الثلاثاء، 23 فبراير 2016

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 83





وذكرتُ قصّة إبليس ومذهبه المتقلّب المخذول، في المقال السّابق، لأعرِضَ في الطريق إلى الدجّال كيفَ خدعَهُ إبليس وغرّهُ، وأقنعهُ بالوهمِ المحقّق، في خُدعة انطلَتْ عليه، وكذلك تنطلي الخُدَعُ على كلّ عابدٍ لهواه متألٍ على الله تعالى. ذلك السّامريّ الذي هو الدجّالُ، لمّا ترعرعَ في صغره، وجدَ نفسَهُ غير عاديّ النّشأة ويختلِفُ عن غيره، إذ بدأ يكتشفُ في نفسه قوّةً خارقةً، وحواساً تتجدّدُ، واستشفاءً يتجدّدُ، وتحكّماً خارقاً في تجديد قوّته، وفي خرق العوائد بالنظر الحديد الذي يطوي المسافات ويخترق الجدران والطبقات الأرضية والسحاب، وغير ذلك من الخوارق الظاهرة، كما هي أفلام الأبطال الخارقين التي ملأت بهم هوليود مسامعنا وأبصارنا، لأنّ الرّاوي هو الدجّال، يبثُّ ويروّجُ لنفسه ولأفكاره ويمهّد لظهوره. أمّا لماذا كانت له هذه النّشأة دون غيره ؟ فذلك لما ذكرناه سابقاً أنّه كان في سابق مشيئة الله تعالى يمثّلُ النّفس الكثيفة وميلها للعنصر والمادّة،  واستحكامِ الهوى فيها وجريان الشيطان في دمِ جسمها وعروقها يغذي وجوده فيها، بطلبِ ما تميلُ إليه من شهواتٍ مختلفة ورغباتٍ لا تتناهى، تلك الرّغبات والشهوات والطّباع على قدرِ الأخلاقِ البشرية التي كانت متقابلةً بين العلوّ والسّفل، وبين الفضيلة والرّذيلة، وهي أخلاق كثيرة لها أمّهاتٌ معدودة، ولكنّها كفروع كثيرة، فما يُقابلُ الإنسان بكماله وفضائله الإنسانية هي أخلاق الحيوانات وطباعها أي ما يُقابل علوّ الكمالات هو سفل الطباع الحيوانية، والإنسانُ مخلوقٌ جامعُ كما هو معلوم، فكان جامعاً لجميع طباع وأخلاق الحيوانات؛ جامعاً، نريدُ أنّ النّاس طباعها اختلفت بقدرِ تفاوت طباع الحيوانات الكثيرة العدد في الأرض. ووجود تلك الطّباع الحيوانية في الأرض هو وجود القابلية في البشر للتخلّق والانطباع بتلك الطّباع. فهذا تحقيق، ولذلك قد يصدِفُ أن تقرأ  كلمة الإنسان الحيوان في أثبات وكتب الشيخ الأكبر أو غيره من بعض العارفين الأمجاد. أو تجدُ مقابلةً بين الإنسان الكامل والإنسان الحيوان. لأنّ الإنسان الكامل هو الذي رجع إلى صورته الأصلية التي خلق عليها، وهي الخلافة والأخلاق الإلهية، أخلاق الأنبياء عليهم السلام وورثتهم الأولياء رضوان الله عليهم. والإنسان الحيوان هو الإنسان النّازلُ عن مرتبة الكمال والصورة التي خلقه عليها ابتداءً؛ ولا تعني لفظة إنسان حيوان "اصطلاحاً" مذمّةً بإطلاق، بل بحسبِ أخلاقه، ففي أخلاق الحيوان ما هو محمود ومطلوب كشجاعة الأسد، ووفاء الخيل وحنين الحمام، وصبر الجمل واجتهاد النّمل ونظام النّحل ونباهة الهدهد، وهكذا. وفيه أخلاق حيوانية هابطة بهيمية وشهوانية وسبعية وانحطاطية وغيرها، كالخنزير الذي مثّل عدم الغيرة ومثّل الميل للشهوات بصفة عامّة. فقلنا مثّل السامريّ النّفس الميّالة للهوى، وهي الجسم المؤتمِرُ بشهواته وحظوظه وأناهُ ينفثُ في روعه الشيطانُ، وعليه العقل الترابيّ قائدٌ. والعقلُ التّرابيّ هو عينه هذه النّفس الكثيفة المائلة للهوى المنقطعة عن النّظرِ إلى العواقب، وإلى الغيب، وإلى حقيقة الإنسان في هذا الوجود. فصار هذا العقلُ الترابيّ أسيرَ وجوده الحاضر، دهريّ الاعتقاد أنانيّ التفكير أرضيّ الارتباط ماديّ النّزعة، وكان