والإعلامي والعسكري والاقتصادي والسياسي والاجتماعيّ، ما من مجالِ إلاّ هيمنَ فيه أهلُ الباطل على العالم، يخدمون دولتهم الباطلة القادمة، فجاء هذا التغيير رغماً عنهم بمشيئة الله وإعلاناً بقدوم الخير الأكبر، ونهاية شرّهم وباطلهم ودولتهم، لذلك ما كان من إبلبيس وعصابته، والدجّال وعصابته إلاّ أن يركبوا موجات التغيير ويحدثوا فيها ما يخدمهم، ويمكروا فيها مكراً. وهم علموا أم لم يعلموا فالله تعالى بمكرهم يمكرُ بهم ويستدرجهم إلى نهايتهم وسقوطهم. قُضيَ الأمرُ وانتهى، فلا رادّ لقضاء الله ومراده، قال سبحانه وتعالى :
{وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} الأنفال-30. وقال سبحانه {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا. وَأَكِيدُ كَيْدًا. فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} طارق. قلتُ فكانَ هذا الحديث النبويّ الشريف العظيم دالٌّ على فقه الحقّ والمشيئة، ودالٌّ في نفس الوقتِ على الطائفة العارفة بالله التي تدورُ مع الحق، وتؤيّدُهُ ولو خالفتْ ما كان من أحكامٍ ظاهرةً قائمةً بظروفها وشروطها وضوابطها، فإذا تغيّرت الوقائع والظروف والضوابط تغيّرتِ معها الأحكام، لذلك سيخرجُ الإمام المهدي عليه السلام ويُعاديه الكثير من علماء الظاهر الجاهلون بالأحكام والعلم، الذين قستْ قلوبهم فهي لا ترى الحقّ، وتعلّقتْ قلوبهم بالدّنيا وفتاتها، وهذا من أسباب فساد آخر الزمان، لفساد العلماء واصحاب المنابر، وطلبهم الدّنيا ووقوعهم في تلبيس النّفس والشيطان، وتركوا مناصرة الحقّ والمستضعفين، وتركوا روح الدّين وفقه الاستخلاف، واعتصموا بتعصبّاتهم وقوالبهم الفاسدة الجامدة.

ومن دلالات هذا الحديث النبويّ الشريف العظيم، ردّهُ على الذين طعنوا في صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وطعنوا في الخلافة الرّاشدة التي حكمها الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم، فهذا الحديث النبويّ الشريف دليلٌ عظيمٌ وشاهدٌ على خطأ وانزلاق من انزلَقَ بالطّعن في خيرة أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، باسم آل البيت والدّفاع عن آل البيت، والله يعلمُ أنّ آل البيت والصحابة مشكاةٌ واحدة هي مشكاة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فكلّهم منه وإليه رضوان الله عليهم.

فالحديث حدّد المرحلة الأولى بالخلافة الراشدة على منهاج النبوّة، فلا مجالَ للطّعن فيها قليلاً ولا كثيراً، وهي ثلاثون سنةً مدّة هذه الخلافة الرّاشدة لا تزول وتنتهي إلاّ بالمرحلة التي تلتها، وهي الملك العضوض، ((
تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضّاً..)). فتأمّل الحديث النبويّ الشريف، لتفهمَ وتعرف فلا تُفتن، ولا يلعب بعقلك وقلبك أحدٌ من هؤلاء الذين يريدونها باطلاً وفتنةً بالأسماء المقدّسة. فهي خلافة راشدةٌ على منهاج النبوّة تلت النبوّة ويتلوها الملك العضوض بالعهد الأمويّ، إذ صار الحكم وراثياً وعائلياً.

روى الترمذي عن سعيد بن جمهان قال حدثني سفينة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك، ثم قال لي سفينة: أمسك خلافة أبي بكر ثم قال وخلافة عمر وخلافة عثمان ثم قال لي أمسك خلافة علي قال فوجدناها ثلاثين سنة"

وهي كذلك ثلاثون سنة قدر خلافة الأربعة رضوان الله عليهم.  فكان هذا الحديث النبويّ الشريف حديث المراحل عن حديفة بن اليمان رضي الله عنه، من أجلّ الأحاديث النبويّة في دلالاته على الحقّ. وما يعقلُها إلاّ العالمون وقد وقفنا عليه وفقاً لما أشارَ إلى أغلب ما وضعناه من إشارات ودلالات بعض أهل العرفان بالله تعالى.

يتبع ..


الأربعاء، 12 يونيو 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 32




- 32 -


الكلامُ المتعلّقُ بالمهدي كثير، ولكنّ الأنفاس الدافعة لهذا الكلام مشتّتة، وقد وعدنا أن نتكلّمَ عن صفات المهدي المنعوتة في الأحاديث النبويّة الشريفة، وأنّ هذه الصفات هي علامات صارخات في عالم العلم والمعرفة أنّ المهدي هو إمام الأئمّة. لا يعلمُ ذلك سوى أهلِ العلم، وأهل التحقيق والتدقيق الواقفين على عمق الدّلالات، وعلم الكلمات والمصطلحات الرّاجعة بعلمها إلى منبع العلم الأصليّ، من حيث هو علمٌ محضٌ صلته التقديس، أي علم بالله ومن الله سبحانه مؤسّس محكم بين الظاهر والباطن. وهؤلاء هم أهل العلم حقيقةً، وهم الأئمة والمشايخ الذين إليهم المرجعية والهداية والدّلالة على الله سبحانه وعلى طيقه وهديه وعلى شرعه، هؤلاء هم ورثة الأنبياء فبهداهم اقتده.


علومهم يلقونها بقدَرٍ، يعطون المحتاج قدْرَ حاجته من العلم والدلالة وقدْرَ قصدِهِ وطلبه. فأوّل الهداية أن تعرف السّبيل الهادي الصّحيح، والإمام الصّحيح والعلم الصّحيح. طبعاً بعد القصد السلّيم والنيّة النقيّة والإرادة الصحيحة لطلب وجه الله سبحانه.


قلتُ سوفَ أعود إن شاء الله لذكر هذه الأوصاف وشرح حقيقتها ودلالتها على إمامة المهدي عليه السلام، فليست الأوصاف والنّعوت الخلقية والجسمية جزافاً وصدفةً وعبثاً كما يعتقدُ الكثيرون، بل هي مقدّرةٌ بقدرها من لدن حكيم عليم سبحانه، فكلّ وصفٍ جسميّ وخلقيّ له دلالته على الباطن والحقيقة. ولك أن ترجعَ إلى حضرة خير خلق الله سيدنا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه، لتعرفَ أنّ أوصافه الخلْقية وشمائله الجسمية كانت في غاية التناسق والاعتدال والجمال دالّةً على اعتداله وجماله وكماله الإنسانيّ الذي ليس فوقه كمال صلى الله عليه وسلّم. وقد أشارَ إلى بعض أسرار النّعوت والأوصاف الشيخ الأكبر في بعض كتبه.


وإنّ ممّا استوقفني حديث المراحل المتعلّقة بحكم الأمّة المحمدية وخلافتها حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، فأحببتُ أن اضعهُ مشيراً للّفتةِ المراد الإشارة إليها، وهي لفتة لفتَ إليها أحد العارفين بالله تعالى، وما أكثر اللّفتات في النّصوص المقدّسة والشريفة ولكن لا يقفُ عليها إلاّ العلماء بالله سبحانه، لترى وتشهدَ أيّها المؤمن بالله حجيّة الكلام المقدّس ودلالاته، سواء كان كلام الله تعالى القرآن فهو كثير الدّلالات غزير المعاني مطلق العلم غير منتهٍ ابداً كما الإطلاق الذي لا ينتهي، كما الذي أنزله سبحانه الذي إليه صفةُ الإطلاق، فالكلامُ دالٌّ على قائله، والقرآنُ كلامُ الله تعالى، فصفةُ الله الإطلاق، فصفة القرآن الإطلاق في مداليله ومعانيه ونفائسه وإشاراته، أو كان حديث النبيّ الشريف وقد آتاهُ الله جوامع الكلم وجعله الرّسول الأمين والشارع المبين صلوات الله وسلامه عليه {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} سورة النجم. فكلّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم له دلالاته، ترتيب الألفاظ وعين الألفاظ وكلّ شيءٍ في حديثه له دلالته العلمية والشرعية، لذلك نبّه و قال صلّى الله عليه وسلّم "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ". عليه فتأمّل قوله صلّى الله عليه وسلّم "أدّاها كما سمعها" بلفظها لا بمعناها، فإنّ حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وصلَ إلينا باللّفظ، بلفظه الشريف، فالمعنى وجهٌ من وجوه اللفظ، أمّا اللّفظ فهو حمّالُ أوجهٍ للمعنى، ومتّسعٌ للمعاني يقبلُها بلا انقطاع، ذلك زاد عليه الصلاة والسلام فقال : ربّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، حتى لو كان فقيهاً فقد يكونُ من هو أفقه منه إذ يسمع لفظ القائل فيستوعبُه، وقال ربّ حامل فقه ليس بفقيه، فقد يكونُ الرّاوي راوياً فقط وحاملاً للرواية وليس له فقهها والعلم بها، فتأمّل فهذا كلامُ النبوّة لجلالة معانيه ودقّتها، وإشارته لما نريدُه من كونِ الألفاظ المقدّسة والأقوال المقدّسة، سرّها في ألفاظها وتركيبها وكيف خرجت من عند صاحبها، فلا معنى للرّاوي أن ينقل معنى الرواية، بل الشرف كلّ الشرف والمجد كلّ المجد والأجر كلّ الأجر أن ينقل الرّاوي المقالة كما سمعها، لا ينقصُ منها ولا يزيد، ولا يتصرّف فيها، لتصلَ إلى أهلها أهل الفقه والعلم.

فقلنا استوقفنا حديث مراحل الحكم والخلافة في الأمّة المحمدية المروي من طريق حذيفة بن اليمان رضوان الله عليه. عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضّاً فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت..) رواه أحمد والطيالسي والبزار، وعزاه البوصيري لابن أبي شيبة وللطبراني في الأوسط مختصراً، وقال الحافظ الهيثمي: رجاله ثقات.

هذا الحديث النبويّ الشريف الصحيح العجيب، الذي وقع كما جاء، يخبرنا بمراحل الأمّة المحمدية من عهد النبوّّة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، إلى آخر الزمان حيث تقومُ الخلافة الإلهية على منهاج النبوّة، ما أردنا اللّفتَ إليه كما لفتَ عليه أحد العارفين بالله إشارةً، فأحببنا أن نثبتَ هذه الإشارة في تعيين حقيقة هذا الخليفة المهدي القائم في آخر الزمان بالخلافة الإلهية، فإنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ذكرَ في كلّ مرحلة من مراحل الحكم والغيب القادم عبارة "تكون فيكم ما شاء الله لها أن تكون" وعبارة "يرفعها إذا شاء أن يرفعها". فتأمّل النصّ النبويّ الشريف، وذلك يدلُّ على غاية أدب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مع ربّه وعلى غاية علمه به سبحانه أنّ الغيب بيده وهو المتصرّفُ فيه وحده، فردّ المشيئة لله وحده، حتّى إذا جاءت مرحلة الخلافة على منهاج النبوّة في آخر الزمان الآتية بعد الحكم الجبري للحكّام العرب، ما ذكر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تلك العبارة بشقّيها، عبارة المشيئة، فانظر رحمك الله لتعرفَ بعين التوسّم والعلم من هذا الخليفة المهدي القادم القائم بخلافة آخر الزمان، فهو الخليفة الأوّل عن الله تعالى، فما كانت مشيئته إلاّ عن مشيئة المستخلف بذاته، فما وقع التعدّد، وإلى هذه اللّفتة نقول قد أشارَ الله تعالى بقوله : {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} [الزخرف:84]، وقال سبحانه وتعالى {أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} [النمل: 62]. فما كانت مشيئة الخليفة وعلمه إلاّ مشيئة وعلم المستخلف بذاته، فهو حامل سرّ الذات وهو القائم بأمر الله، فافهم إن كنتَ ممن يفهم، وهذه من أعظم اللّفتات المشيرة إلى حقيقة المهدي عليه السلام، وحقيقة الخلافة الإلهية. فهي خلافة الله في الأرض. لذلك توحدّتِ المشيئة فكانت مشئية واحدةً هي ذاتُ المشيئة الواقعة فيما سبق في المراحل السّابقة للخلافة الإلهية. فافهم.


يتبع ...

الجمعة، 7 يونيو 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 31



- إثبات الإمامة على الاطلاق من غير اختلاف -
قال الشيخ الأكبر قدس الله سره في فصل (إثبات الإمامة على الاطلاق من غير اختلاف)
في كتاب (عنقاء مغرب في معرفة ختم الاولياء و شمس المغرب)

((إعلم أنّ الإمامة هي المنزلة التي يكون النازل فيها إماماً متبوعا وكلامه مسموعا، وعقده لا يُحلّ، وضرب مهندّه لا يُفلّ، إذا همّ أمضى، ولا راد لما به قضى، حسامُهُ مصلت، وكلامُه مصمت، لا يجدُ الغرضُ مدخلاً إليه ، وإن رامَ أعتراضاً عوقب عليه، وقد أثبتها كبرى وأكبر وصغرى وأصغر.)) انتهى

فتأمّل هذا الكلام النّفيس للشيخ الأكبر في شرح الإمامة وحقيقتها، وهو هنا يريدُ أن يعرّفنا بصاحب الإمامة الأكبر والأعلى التي ليست فوقها إمامة في كتابه الخاصّ بالتعريف بالختم والخليفة.

* ويقول رضي الله عنه في نفس الفصل : ((وحكم الإمام على قمسين : لما كان الإمام إمامين: ناطق ومضمّن نطقاً، وصادق ومودع صدقاً، كالإمام الذي هو الكتاب الصحيح الذي يشهد عليه بالتصريح فيحكم عليه الكتاب بما شاء كيف شاء ولذلك قال الصادق المختار فيسبق عليه الكتاب فيدخل النار)) انتهى.

وهو هنا يريدُ أنّ الإمامة استودعها الله على شكلين وقسمين : كتاب وإمام خصّ بهذا الكتاب، فكان الكتاب هو الإمام المبين الذي أحصى الله فيه كلّ شيء وقضى فيه ما قضى على الخلق فهو العقل الأوّل وهو الرّوح الأعظم الذي تجلّى الله فيه بأقضيته واقداره وتجليّاته، فهذا هو الكتاب الإمام الذي حكمَ على الأعيان في الأزل، فافهم، وأمّا الإمام المقابل لهذا الكتاب فهو العبد المخصوص بنزول هذا الكتاب عليه فهو الإمامُ النّاطقُ بهذا الكتاب حرفاً والحاكمُ به عدلاً والقاضي فيه قضاءً، فكان العبدُ من جنس الكتاب محكمٌ لا عوج فيه ولا غرض ولا خلل ولا تناقض. قال سبحانه وتعالى {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1)} سورة الكهف. فالعوج إن شئتَ عاد على العبد أو عادَ على الكتاب فكلاهما خاليانِ من العوج فهما متجانسان تامّان، فهما إمامان وهما إمام واحدٌ في الحقيقة والحكم، فافهم فهذا الذي أراده الشيخ الأكبر، موافقاً لما قاله سبحانه في وصف عبده المهدي والكتاب الذي أنزله عليه، وهو كتاب الوجود.

ثمّ تأمّل في الخلافة الإلهية فهي مخصوصة بآخر الزمان، بالإمام المهدي المنتظر، وانظُرْ في اسمها الخلافة الإلهية نسبة لخليفة الله المهدي، فما خصّ بالخلافة الإلهية بمعناها الكامل ظاهراً وباطناً سوى الخليفة المهدي في آخر الزمان. ولذلك اقترنتْ خلافته بالعدل التامّ، فلك هنا أن ترى أنّ الحاكم بكتاب الله تعالى القرآن ليس هو سوى الخليفة، فهو الذي يحكمُ به بالعدل المطلق، فما رجعَ الكتابُ إلاّ لصاحبه الذي يحكمُ به. فالنبيّ صلى الله عليه وسلّم هو الرّسول، رسول الأحكام ودليل العبودية والهداية والمحجّة البيضاء لسلوك السّبيل إلى الواحد الأحد سبحانه، وأنزل عليه القرآن ليعلّم الناس التلاوة والعبادة والعبودية والحكمة، بينما المهدي فهو الخليفة الحاكمُ بهذا الكتاب القرآن. فيظهرُ بالعدل والفصل والحكم بهذا الكتاب فافهم. ويظهرُ بعلم القرآن علماً فريداً ويقيمُ به الحجّة على خاتمية رسالة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وعلى هيمنة الإسلام وصلاحيته الكبرى لبني الإنسان.
فهما إمامان لهما الحكمُ والفيصلُ الكتابُ والخليفة. وهما إمامٌ واحد كما أشرنا.

* ويقول رضي الله عنه في نفس الفصل :
((.. فإمام الأئمة كلّها هاديها ومضلّها {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا})) انتهى.


فهو هنا يقول أنّ الإمام الأكبر والأعلى هو الذي بيده الهداية والإضلال، وإليه الإرادة العليا الحاكمة في الأعيان والممكنات وإليه يرجع الأمر كلّه. وليس ذاك سوى الواحد الأحد المريد الله جلّ جلاله. فلو تعدّدت المشيئات والإرادات لذهبَ كلّ إله بما خلق، ولذهبَ كلّ إمامٍ بما أمرَ.

* ويقول في نفس الفصل رضي الله عنه:
(( ... والإمام الأكبرُ المُتَّبَعُ الذي إليه النهاية والمرجع وتنعقد عليه أمور الأمّة أجمع وكلّ إمام لا يُخالف في إمامته إذا ظهر بعلامته ، وكلّ إمام تحت أمر هذا الإمام الكبير . كما أنّه تحت قهر القاهر القدير ، فهو الآخذ عن الحقّ ، والمُعطي بحقّ في حقّ فلا تخذلوه وانصروه ووقّروه وعزّروه، فإنّه إلى هذه المنزلة الشريفة الإشارة بقوله : {إنّي جاعل في الأرض خليفة} ولمّا وقع الإعتراض جعل المعترضين سجّدا بين يديه، فاختصّ بخزي الأبد من أبى السجود، وذلك حين بادر من امتثل الأمر وسجد، وكفى بهذا شرفا للإنسان وكيف إذا انضاف إلى هذا كونه على صورة الرّحمن فله الفضل على جميع الوجود بالصّورة والسّجود، فبالصورة صحّت له الإمامة ، وبالسجود صحّت له العلامة ، حتى شهد الحقّ أنّها له علامة ، ولمّا كان الأمر على هذا الترتيب وأعطت الحكمة له هذا التقريب ، كذلك هذه النشأة الإنسانية والنكتة الربانية فيها أئمة كما فيها أمم أمّة فوق أمّة اذ كان أمّ الكتاب وحضرة اللّباب.)) انتهى.