للساّمري الدجّال تلك القدرة الخارقة والتعمير في الأرض منذ عهد سيّدنا موسى عليه السلام، لأنّ الله جعلهُ ظلاًّ للخليفة في المادّة والجسم الكثيف والعقل الترابيّ المحكوم بطباع الجسد والعناصر فيه، من حيث كونِ الخليفة جامعٌ لكلّ القوالب فهو الظاهرُ بها، وتوالي الأدوار والنشآت الإنسانية عبر الحقاب كانت صور تجليّات الخليفة في تلك الأدوار والنّشآت، من أوّلها لآخرها، فكان العقل الترابيّ المنقاد للعالم الأرضيّ والأكوان والرغبات العنصرية والمحكوم بطباع الجسد للخليفة وهو في تركيبه العنصريّ والبشريّ أي جسد المجذوب وعقله الترابيّ، كان قد مثّله الدجّال، كذا قضى الله تعالى، لأنّ الخليفة أنشأه الله في آخر الزمان مجذوباً ليُقيمَ به الحجّة على الخلائق والملائك أي ولياًّ وليس نبيّاً معصوماً، فالنبوّة بابٌ آخر، ومختومةٌ من خير الخلق وصفوتهم روح الوجود وسيّده صلّى الله عليه وسلّم، وهذا المجذوب وليّ مكتومٌ، ولايته مكنونة في سرّه، قبل أن يخرج من تركيبه العنصري، إلى مرتبته الكاملة المطلقة. ليجمع هذا المجذوبُ صور الأضداد كما ذكرنا، وليجتمع فيه جميع أقدار البشر والعالم، فهو الإنسانُ الكبير وهو القطبُ الأعظم. فمثّلَ الدجّالُ قرين المجذوب، قرينه أو عقله التّرابيّ ولاوعيه المغزول بعالم الوهم والأكوان والذي لم يخرج من أسرِها وظلالِها.

والقرين هو جسم المرءِ الكثيف المنقاد للهوى بخيوط الشياطين التي تجري في عروقه ودمه، تطالبُهُ أن يروي حاجاتها المادية وأهويتها وشهواتها، وهي تسري في دمه وعروقه كما أشرنا كالجراثيم الدّقيقة، كظاهرة إدمان، يُغذّيها ليل نهار، من شهواته ورغباته، وفضول طعامه وطبائع عنصره وهو لا يدري، ولا تزالُ تطالبُ وتُطالبُ حتّى تهوي به في قعرٍ سحيق، من الدّونية والبهيمية. كذلك ركّبَ الله سبحانه في الإنسان هذه الحقائق، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم  ‏(إنّ الشيطان يجري من ابن ‏ ‏آدم ‏‏ مجرى الدم) صحيح البخاري ومسلم. فالدجّالُ هو الصورة الجامعة لأهل الشمال والكفر، أي القرين الكلّي الجاذب للأرض والطبائع الدّونية المخالف لكلّ نورٍ وروحٍ قدسيّ، فهو ظلّ الكثافة ووجهها الرديّ الهابط السّفليّ، وهو المادّةُ مفصومةً عن روح القدُسِ وحقيقتها النّورية، لأنّهُ (أي القرين في كلّ شخص) يُصادِرُ ما يأتي من الله سبحانه بواسطة الرّوح وينسبُهُ لنفسه وأناهُ، وفي كلّ شخصٍ وفي كلّ بشرٍ قرينُه، هو هذا التركيب الثنائي بين جريان الشيطان في دمه، وبين أوهامه المتراكمة في عقله الترابيّ اللاّواعيّ النّازعة للأرض والتراب والماديات وما سوى الله سبحانه، النّازعة لمحسوساتها وأكوانها. ولذلك لو رجعت لمشايخ التزكية والسلوك كمثل الإمام أبي حامد الغزالي رضي الله عنه في كتابه المجيد : إحياء علوم الدين، لوجدتَ مذهبه في تفكيك الأخلاق والعيوب، يذهبُ إلى شقّين: شقّ العلم، وشقّ العمل والمجاهدة. فالعلمُ هو تصحيح المفهوم وتوضيح النّظرة إلى خطر هذا العيب وضرره أو ذاك الخلق وأثرهُ وثمره، ثمّ المجاهدة التي لها أركانها ووصفتها الخاصّة بكلّ خُلُقٍ، وكان الذكرُ أحد أعمدة العلاج، لأنّه يَجلُبُ النّور، ويُذهِبُ ظلمة العروق في الجسم، ويحرِقُ وجود الشياطين فيها. فتخفّ كثافة النّفوس وترقُّ لاستقبال وارداتِ الحقّ، وتتهيّاُ للتخلّق بالأخلاق الحميدة الفاضلة والزكيّة.