وهذا كلامٌ فصلٌ جامعٌ صريح في التصريح بالإمام الأكبر الذي ليس فوقه إمام، فهو الخليفة الذي صحّت له صورة الأصل الجامع بين الأضداد فصحّت له الإمامة العليا التي ليس فوقها إمامة، وصحّ له بالسجود العلامة بسرّه المودع فيه سرّ الذات. فقد سجدت الملائكة لآدم عليه السلام ولكنّ المقصود هو سرّ آدم ونفخة روح الله فيه وذلك هو الخليفة حامل سرّ المستخلف بذاته. فافهم.

يقول الشيخ الأكبر في الفتوحات المكية ((فالإنسان الكامل الظاهر بالصورة الإلهية لم يعطه الله هذا الكمال إلا ليكون بدَلًا من الحقّ ولهذا سمّاه خليفة وما بعده من أمثاله خلفاء له فالأوّل وحده هو خليفة الحقّ وما ظهر عنه من أمثاله في عالم الأجسام فهم خلفاء هذا الخليفة وبدل منه في كل أمر يصحّ أن يكون له ولهذا صحّت له المقولات العشرة التي لا تقبل الزيادة على هذا العدد فهذه هي النيابة الأولى)) انتهى.

وهنا الشيخ يُصرّح أنّ الخلافة بمعناها التامّ من كون الخليفة بدلاً عن الحقّ وحاملا لخصائص وصفات المستخلف فهي للخليفة الأوّل وحده، فهو وحده الذي صحّت له النّسبة بالذات وكاملةً غير ناقصةٍ، ما جازَ على المستخلف جاز على الخليفة، ذاتاً وصفاتٍ، كنهاً وتجليّاتٍ. فافهم. وباقي الخلفاء من أمثاله في عالم الأجسام هم خلفاء عن الخليفة الأوّل. لهذا تميّزَ بالإمامة الذاتية في صورة جذبه موافقةً للأصل الذي يتجلّى بالأضداد، وتميّز بالعلامة بالسّجود لهُ، أي السّجود لخليفة الخليفة وهو آدم عليه السلام، فهو خليفة الخليفة الأوّل. فافهم.

وهذه الصّورة التي صحّت للخاتم بها الإمامة يذكرها الشيخ الأكبر في كتابه الفصوص في كلمة شيثية، وقد أسندَها إلى الخاتم وهو في جذبه وتركيبه العنصريّ، إذ قال : ((وهذا العلم كان علم شيث عليه السلام وروحه هو الممدّ لكل من يتكلّم فيه مثل هذا من الأرواح ما عدا الخاتم فإنّه لا يأتيه المادة إلاّ من الله لا من روح من الأرواح، بل من روحه تكون المادة لجميع الأرواح وإن كان لا يعقل ذلك من نفسه في زمان تركيب جسده العنصري. فهو من حيث حقيقته ورتبته عالم بذلك كله بعينه، من حيث ما هو جاهل به من جهة تركيبه العنصري. فهو العالم الجاهل، فيقبل الاتّصاف بالاضداد كما قبِلَ الأصلُ بذلك، كالجليل والجميل، وكالظاهر والباطن والأول والآخر وهو عينه ليس غير. فيعلم ولا يعلم، ويدري ولا يدري، ويشهد ولا يشهد.)) انتهى.

فهذه هي الصورة التي أوجبت له الإمامة أنّه وليّ بالأصالة قبل كماله، فهو كامل وغير كامل، عالم وغير عالم، جامع بين الأضداد جهل وعلم جمال وجلال وظهور وبطون كما هو الأصل، وقال : "وهو عينه لاغير". فافهم هذا التصريح فهو عينُ هذا الأصل، اي هو عين الذات. فهذه هي العلامة أنّه الخليفة الحقّ والأوّل والإمام الأعلى الأكبر.

* ويقول رضي الله عنه بعد ذلك :
((والروح الفكري إمام، والروح العقلي إمام، والروح المصوّر إمام، والرّوح الخيالي إمام، والروح الوهمي إمام، والحواس أئمة، ولكلّ إمام من هذه الأئمة أمّة، والإمام الأكبر، والنّور الأزهر، هوالقلب المقدّم على عالم الشهادة والغيب وهو الروح القدسيّ والإمام القدسيّ، وإليه أشار صلى الله عليه وسلّم بقوله : ((ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب)) فإن كان صالحاً فروح قدسيّ، وإن كان غير ذلك فشيطان غويّ، فالرعيّة على دين الإمام، سواء في عالم البسائط أو عالم الأجسام، فإمام الإنسان هو الذي فيه الرّحمن : «ما وسعتني أرضي ولا سمائي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن» حين ضاق عن تجلّيه الأرضُ والسّماء واستحالَ عليهما الاتّصاف بالأسماء فصار قلبُ العارف بيت الحقّ ومقعد صدق، فقد ثبت الإمام جمعاً، وأتى الناس إليهما طوعاً وكرهاً)) انتهى.

وهنا يعرّفنا الشيخ الهمام رضي الله عنه بالإمام في عالم الأجسام، وعالم الإنسان، وعالم الأكوان، فقال هو القلبُ الذي وسع الحقّ سبحانه، فصار روحاً قدسياً. ولابدّ لنا هنا من وقفةٍ للتعريف بهذا القلب، وهذا الرّوح القدسيّ والإمام القدسيّ. وقد ضربَ الله لنا في الأمكنة المقدّسة مثالاً لهذه الأئمة وهذه الرّموز، لنستلهم العلم والمعرفة ونشهد المراتب والمنازل، وجاءنا الشرع على لسان رسول الله صلّى الله عليهم وسلّم بالتعريف بهذه المنازل وقدسيّتها، فكان المسجد الحرام والكعبة هما رمز الإمام القدسيّ المشار إليه، ألا ترى أنّ القبلة هي الكعبة، وأنّ الكعبة تسمّى بيت الربّ، وأنّ السّجود، سجود الأشباح يتوجّهُ قبلةً إليها رمزاً، فافهم فالكعبة هي القلب الذي هو رمز بيت الربّ، إذ وسع القلبُ الحقّ سبحانه، ونزل فيه الرّوح، فصار هذا القلبُ روحاً قدسياً. وكان فضل الصّلاة في المسجد الحرام بمئة ألفٍ صلاة فيما سواه. قال صلى الله عليه وسلّم : « صَلاَةٌ فِى مَسْجِدِى هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلاَةٌ فِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ ». وفي حديث آخر إسناده حسن ((الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة)).

فتأمّل هذا التفضيل لتعلَم، أنّ الكعبة كانت رمزاً لبيت الربّ، وقبلةً للسجود، وفوقها البيت المعمور.
فإذا عرفتَ هذا التناسب في الأمكنة، عرفتَ أنّ الإمام القدسيّ، هو قطب الأرواح وإمامها الذي سجدت إليه الملائكة، كما نسجدُ للقبلة التي هي الكعبة وجهةً.

وهذا القطب الأعظم للأرواح الإنسانية وقبلة الأرواح هو الخليفة. فهو رمز القلب الأوّل، أي الرّوح القدسيّ المسمّى بالعقل الأوّل، لأنّ القلبَ جعله الله محلاًّ لهذا الوسع، فكان الرّوح النّازلُ في هذا القلب هو الذي جعلَ الإنسان الكامل إماماً نائباً وخليفةً عنه، فلمّا كان الخليفة الأوّل هو عينُ الرّوح القدسيّ، فقد صارَ القلبُ في حقيقته التي أنشأهُ الله لها أن يكونَ روحاً قدسياً. فافهم.
فإلى هذا الخليفة الإمامة القدسية. قال الله سبحانه {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.} [الشورى:52]. فهذا الروح الذي أوحى الله به لنبيّه المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، هو الرّوح القدسيّ الذي تجلّى الله فيه بذاته، فصارَ القلبُ في أصلِه الأوّل روحاً قدسياً قبلَ نزول هذا الروح على الخلفاء من بني آدم، إذ نزول هذا الرّوح القدسيّ على قلب العبد الكامل هو معنى الولاية ومقام الولاية، قال سبحانه ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194)﴾. [سورة الشعراء]. فقلنا كان الرّوح هو القلبُ الأوّل، القلبُ الأصليّ، فالقلبُ هو صورة الذات كما شرحناهُ في مقالٍ سابقٍ، فكان الخليفة الذي هو عين الرّوح القدسيّ هو القلب بالأصالة وهو عين الذات. كان وليّاً وآدم بين الماء والطين. {فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الشورى 9]. فافهم.

* ويقول رضي الله عنه في نفس الفصل :
((واعلموا أنّ المبايعة لا تقع إلاّ على الشرط المشروط والعقد الوثيق المربوط ،كل مبايع على قدر عزمه ومبلغ علمه، فقد يبايع الشخص على الإمامة وغيره تكون له العلامة، فتصبح المبايعة على الصّفات المعقولة لأعلى هذه النّشأة المجهولة فيمدّ عند تلك المبايعة الخليفة النّاقص في ظاهر الجنس الخليفة المطلوب يده، من حضرة القدس، فتقع المبايعة إليها من غير أن ينظر ببصره إليها، لذلك يقعُ الاختلاف في الإمام المعيّن لا في الوصفِ المتبيّن، في الخليفة التي تجتمع القلوب عليه، ولا سيّما إن اختلّ ما بين يديه، فقد صحّت المبايعة للخليفة وفاز بالرتبة الشريفة وإنْ توجّه اعتراض فلا سبيل إلى القلوب المنعوتة بالمراض، ولمّا كان الحقّ تعالى الإمام الأعلى والمتبّع الأولى قال : {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}
ولا ينال هذا المقام إلاّ جسم بعد النبي المصطفى الأعظم صلى الله عليه وسلم إلّا ختم الأولياء الأطول الأكرم))
انتهى.

فانظر إلى هذا الكلام الفصيح الصّريح، في تعيين هذا الإمام الأعلى الذي ليس على إمامته اختلاف، فهو الخاتم، فاز بالرّتبة الشريفة رتبة الخليفة، الخليفة الذي هو الحقّ تعالى ظاهراً بذاته في مظهر هذا الخليفة، فالآية فيها ضميران، المُبايَع في الظاهر هو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والبيعة وقعت في الحقيقة لله سبحانه، فالآية أشارت إلى الذي وجبَتْ له البيعة والإمامة العليا. فالخليفة هو حامل هذا السرّ الأعلى، وهو الإمام الأكبر والمتبّعُ الأَولى.

وصلّى الله على سيّدنا محمّد صفوة الخلق وسيّد الأوّلين والآخرين، والحمد لله ربّ العالمين.


يتبع ...

الخميس، 6 يونيو 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 30



- 30 -

الدجّالُ الطّامعُ في ما لا يُنالُ بحمقه وجهله وحقيقته التي حكمتْ عليه، ليس هو سوى أداةٍ لتدوير صراع الحقّ مع الباطل، الوجودُ كلّه تجليّات الحقّ سبحانه، وجود وعدم ، شرّ وخير ، حقّ وباطل ، ضرّ ونفع ، ملائكة وشياطين، لطافة وكثافة، روحانية وطبع ، كلّها خلق الخالق وتجليّاته سبحانه، والمكان والزمان ليست سوى تجليّات فالله سبحانه فوق الزمان والمكان، إنّما الزمان والمكان للمقيّد، المخلوق الكائن بكينونته الزمانية المكانية وضعفه ونقصه وقهره وصراعه وما أودع الله فيه. والخلق كلّهم مقهورون تحت قبضته، يوم ينادي سبحانه {
لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} فلا يجيبُه أحد، فيُجيبُ نفسه بنفسه عزّ وجلّ {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} غافر 16.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "يَطْوِي اللَّهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ، ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا الْمَلِكُ ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ ؟ ثُمَّ يَطْوِي الأَرَضِينَ ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِشِمَالِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا الْمَلِكُ ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ ؟" .

أين الجبّارون والمتكبّرون والمجرمون وأصحابُ الدّعاوى ؟ أين الحمقى والنّوكى ؟ خدعتهم نفوسهم ولبّس عليهم الشيطان فهم في خيباتهم يتلاعنون. قال تعالى {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ} فصلت-29. ورغم أنّ التفاسير نقلت أنّ المقصودين هما إبليس من الجنّ وقابيل من الإنس، بدعوى أنّ إبليس شرع الفساد والشرك، وقابيل شرع القتل وسفك الدّماء. ولكنّني أذهبُ أنّ المقصودَ من الإنس هو الدجّال السّامريّ، فهو معمّرٌ ومتآمر ومفسد وأكبر طاغية ومفسد من بني آدم، ونعتته النبوّة أنّه أعظم فتنة في تاريخ البشر. فالمقصودان هما إبليس والدجّال. وإن تأخّر ظهور الدجّال إلى نصف عمر الإنسانية تقريبا أي بظهور رسالة سيّدنا موسى عليه السلام على رأس الألفية الرّابعة ولكن عمر 3500 سنة ليست قليلة في الإفساد العظيم وتحريف أكبر الديانات السّماوية الثلاثة : اليهودية والمسيحية ونشر الفتن بين المسلمين وتفريقهم طوائف وفرق، فهذا فعل الدجّال وابن الصيّاد الذي عاصر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم واختفى عند واقعة الحرّة المشهورة التي ماتَ فيها خيرة أبناء المدينة وبقيّة صحابتها الأطهار على يد أهل البغي والسّوء من أتباع يزيد عليه خزي الله.

قلتُ : فسعي الدجّال وإفساد إبليس الأكبر هو إرادة الله أن تتجلّى الأضداد في ذروتها ليظهر قطب الشرّ بتحالفه بين الإنسان الضاّل السّامريّ والجنّ الضّال إبليس، ويظهر قطب الحقّ والوجود الإمام المهدي الخليفة فيقيمَ العدل المطلق ويردّ الكون إلى رحمانيته ويظهر بشرع خاتم الرّسل صلّى الله عليه وسلّم سيّد الأكوان الذي جعله الله القدوة والمرجعية والسيّد صاحب الرّسالة الخاتمة الجامعة والحقيقة العارفة بربّها الدّالة عليه وواسطة الخلق إليه. ليشهدَ الخليفة الحقّ على خاتمية رسالة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وسيادته على العالمين والأوّلين والآخرين. قال الله تعالى
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ الرعد-43. فمن هذا الذي عنده علم الكتاب الذي يشهد برسالة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعدما كذّبَ رؤوس الكفر برسالته من ربّه ؟ فاعلم أنّه ليس هذا الذي يحملُ علم الكتاب سوى صاحب الكتاب العبد الذي أنزل الله عليه الكتاب المذكور في فواتح سورة الكهف وسورة البقرة وغيرها من السور، الإمام المهدي المنتظر عليه السلام. وكما قال المسيح عليه السلام : "نحن علينا التنزيل والمهدي عليه التأويل". فالتأويل والحجّة والشهادة الكبرى والعلم يظهرُ بهم الإمام الأعلى الخليفة الختم صاحب الكتاب. ليشهدَ بذاته على فضل هذا النبيّ صلوات الله وسلامه عليه وفضل رسالته الخاتمة، فحينما يحكمُ صاحب الكتاب وخليفة الحقّ سبحانه وإمام الأئمّة بشرع خاتم الرّسل ويُظهره على الدّين كلّه فهذه هي الشهادة الكبرى لهذا النبيّ صلوات الله وسلامه عليه أنّ الله اتخذّه رسوله إلى العالمين وختمَ به الدّين والشرع المبين وجعله بابهُ وحجابه وواسطته إليه.

وقوله تعالى {
وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} سواء قرِئت بالعطف على هذه القراءة فهي مشيرة إلى صاحب علم الكتاب وهو الخليفة المهدي عليه السلام الظاهر بسرّ الحقّ تعالى سبحانه. وقد فسّرَ هذا الجزء جمهرة من المتقدّمين أنّ المقصود هو الله سبحانه، قال الإمام الطبري في تفسيره : ((وقد ذُكر عن جماعة من الـمتقدمين أنهم كانوا يقرءونه: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» بـمعنى: من عند الله)) انتهى.

وأورد جماعة منهم ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وغيرهم قولهم هو الله سبحانه. فهذه هي الشهادة التي ليست بعدها شهادة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الرّسول الأعظم والخاتم على خلاف ما زعم رؤساء الكفرة من اليهود وغيرهم بتكذيب رسالته صلى الله عليه وسلم.

وقال الإمام الطبري في تفسيره : ((حدثنا الـحسن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبـي بشر، قال: سألت سعيد بن جبـير، عن قول الله: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» أهو عبد الله بن سلام؟ قال: فكيف وهذه السورة مكية.)) انتهى.

فالحاصل أنّ الشهيد هنا هو المهدي المثبت رسالة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وحجيّتها على العالم وهيمنتها على الرّسالات فتعلو شهادة لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله في كلّ بلد وقطر. بعزّ عزيزٍ وذلّ ذليل. كما جاء في الحديث النبويّ الشريف :
"ليبلغنّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعزّ عزيز أو بذلّ ذليل عزاً يعزّ الله به الإسلام وذلاً يذلّ الله به الكفر" رواه الجماعة



يتبع ...

الثلاثاء، 4 يونيو 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 29



- 29 -

عمران بيت المقدس خراب يثرب - حقائق الختم المجذوب -


لبسم الله الرحمن الرحيم

عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
((عمران بيت المقدس خراب يثرب وخراب يثرب خروج الملحمة وخروج الملحمة فتح قسطنطينية وفتح القسطنطينية خروج الدجال))

رواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود في السنن وابن أبي شيبة في المصنف والبغوي في شرح السنة والطحاوي في شرح مشكل الآثار. وقال الحافظ ابن كثير في النهاية : (وهذا إسناد جيد وحديث حسن وعليه نور الصدق وجلالة النبوة).

قلتُ هذا الحديث لهُ دلالتهُ الظاهرة وهي ترتيب الأحداث في آخر الزمان حتى يخرج الدجّال. بدْءًا بعمران بيت المقدس وهو عهد الخلافة المهدية المقدّسة، ينتجُ عنها ويليها خراب يثرب (المدينة المنوّرة) ، ويلي خراب يثرب خروج الملحمة الكبرى المذكورة في السنن وكتب أهل العلم والحديث، ثمّ يلي الملحمة الكبرى فتح القسنطينية وقيل بعد ستة شهور أو سبعة من الملحمة تفتحُ القسطنطينية ، وبعد فتح القسطنطينية الكبرى بسبعة عشر يوما يخرجُ الدجال. كذا روى علماء الحديث وأهل العلم والله أعلم.