إنّ ما ابتُلِيَت به الأمّة في القرون الأخيرة من محاربة ركن السّلوك والتصوّف والمشايخ العلماء العاملين وتضليل مسلكهم، لهو مُرادٌ من الأعداء، بدقّة وقصدٍ عظيم، ليرتعَ العدوّ بلا مقاومة ولا دفاع ولا ثغورٍ تحرُسُ الأفراد والمجتمعات. ويذهبَ روحُ الدين، ونورُه المُقِيمُ في القلوب، ويبقى التديّن المغشوشُ القائم على المظاهر والطّقوس، الحافظ للمتون والحروف، تغشّهُ طقوسُه ومظاهرُهُ التي تُشبُهُ عبادات السّابقين وشكلَ إقبالِهم على الله تعالى، ومنطقهم في الكلام المنظوم المنثور، وهي مفرغةٌ من كلّ رُوحٍ ونورٍ وتزكية وعلْمٍ بمداخل الشيطان، ومكائده التي تهوي بالنّفوس في مهاوي الرّدى والهوى والهلاك. فالإنسانُ لهُ ظاهرٌ وله باطن، فظاهره الأفعال والأعمال والطاعات  الظاهرة، وباطنُه الأحوالُ والصّفاء والإخلاص والأنوار والأسرارُ والتحرّر من العيوب الباطنة المهلكة التي لا تظهرُ في الظاهر، ولكن تُرى بعين البصيرة الحديدة التي يملكُها ورثة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فيرونَ أمامهم كلّ مُريدٍ مقبِلٍ عليهم، وكلّ شخصٍ وعروقه الأساسية والفرعية، المُضاءُ منها بالنّور والمصفّى من الظلمة، والمظلِمِ منها والمُدنّس بالعيب. ويُقدّمون لكلّ مريدٍ وصفتَهُ الخاصّة، بطريقتهم الخاصّة، ولذلك كان التسليم والتعظيم للشيخ المربّي (حينما يَثْبُتُ بعلاماتٍ أنّه شيخ حقّ ومسلسل بالسّند المتصّل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلّم) كان التسليم والتعظيم للشيخ هو شعارُ هذه المدارس الصوفية المنوّرة، فهو الطّبيب المحمديّ الشهاديُّ على قدم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، واسطةٌ في عالم الملك والشهادة بين المريد وربّه، بين عالم القدس وعالم النّفس، ولا بدَّ أن يكونَ واصلاً لعالَمِ القُدس ليسلك بأصحابِ النّفوسِ الدّربَ إلى ذلك العالم، وإلاّ فكيف يدلُّ القاصدين مقطوعٌ ؟! وكذلك قلنا المحمديّ "الشّهاديّ" أي حيُّ موجودٌ في عالم الشهادة، وهذا مهمّ وأساسيٌّ، وشرطٌ لإقامة جسر الواسطة والمدد، وجسر التسليك والتربية، ومن هنا جاء مفهوم الوراثة والاستخلاف الذين أقامهم الله تعالى في هذه الدّنيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. فلمّا غابَ هذا الفهمُ، وهذا العلمُ، وهذا الاستشراف عن هؤلاء المتأخرين، أو غيرهم من المنكرين الظاهريين، أنكروا واعترضوا وضلّوا وأضلّوا، وفتحوا الثغور والأبواب للعدوّ، وقد صارت الشياهُ بلا راعٍ يحرسُها، ولا حائلٍ يحولُ بينها وبينه، فهجمَ العدوُّ، وبانَ عوارُ وجهل وخيبةُ هؤلاء، وفضحهم الله تعالى. وعرفوا عِظَمَ الأخطار، وهول الموقف، وهجير الصحراء، وظلمة الدروب، التي لا يملكون عنها دليلاً، ولا سلاحاً، ولا طائلَ لهم بمواجهة ما رأوه، ولا حول ولا قوّة، ووجدوا دروعهم وهمية وسيوفهم خشبيةً، بل وجدوها سيوفاً مصنوعة من العدوّ مهمّتها العملُ لصالحه وهم لا يشعرون، ودورُها الطّعن في ظهورِ وصدورِ الصّادقين المجاهدين في الله حقّ جهاده. المنافحين عن غيرهم من المؤمنين والمسلمين والمستضعفين في الخفاء، الواقفين على الثغور يذوذون أزماناً وأزماناً عن الأمّة شروراً  كانت قد خفيَتْ. فجاءَ زمنُ المحاسبة والمعاقبة، فذهبَ حُرّاسُ الثغورِ، أو قلّوا وفقاً لإرادتكم ومنهجكم وسعيكم الحثيث الذي تبنّيتموه، وترككم الله مع العدوّ وجهاً لوجه، فانظروا ماذا أنتم فاعلون. وهيهات، هيهات أن يقدرَ الخاوي الخائب الجاهل الفاقِدُ لكلّ علم ونور وبصيرة حقيّة وزكية وسنيّة أن يواجه أولئك الأعداء المحترفين الخبراء الذين مهمّتم قطع طريق النّور، ووأدُ مسالك التزكية، بل كيف يواجهونهم وهم من صناعتهم وتلاميذهم وإن لم يشعروا بذلك.