فهذا هو ظاهر الحديث النبويّ الشريف، أمّا باطنُهُ فشيءٌ عظيمٌ، ذكرَ فيه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سيرة سلوك المجذوب، ومراحل الطريق لله سبحانه .. وسوف نوضّح هذه الحقائق إن شاء الله تعالى. توافقاً مع هذا الموضوع المفتوح لهذا الغرض في تبيين حقائق الظواهر والمنازل. وتبيين أنّ سيرة المهدي هي سيرة ذاتيّة تجسّدت أحداثاً على الأرض .. ومن فهمها على حقيقتها ودلالاتها الروحية والمقاصدية والسلوكية فهم حقيقة الطّريق ومراحله.

فقال صلّى الله عليه وسلّم : (1) عمران بيت المقدس خراب يثرب. فعمران بيت المقدس : هنا تعني هي الجذب وبداياته أي الفناء في الذات العليّة إذ ينزلُ الرّوحُ إلى الأقصى أي أنّ روح المهدي المجذوب وقع لها الجذب ودخلت الحضرة القدسيّة (حضرة الرّوح الأعظم)، وهذا الجذب كان كاملاً ما مثّلَهُ سوى الرّوح بنفسه، وهذا الرّوحُ هو ذاتُه الإمام المهدي بعد البيعة والظهور، لذلك تعمُرُ بيت المقدس إذ تصيرُ عاصمة الخلافة كما هو معلوم. فسببُ كونها عاصمةً جعلها تعمُر وتُقصَدُ من كلّ أرجاء وبقاع الأمّة .. فهناك الإمامُ المهدي عليه السلام خليفة الله. وكلّ كاملٍ يقعُ لهُ الجذب لحضرة الرّوح، لأنّه روحُ أهل الكمال جميعهم فهو المسمّى بالحقيقة المحمديّة التي أوّل ما خلق الله وظهرَ فيها بذاته.
قال صلّى الله عليه وسلم : ((أوّل ما خلق الله رُوحَ نبيّك يا جابر ثم خلق العرش منه ثم خلق العالم بعد ذلك منه)). فهو روح النبيّ سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم الذي ظهر الله فيه بذاته. فلمّا كان المهدي المجذوب شمس المغرب فقد كانت الشمسُ جارية في عرشه بذاتها، لذلك كان هو الخليفة الرّوح بذاته النّازل في بيت المقدس. وانعكستْ سيرته الباطنة على الظاهر. قال الشيخ الأكبر : ((لم تزل الشمس جارية من المشرق إلى المغرب بغيرها ومن المغرب إلى المشرق بنفسها)). فتأمّل فهنا طلعَ الرّوح في سماء المجذوب، فكانَ هو عينُه الشمس والروح بعد كماله لا غير. روح أهل الكمال التي كانت شمسهم عاكسة لا ذاتية، أي جارية بغيرها. فافهم فإنّه ما طلعت الشمس من مغربها كحدث كونيّ إلاّ في آخر الزمان وفي ذلك آيةٌ للمتوسّمين، أنّ هذا الخاتم هو الشمس الذاتية التي كان يطلعُ بها غيرُه طوال فترة الدّنيا.


فقلنا هذا الجذب ونزول الرّوح في بيت المقدس سبّبَ عمرانها.
وهذا العمران في بيت المقدس ومنزل الرّوح (حضرة القدس) إذا اشتدّ تسبّبَ في نزوحِ النّاس من يثرب (مدينة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم) وهنا في الحقيقة : يُعطي حقيقة الطريق أنّ الجذبَ والفناء في الحضرة الأحدية قد تقدّمَ عند المجذوب، فمتى صارَ العبدُ فانياً في الله سبحانه فهو معدومٌ لذلك لا يُعتدُّ إلاّ بمن عاد إلى البقاء : فالفناء هو : لا إله إلاّ الله وهو الجذب. والبقاء هو: محمّد رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) وهو السّلوك.

فما عادَ العبدُ يسَعُهُ سوى الله سبحانه، فهو فانٍ عن الخلق والوجود، فلا يرى سوى الواحد الأحد سبحانه، لذلك يقعُ خراب يثرب (مدينة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم) لأنّ الخلْق ما ظهروا وما تعيّنوا وما خرجوا للوجود إلاّ به صلّى الله عليه وسلّم فهو صاحبُ حضرة الأكوان ومجلى استواء الرّحمن سبحانه. فافهم. وهذه حقيقةُ الفناء وهذه مرحلةٌ يمرُّ بها جميعُ أهل الكمال. وإلاّ فلن يصحّ فناءهم في الله سبحانه. فالفناء هو الإستغراق الكلّي والاستهلاك إلى آخره فلا يبقى فيه بقيّةٌ قليلة أو كثيرة تسعُ غيرَ الله سبحانه.

فيكونُ العبدُ مجذوباً فانياً في ذات الله ويغيبُ عن الخلق أجمعين ... حتى غاب عن صاحب حضرة الأكوان صلّى الله عليه وسلّم، فوقع خراب يثرب نتيجةً لهذا الفناء في ذات الله وحضرته الأحدية .. وهذا جذب عظيمٌ وتامٌّ يُبيّنُ عن حقيقة المجذوب الختم.
فانظُرْ فإنّ سيرة الختم المجذوب لا تُسْقِطُ قبابَ الأولياء والصالحين في الأرض وتهدمُها فقط، بل تخرِبُ مع ظهور هذا الوليّ الذاتيّ يثرب مدينة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفي ذلك آيةٌ أنّ صاحب الذات والحضرة الأحدية قد ظهرَ، فما بقِيَت قبّةٌ ولا حتّى مدينة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقيتْ عامرةً. فعمرتْ بيت المقدس منزل الرّوح وخربت يثرب. (ونفتحُ هنا قوساً في ما يحدثُ من هدم لقبابِ الصّالحين، فهو في الحقيقة عملٌ تخريبيّ مضادٌّ لتعظيم الصّالحين ومضادٌّ لرسالة الإسلام التي جاءت بالرّحمة ولمّ الشمل وتوحيد الصّفوف وما جاءت بالقتل والتفريق وترهيب المسلمين والمسالمين، فالتيّار الذي يحملُ هذا التوجّه التدميري باسم التوحيد تيّارٌ بعيد عن روح الإسلام ورسالته وسماحته، فليُحرّر. وإنّما قلنا تُهدمُ قبابُ الصّالحين من آثارِ هذا المجذوب القطب، لأنّ الحقائق تُعطي ذلك، ألا ترى أنّ يثرب هي مدينة النبيّ صلّى الله عليه وسلم ومع ذلك خربت بتصريح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وذلك لما نذكرُهُ من حقائق فناء هذا العبد عن الخلق في الخالق سبحانه فسقطت القباب كما خربت يثرب مدينة خير خلق الله صلى الله عليه وسلّم. فافهم).



فقد عبّرَ هذا العمران لبيت المقدس مع الوقتِ على عمران المجذوب بالحقائق وطيّه لمراحل الطّريق، فتجاوز العصابة اليثربية وفنى عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فنى في الله سبحانه. وهذا الفناء في الله هو عين عمران بيت المقدس.


فإنّ السّالك إلى الطّريق يبدأُ بالفناء في شيخه فيقودُه ذلك للفناء في رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والفناء في رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقودُهُ إلى فتح مكّة وتطهيرِ كعبته من أصنامها وشركها، والكعبة هي رمزُ القلب. فإذا طهّر محمّدُهُ (شريعته وطاعاته) قلبَه الذي هو رمز كعبته من أصنام الهوى والسّوى ينفتحُ على قلب السالك نافذةٌ إلى الرّوح، وتبدأُ هناك مرحلة الإسراء الرّوحيّ، من المسجد الحرام (القلب) إلى المسجد الأقصى (الرّوح)، إلى بيت المقدس مكان الرّوح لذلك سمّي الأقصى إشارةً كما قال العارفون إلى بعده المكانيّ عن الجسم. وبالرّوح يقعُ التعرّف الحقيقيّ على صفاتِ الله تعالى ويقعُ العروج الذاتيّ إلى سدرة المنتهى بعد ذلك كما عُرِجَ بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم.



* (2) فلمّا اشتدَّ الجذبُ والفناءُ تلى خراب يثرب : خروج الملحمة الكبرى، التي نقض فيها الرّومُ العهد وجمعوا ثمانين رايةً فما من نصرانيّ يؤمنُ أنّ دينه حقّ إلاّ جاءَ يُقاتِلُ عنه ، ونزلوا على سواحل الشام وأحرقوا السفن على نيّة النّصر أو الموت .. واجتمع المسلمون من سائر الأقطار ورجال المهدي وأقاموا فسطاطهم عند الغوطة قرب دمشق. ثمّ وقعت الملحمة الكبرى في ثلاثة أيام أو أربعة كما هي معروفة واستشهد فيها من المسلمين الثلث وهم أفضل الشهداء عند الله بنصّ الحديث الشريف المرويّ في صحيح مسلم، وانسحب الثلث فراراً وتوليّاً وهؤلاء لا يتوب الله عنهم، وبقي الثلث وهؤلاء لا يُفتنون أبداً بعد ذلك، وينتصِرُ المسلمون في اليوم الثالث أو الرابع بعد موت الثلث وانسحاب الثلث وقول النّصارى دينُنا هو دين الله وهو الدين الحقّ فيغضبُ الله منهم ويقعُ النّصرُ للمسلمين ويأتي الفتحُ المبين. وتُسمى هذه الملحمة مأدبة الطير والوحوش والسباع لأنّه لا يدفنُ فيها مسلم ولا كافر بل تبقى الجثتُ مأدبة للهوام والسباع والطيور.


*وحقيقة هذه الملحمة ودلالتُها : عند اشتدادِ الفناء والجذب هي أوحالُ التوحيد التي يقعُ فيها السّالكُ : لأنّ حقيقة النّصارى أنّهم وقعوا في أوحال التوحيد بقولهم بالتثليت. فما وحّدوا الله سبحانه بل أشركوا وعدّدُوا وثلّثُوا تعالى الله عمّا يشركون، لذلك نزلت {قل هو الله أحد}. حضرتُه سبحانه أحدية لا إله إلاّ هو وحده لا شريك له. والكلُّ أقمارٌ ونجومٌ من نور الشمس الذاتية.
وهنا دلالة على أنّ المجذوب طوى هذه الأوحال بوقوع الملحمة وخرجَ منها موحّداً نقيّاً عارفاً بالحقيقة على مُرادها، متحقّقاً بمعنى وحقيقة قوله تعالى {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}.
ولذلك كانت الملحمة الكبرى شهداؤها أفضلُ الشهداء عند الله تعالى لأنّها وقعتْ في عالم الحقائق من أجلِ إخلاص التوحيد والتفريد لله سبحانه، فكانت أجلّ الملاحم وأعلاها وشهداؤها أفضلُ الشهداء عند الله تعالى كما وصفهم الحديث النبويّ الشريف الصّحيح. وفي حديث شهداؤها يشفعُ الواحدُ منهم في سبعمائة من ذويه وهذا أعلى الفضل وأسناه وعند الله المزيد : قال سبحانه وتعالى {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(261)}. سورة البقرة. فمَثَلُ المنفق روحَهُ في سبيل الله أن يجازيه الله تعالى يوم القيامة والجزاء أن يشفع لسبعمائة روحٍ فضلاً من الله ونوالاً والله واسعٌ عليم.

* (3) ويلي الملحمة الكبرى فتح القسطنطينية : وقيل هي القسطنطينية الكبرى المسمّاة روما .. فالحاصلُ أنّ المهدي وجيشه بعد الملحمة الكبرى يسهلُ عليهم غزو الروم وفتح المدائن. فيفتحُ أغلبها بعد الملحمة بالتكبير والتهليل والتحميد وبدون قتال ولا حرب ولا مواجهة ومعه سبعون ألف من أصحابه وأتباعه. حتى يصِلَ الى روما ويفتحها بالتكبير والتهليل من غير حربٍ. فإذا فتحها فهناك تمّ للمجذوب فتح دائرة القلب وهي آخر الدوائر وهي كنيسة النّفس.

وهناك أي في مقام فتح دائرة القلب وكنيسة النّفس، فإنّ الفناءَ يتمُّ للمهدي والجذب، وتبدأُ رحلة عروجه بلقاء الرّوح لقاءً أوّليّاً
، ثمّ تبدأُ مواجهتهُ مع الدجّال وجهاً لوجه، فحينَ تفتحُ دائرة النّفس فإنّك تجدُ ذاتك في مواجهة من كان وراء النّفس متسبّباً في نزغاتها وإغوائها، وهو الشيطان في أقوى حضوره وهو إبليس في دائرة النّفس والمعبّر عنه سامريّ النّفس الذي هو الدجّال في دائرة الكثافة والبشرية.

* (4) لذلك يخرجُ الدجّال مباشرةً بعد فتح القسطنطينية
.. ويعتصِمُ الرّوح (المهدي) في بيت المقدس، وتنتهي دولة العزّ والسّيف، وتبدأ رحلة العروج السّماوي عند المجذوب فتقعُ المواجهةُ بين المهدي والدجّال وجهاً لوجه (المهدي المجذوب وإبليس). هناك تبدأُ رحلة المهدي في العروج إلى الحقائق والعرفان لأنّه تجاوز القلب إلى لقاء الرّوح -عروس الحضرة- ولكن لقاءً غير كاملٍ .
ويخرجُ سامريّ نفسه فاتِناً مفسداً. وتظهرُ فيه الأضداد هذه المرّة بقوّة منازلها لأنّهُ في مرحلة العروج والعرفان إلى عالم الحقائق الذاتية التي يعجزُ عنها غير العارف بالله، بل غير العالم بالله .. فيظهرُ بدجّال لا يعبأ ولا يعيا يجولُ في النّفس ويدخل جميع المدائن إلاّ مدينة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومكّة المشرّفة المعصومتين كنايةً على عصمةِ المهدي، وكنايةً أنّ الدجّال مبتور الوصل الذاتيّ فليس له صلةٌ بروح القدس عند منعه عن مكّة فهوغير ذاتيّ وغير ربّانيّ وليس له صلة بالأخلاق والقيم الإنسانية والإلهية عند منعه من المدينة المنوّرة على صاحبها افضل الصلاة وأزكى التسليم لأنّ الحضرة المحمدية هي حضرة السّلوك والأخلاق والقيم، لذلك كان دجّالاً يدجّلُ الحقّ بالباطل، ويزوّرُ الأخلاق ويفرغها من قيمها ويفسدُ باسم الإصلاح، فاحذر فآخر الزّمان يظهر فيه التدجيل في أعلى دوائره كما ذكرنا مثال الذين يقتلون النّاس ويهدمون القباب ويفجّرون الأبرياء باسم الدين والجهاد والأمور المقدّسة، فهذا هو التدجيل، هو تلبيس الحقّ بالباطل، فاحذر من يخرجُ حاملاً لواء الدجّال وهو يحسبُ أنّه ممّن يحسنون صنعا. أولئك هم الخاسرون والمفسدون.


قلنا فيعجزُ الدجّال عن دخول مكّة المشرّفة والمدينة المنوّرة المقدّستين وكذا مقام المهدي الروح في بيت المقدس حيث يعجزُ الدجّال أن يدخلها ويُلاقي أشدّ الهزائم وأفتكها على أسوارها وأطرافها من طرف المهدي وأعوانه. فقلنا يظهرُ المجذوب بحضرتين : يظهرُ بالدجّال النّفسيّ ويظهرُ بالرّوح المهدي الإمام وعلمه الكامل في المراتب والمشاهد عموما لا التفاصيل. وهو طوال مسيرة جذبه جامعٌ بين الأضداد ولكن حسب رتبها ومنازلها، وعند مرحلة العروج وخروج الدجّال تظهرُ فيه أقطاب الأضداد : الدجّال والمهدي. فالمهدي هو إمام الأئمّة وحامل لواء الحقّ سبحانه والدجّال هو إمام الضلالة والشرّ والباطل. فيتجاوز المجذوب جميع الحقائق الحقيّة والخلقية والمداخل الشيطانية في تلك المواجهة الكبرى بينه وبين إبليس. وهي أكبرُ فتنةٍ تتجلّى على الأرض والبشريّة. لأنّ السّامريّ ليس لهُ فترةٌ يحكمُ فيها إلاّ هذه الفترة وهو رجلٌ خارقٌ يظهرُ بقوّة تُضاهي معجزات الأنبياء عليهم السّلام، بالسّحر وأعوانه من العفاريت والشياطين وبرزخيته فهو هجينٌ بين الإنس والجنّ. فينقُضُ ما جاءَ به الأنبياء من المعجزات التي ظهروا بها كما قال الشيخ الأكبر، لذلك كان أكبر فتنةٍ في التاريخ. وهو استمدّ هذه القوّة في عالم الحقائق، لأنّه كان ظهورره من عالم الحقائق طوال رحلة الأطوار والخلافة الإنسانية فكان لزاماً أن يظهر هذا الدجّال الذي هو صورة الدّنيا وأسبابها وعلمها الماديّ منقطعة عن حضرتها الذاتية وغير ممدودةً بروح قدسها ورحمانيتها التي أقامَ الله عليها الدّنيا فهو عكس الرّحمة وعكس الجمال والأخلاق والفطرة، والذي هو اي الدجّال صورة التجلّي النّفسيّ كما كان إبليس إمام وقطب التجلّي النّفسي والطبائعي والعنصريّ الظلمانيّ كان الدجّال صورة هذا التجلّي النّفسي الإبليسيّ في ثوب البشريّة، فخرج مدّعياً للرّبوبية كذّاباً محتالاً دجّالاً. وظهرً في قطبية المجذوب بحكم صورة المجذوب الموافقة صورة العين والذات الأصلية المتجليّة بالأضداد، وفي ذاتِ الوقتِ طبيعة جسم وعرش المهدي المجذوب الإسرائيليّ الذي يصحّ له به الإسراء اللّيلي والإسراء إلى الله والرحلة إليه دون علم المخلوقات، فيخدعُ الدجّال، كأنّ المجذوب برنامج تحميلي لمشروع الدجّال ليحمله على عاتقه ثمّ يقعُ تطعيم هذا المشروع بروح القدس في عرش المهدي المجذوب فيموت الدجّال، وتشرقُ الأرض بنور ربّها، فافهم هذا المثال، فهو الذي يشرحُ لك طبيعة مهمّة المجذوب، وسبب خروج الدجّال أربعين يوماً. فهي الأربعين سنة قبل كمال المهدي عليه السلام.


قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم(( تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ ، ثُمَّ تَغْزُونَ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ ، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللَّهُ)). فهذا مصداقُ مسيرة المجذوب الذي يفتحُ الله له الأمصار ثمّ يفتحُ له الدجّال بلقاء الرّوح ونزول روح الله عليه السّلام. فافهم هذه الحقائق العظمى. فإنّ الحديث النبويّ الشريف لهُ هذه المداليل البعيدة التي تُعبّرُ عن هذه الحقائق.

فتتمّ رحلة المهدي بنزول روح الله عليه السلام فيُقتل دجّاله، ويخرج ياجوج وماجوج وهي مظاهر الانسلاخ من البشرية والتراكمات النفسيّة والخواطر النّفسية التي تهجم على القلب فتلتقمُه التقاماً عند نقطة ضعفه وعجزه الكلّي، فيحرّزُ سيّدنا المسيح عليه السلام عباد الله الى جبل الطور وهناك يقعُ التجلّي الذاتي للمهدي المجذوب .. وهو معنى تحريز العباد إلى جبال الطور. وموت ياجوج وماجوج وطهارة الأرض .. ويقتل الخنزير ويكسر الصليب. ويحكمُ الإسلامُ الأرض جميعاً وتذهبُ وحشيّة السباع والحيوانات فلا تبقى سوى السماحة والرحمة الكاملة. وذلك هو معنى نزول الرّوح الكامل والبقاء الذاتيّ وتجلّي الإسم الأعظم في الأكوان، فكانَ حكمُ روح الله المسيح هو بطونُ المهدي وتجلّي الوجود المنتظر الذي انتظرتهُ الأسماء وعلامةٌ على نهاية الدّنيا وزوالها بذهاب الخاتم الرّوح الخليفة. والله أعلم.

وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلم كثيرا.

يتبع ...

الاثنين، 3 يونيو 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 28

- 28-

وهنا تعلمُ أنّ إبليس اقترنَ ذكرهُ بالخليفة، وإبليس بدأت عداوته من إنباء الله سبحانه وتعالى للملائكة باستخلاف هذا الخليفة في الأرض.
وكانت الحرب الكبرى وغايتها وضراوتها بقضّها وقضيضها التي أعدّ لها إبليس هي من أجل هذا الخليفة، والدجّال هو صورة إبليس البشرية متجسّدة في السّامري اليهودي.

فالسامريّ انخدعَ بإبليس وكيده، والسامريّ انخدع بما وهبه الله من علم وخوارق وانسلخ من آيات الله ومواهبه فغوى
{واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ( 175 ) ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ( 176 ) ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون ( 177 ) } الأعراف.

انخدع بما وهبه الله وذلك أوّل ما قبض قبضة من أثر جبريل عليه السلام ونبذها وفتن بها قومه ليعبدوا العجل.

فاجتمع إبليس والدجّال السّامري اليهودي بغرورهما وكبرهما وضلالهما وجهلهما أن يحاربا الخليفة، ومحاربة الخليفة هي محاربة بني آدم الإنسان، والإعداد للمعركة الكبرى.

ومعركة إبليس والدجال الكبرى التي يعدّون لها منذ قرون هي مع الخليفة بذاته المهدي عليه السلام.

مع المهدي المجذوب، والمهدي الإمام الكامل في آخر المحاولات.

فإبليس استاذ المكر والخديعة واستاذ الإغواء والتلبيس النّفسي والشيطانيّ، حربه الكبرى ومعركته الفاصلة مع المجذوب.
لأنّه يعلمُ أنّ الخليفة قبل أن يحمل لواء الإمامة والخلافة الكاملة سيكونُ عليه أن يسلك طريق الوصول. وهناك في تلك الطّريق قامت حربٌ لا كالحروب بين إبليس وجنده ومكره وبين المهدي المجذوب. حربٌ شاملة على جميع مستويات النّفس ومداخلها وعلى جميع المستويات والممكنة. لأنّ إبليس يعلمُ يقيناً ومعه تبيعه الدجال أنّ معركتهما الفاصلة والحقيقية مع الخليفة المهدي وأنّه هو الذي يحولُ بينهم وبين اعتلاء أوهامهما التي حلما بها، وإبليس يعلمُ أن منهزمٌ على وجه اليقين، ويعلمُ أنّها أوهامٌ ولكنّه يخادعُ على سبيل الحقد كما سأل الله ابتداءً أن ينظره إلى يوم الوقتِ المعلوم. وطمعاً أن يظفرَ بشيءٍ من هذا المجذوب، الذي جعله الله صورةً للأضداد، فأغرى عدوّه أن يستسهله ويبذلُ غاية وسعه أن يصل الى ما يصلَ إليه، وتلك إرادة الله سبحانه في تدوير هذا الصّراع بين الحقّ والباطل والخير والشرّ في أكبر دوائره ، وأعظمها على الإطلاق.

ويخسرُ إبليس في هذه الحرب الفاصلة في جميع مستوياتها، وفي جميع المداخل الممكنة ويرجعُ خائباً خيبةُ كبرى.

بل أكثر من ذلك، فليلة صلاح المهديّ هي ليلة هلاك وموت إبليس. ولو عدنا لآيات إنظار إبليس لوجدنا الإنظار إلى يوم الوقت المعلوم بأمر من الله، بينما إبليس طلب الإنظار إلى يوم الدّين.

لأنّ المهدي هو الخليفة وهو علامة الساعة، وكماله وظهوره كإمام وبيعته بين الركن والمقام هو ختام الأطوار الإنسانية المتقلّبة، وختام الكمال الإنسانيّ وختام خزانة الجود الإلهي، فصورة الدّنيا كما قلنا هي صورة هذا المجذوب الختم، والإفساد الأكبر لإبليس يبدأ من بدايته بسيدنا آدم عليه السلام وينتهي بظهور هذا الخليفة.

وورود حديث صحيح أن الشيطان يغوي الناس ويأمرهم بعبادة الأصنام بعد هبوب الريح الليّنة وقبض الأرواح المؤمنة، فالحديث ورد فيه ذكر الشيطان وليس ذكر إبليس. لأنّ الإنسان مطلق الإنسان لا يخلو من قرين ما دام لم يكمل الكمال الأكبر ويحصّل مقام الخلافة والإنسانية.
وإبليس هو قرين الخليفة، وبتعبير أصحّ هو قرين المجذوب، ونريدُ هنا هو قرينُ الإنسانية من بدايتها إلى وقتِ ظهور الختم والخليفة الإنسانيّ، لأنّ إبليس هو صورة الطبائع العنصرية والظلمانية والكثافة المقابلة للنور والروحانية والملائكية، صورتها الكبرى والأخطر في جميع التقلّبات الإنسانية والأطوار حتى بعثة الخليفة إمام الأئمّة وحقيقة جميع الأطوار والأدوار الإنسانية كما ذكرنا. والله أعلم.

فافهم فالخلافة الظاهرة للمهدي الخاتم هي صورة الخلافة الباطنية للمجذوب، فالدجّال خرجَ في الخلافة الباطنية النّفسية للمهدي، وقتل الدجّال من طرف روح القدس المسيح عليه السلام عند نزوله هي صورة قتل إبليس قرين الخليفة المجذوب في الباطن.

لأنّ الكامل كلّ كامل لا يكملُ حتى تقومُ ساعته ويشهد القيامة ويموتُ قرينه وإبليسه (شيطانه الخاصّ به)، ولمّا كان الخليفة هو عين الوجود فقد كانَ قرينُه هو إبليس رئيس الشياطين وعدوّه، فيموتُ إبليس بكمال وصلاح المهدي عليه السلام ونزول روح القدس عليه، لأنّ الكمال هو تقديس النّفس. ويُقابلُه موت دجّال البشريّة بنزول روح الله رمز روح القدس المسيح عليه السلام.

فافهم لماذا اختصّ المهدي من دونِ غيره بنزول المسيح روح الله عليه، لأنّ المهدي هو الخليفة الذاتيّ، وهو الوحيد القادر على إعادة الأرض إلى نقائها وصفائها وطهارتها من شرّها وتدجيل دجّالها وإفساد إبليسها، وهي شهادةٌ أنّه الذاتيّ الذي تتغيّرُ به الأرض والكون جميعاً إلى خلافة سمحة طاهرة يحكمها روح الله عليه السلام.

ثمّ تأمّل في إسم المسيح : روح الله، وينزلُ روح الله في قطبية وعرش المهدي، فإنّنا نقولُ نزلت روح فلان على فلان فسمّي فلان.
ونزلَ روحُ الله على المهدي فسمّي خليفة الله، أي صاحب اسم الذات، فافهم لما أشرنا إليه.

فليس المهدي سوى الحقّ تعالى ظاهراً بمظهر إنسانيّ بذاته. فهو إمام الإئمة وهو خاتم الولاية، وخاتمها يعني أنّه هو الوليّ.

قال سبحانه {فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الشورى 9]

يتبع ..

الأحد، 2 يونيو 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 27

- 27 -

لا يهولنّك ما ذكرناه، فقولنا أنّ الحق يظهر في المهدي بذاته، هو ذاتُ قولنا أنّ القرآن بلفظه هو كلامُ المهدي عليه السلام. والمهدي هو الحقّ تعالى الظاهر بذاته على صورة الإنسان. وهذا هو معنى خليفة الله كما نعتته النبوّة.

فالقرآن كلامُ الله تعالى في الاعتبارين : اعتبار القِدَم و التنزيه عن الحروف والأصوات قبل خلق الإنسان، والقرآن كلامُ الله المتعبّد بتلاوته ولفظه بحروفه وأصواته هو لفظ إسم الذات، لفظ الله في مظهره الذاتيّ.

ألا ترى أنّ الله تعالى يتجلّى بين التنزيه والتشبيه، وتلك هي عقيدة أهل العرفان بالله تعالى. وتلك هي الحقيقة.

إنّما ضُرِبَ الكتمُ لخطر السرّ، وقلنا أنّ التنزيهيين هم أقربُ إلى فسطاط الحقيقة، لأنّهم أشاروا إلى الإطلاق خلاف المجسّمة فقد قيّدوا الحقّ سبحانه ومنعوا التنزيه في ذاتِ الوقتِ بتجسيمهم المحض. فشابهوا الحقّ بالخلق. والحقّ تعالى منزّهٌ ليس كمثله شيء فهو حقيقة الحقائق، وهو الإطلاق، والحقّ تعالى هو المتجلّي في الخلق، فليس الخلق سوى أطياف الحقّ تعالى و تجليّاته.

قال الشيخ الأمير عبد القادر الجزائري رضي الله عنه في كتاب المواقف الروحية في الموقف التاسع :

{ورد في صحيح مسلم : "إنّ الله تعالى يتجلّى لأهل الموقف ويقول لهم :أنا ربّكم فيقولون له نعوذ بالله منك لست أنت ربّنا، هذا مكاننا حتى يأتينا ربّنا، فإذا جاء ربّنا عرفناه"

سأل واردُ الوقت على التجلّي، الذي يكونُ أولا لأهل المحشر، ويستعيذون منه، المنزّه والمشبّه، إلاّ العارفين بالله تعالى ماهو ؟ فإنّه لو كان تجلّي تنزيه، لأقرّت به المنزّهة. ولو كان تجلّي تشبيه، لأقرّت به المشبّهة. وليس المعروف إلاّ هاتين المرتبتين. فكان الجواب : أنّه تعالى يتجلّى في ذلك اليوم بتجلٍّ جامعٍ للتنزيه والتشبيه، على وجه لا تهتدي إليه العقول، ولا الكشف الآن. وما عرف الحقّ تعالى إلاّ بجمعه بين الأضداد، بل هو عينُ الأضداد، لا أنّ هناك عيناً جامعة للأضداد. ولذا كان لا يُعرفُ الحقّ تعالى ويقرُّ به إلاّ الطائفة العارفة به ، الجامعة بين اعتقاد التنزيه والتشبيه في الدار الدنيا، وكلّ ما عداها من الطوائف، فإنّه يستعيذ من الحق تعالى ، ثمّ يتجلّى لهم في معتقداتهم فيه وتخيّلاتهم له في الدنيا، فيقرّون به، ويعترفون له بالربوبية ، وهو هو المنكرو أوّلاً، المعروف ثانياً ، فسبحان الواسع الحكيم.
} انتهى.

فانظر في هذا الحديث الشريف الجليل، وهذا الشرح النّفيس والوقوف الجميل من الشيخ العارف بالله الأمير رضي الله عنه، وتأمّل ما قلناهُ لتعلمَ أنّ القرآن كان كلامَ الله في حالتيه، في تنزيهه عن الألفاظ والحروف والصوت، وتشبيهه بالحروف والأصوات والألفاظ.

وتأمّل تارةً أخرى في ما قلناهُ حول المهدي وحقيقته أنّه الخليفة والحقّ تعالى في مظهر التشبيه بسرّه الإنسانيّ كما كان النبيّ المصطفى صلوات الله وسلامه عليه جامعا لسرّ الرّحمة والواسطة إلى ربّه، وأنّه الحقّ تعالى بكنهه وسرّه المطلق المنزّه المراد.

وتأمّل تارةً أخرى حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم {رأيتُ ربّي في أحسن صورة}
وغيره من الأحاديث المروية في هذا الشأن، لتعلمَ أنّ الحقّ تعالى جامعٌ بين التنزيه والتشبيه.

فهو سبحانه عين المتجلّي في الخلق، قال الله تعالى ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة البقرة. أينما تولّي وأيّ شيءٍ تستحضر فثمّ وجه الله، وقال بعض العارفين بالله : قوله وجه الله، فالوجه يدلّ على المعرفة فأنت تعرفُ النّاس بوجوههم. وهذه لفتةٌ نفيسة جليلة.

فالأشياء تدلُّ على وجه الله سبحانه، أي على معرفته فهي حضرة الصفات المتجليّة من عين الذات.

فهي دالّة على الله معرّفةٌ به في محتدها الخاصّ بها، فكلّ شيء في الوجود له محتدُه الخاصّ به الذي يعودُ به إلى ربّه. فأنتَ لا تقولُ للشيء هو الله، فالله سبحانه ليس كمثله شيء. فهو منزّه عن كلّ شيءٍ. ولكنّ كلّ شيءٍ له محتدٌ يدلُّ على وجه الله سبحانه، يدلّ على العلم بالله ومعرفته وأنّه صفةٌ وتجلٍّ تجلّى من عين الذات. فالذين قالوا أنّ الصّفات هي عين الذات يريدونَ أنّ الذات تجلّت بذلك التجلّي الخاص في مظهر تلك الصّفة، فافهم. وهكذا في كلّ شيءٍ وفي كلّ صورةٍ وأينما ولّيت فهناك وجه الله وهناك في ذلك الشيء وتلك الصورة محتدٌ يعودُ به إلى الذات، إلى عين الذات. كشخصٍ يظهرُ تارةً بصورة فلان وتارةَ أخرى بصورة علاّن وهكذا. فأنت تقولُ هو عين الشخص تريدُ الذي اردته بالإشارة أنّه عينُه الظاهر بصورة فلان. فقولك عينُه هو ذاته كثرة، لأنّك عيّنتَ بقولك أنّه ظهر بصورةٍ مغايرة لما هو عليه، فقد وحّدت في الكثرة. وعدّدت في الوحدة. وهذا هو الذي يطلقون عليه الواحدية. أي الكثرة في الوحدة، والوحدة في الكثرة. وهذا هو المراد بالواحدية، والواحدية هي مظهر صفة الألوهية.

لأنّها تجمعُ بين الوحدة الدالّة على الواحد الأحد، والكثرة الدالّة على المظاهر والصّفات والتجليّات. وهنا قال الشيخ الأكبر في كتاب عنقاء مغرب في وصف الختم الخليفة بقوله : "هو شق في خلقه، وشطر من جهة خلقه وحقّه، فانظر هناك تجده واياك.." انتهى.
فقوله شطر من جهة خلقه وحقّه هو الإشارة لما ذكرناه إلى الواحدية التي تدلُّ على الكثرة والوحدة من جهتيها : الحقّ والخلق، فالخلق عين الحقّ. وهذا هو مقامُ قاب قوسين الذي تشرّفَ برؤيته وشهوده نبيّ الله صلوات الله وسلامه عليه حين دنا فتدلّى الروح واخترقَ الحبيب عند سدرة المنتهى فرأى من آيات ربّه الكبرى فكان قاب قوسين أو أدنى : قوس الحقيّة وقوس الخلقية، رأى الروح عند سدرة المنتهى بشطريه وقوسيه وأنّه عين الحقّ وعين الخلق. أو أدنى عند ارتفاع الاثنينية بشهود الأحدية. وهذا هو المعبّر عنه بنزول الرّوح على القلب. ويصبحُ قلب العبد روحاً قدسياً. فافهم.
ثمّ قال الشيخ الأكبر "فانظر هناك تجده واياك" اي انظره عندك فهو حقيقتك، قال صلى الله عليه وسلّم "من عرف نفسه فقد عرف ربّه".

لذلك فالحقائق المكتومة المبهرة تأمّل فيها تجدُها تنطِقُ بآيات الله وحديث نبيّه الأعظم صلى الله عليه وسلّم. فلم يبقَ غير الذين تحجّرت نفوسهم واتخذوا نفوسهم اصناماً حالت بينهم وبين الحقّ وهو في عزّ ظهوره، حسداً، أو ضيقاً ، أو رفضاً أن يكونَ وراء ما يعرفونه من بضاعةٍ مزجاةٍ حقائق كهذه الحقائق.

وانظر تارةً أخرى فيما قاله الشيخ الأكبر وصفاً لهذا الختم والخليفة : "وإنّ الصديق الأكبر تحت لوائه ، وأنّه سيّد الأولياء كما أنّ سيدنا محمد سيّد أنبيائه، وإن شئت أوضحته لك في العدد، وأقسم لك بهذا البلد، إنّه للسيّد الصّمد، فانظره في ثلاثين عددا، وكن لشيطان جهلك شهاباً رصدا، فإن لم تقوَ على التفسير ، فعن قريبٍ يأتيك بقميصه البشير، فيكشف كروبك ويرتدّ بصيراً يعقوبك، هو شق في خلقه، وشطر من جهة خلقه وحقّه، فانظر هناك تجده واياك.." انتهى.

فقد أقسم أنّه السيّد الصّمد، والصّمد هو الله، والصّمد هو الذي استغنى بنفسه عن غيره، وصمدَ إليه غيره. وهذه صفة القيّوم الواحد الأحد سبحانه. {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} الإخلاص.

ثمّ قال فانظره في ثلاثين عددا، ويريدُ قوله تعالى : {الم (1) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2)} البقرة. عدد الحروف في هذين الآيتين ثلاثين حرفاً. وقد ورد فيها ذكرُ المهدي. وحقيقته :

بقوله : الم ، وهي ألف لام ميم : ألف الذات ولام الأسماء (لام العلم) وميم الصفات (ميم التعيّن والحكمة). وهي حقيقة الكتاب وحقيقة الإنسان الكامل : ذلك الكتاب الذي أنزله الله على عبده المهدي، وهذا الكتاب هو هدى للمتّقين.
إذا اختصرنا الجملة : الم + هدى = المهدي.

وقال سبحانه : {الم. اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} آل عمران
وهنا تعريفٌ بمعنى : الم.

يتبع ..