فقلنا لذلك قد كان عقلُ الدجال التّرابيّ كذلك كلياً لجملة القرناء والأشباح البشرية، كلياً من حيث كونِه ظلاًّ للعقل الترابيّ للمجذوب الخليفة، قبل أن ينسلخ من تركيبه العنصريّ، إذ يحدثُ للمجذوب هذا الانفصام، أو هذه الحرب بينه وبين قرينه، وعقله التّرابيّ ولاوعيه، وقرينه فكان انعكاس قرين المجذوب وعقله التّرابي هو الدجّال، في مظهر الكثافة، وإبليس في مظهر اللّطافة، لأنّ إبليس هو معلّم الدجّال، وهو مغويه كما بدأنا الإشارة.قلنا في مظهر اللّطافة فإبليس يُمثل جريان الشياطين في دمِ الجسم كالجراثيم تغذيها وتغذي الرّغبات العنصرية والطّباع الحيوانية، طبعا الدونية منها، (قلنا "تُغذيها وتُغذي" لأنّها عملية ثنائية الاتجاه متبادلة الدّور) ومن هنا جاءت أحاديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كقوله ((ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن ، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة ، فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه)) رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه.
لأنّ الإسراف في الأكل يُقوّي العنصر والتراب في الإنسان فيثقلُ عن الجانب الرّوحي، وهو معنى تقوية نفثات الشياطين فيه، ووجود فسحةٍ أكبر لمداخلهم ووسوستهم. وهم يجرون من بني آدم مجرى الدم كما قال النبي صلى الله عليه وسلّم. من هنا فالشيطان كان له تأثيرُ الوسوسة ومداخل الهوى بحسبِ ما يجِدُ من ثغراتِ في النّفس، ولم يكن له أكثرُ من تلك القدرة الإغوائية الغيبية. بيدَ أنّ الدجّال، فهو حالةٌ مختلفة وأقوى، وهو وجودُه الكثيف واستعماله للقوى المحسوسة والمادية والإنسية والسّحر للسيطرة والتضليل والتدجيل، وإن كان لا يظهرُ صريحاً إلاّ بعد الخلافة الإلهية المهدية بعد فتح الرّوم. وإن كان يمهّدُ لظهوره ووجوده تمهيدا قويّا كبيراً قبل ظهور الخلافة الراشدة الإلهية، أي يكونُ على وشكِ الظهورِ وإتمامِ مراحل إعداده في الأرضِ حتى يظهرَ المهديّ فيقطع عليه الطّريق. فقلنا للدجّال صولةٌ أكبر، لكونه يُمثل العقل الترابيّ الباطن اللاّواعي للمجذوب، الذي يحاربُ المجذوب فيه. فصورة حرب المجذوب بينه وبين قرينه فيه، أي جسمه وعنصره وعقله التّرابيّ ينعكسُ ذلك واقعاً، وهذه من أعجب الحقائق، لا تُشهدُ إلاّ في آخر الزمان بقرب ظهور المهديّ، وهي علامة كونِ المهديّ جامعاً لأقدار الخلق، وقطباً وهو لم يخرج من تركيبه العنصريّ. فيكونُ لعقله الترابيّ الصولة على الجسد وسائر الأرض، لأنّها من عالم المحسوسات. فينعكسُ ذلك في صولة الدجّال وإبليس وأتباعهما، وظهور الفساد في الأرض فسادا وظلما عظيما وذلك قبل ظهور المهديّ. عبّر عنه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأحاديث صحيحة بقوله : (( أبشركم بالمهدى يُبعث فى أمتي على اختلاف من الناس وزلازل فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما...)). وقوله ((لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلما وجورا وعدوانا، ثم يخرج من أهل بيتي من يملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وعدوانا )). والتعبير الذي قصدناه قوله صلى الله عليه وسلّم : يملؤها قسطا وعدلا كما ملئت قبله ظلما وجورا. وهي روايات كثيرة بهذا الوصف والتعبير. فالأرضُ ملئت ظلما وجورا وعدوانا، وانظُر في تعبير "ملئت"، فهو امتلاء، وطغيان كبير عجيب، وفساد لا يُقارن، هذا الفسادُ قبل ظهور الدجّال، وقبل ظهور المهديّ وخلافته الراّشدة، وهو يُعبّرُ عن تمهيد الدجّال لظهوره، وظهور الدجّال الخفيّ، بالقوى الكبرى الظالمة، والهيمنات الأساسية للموارد : عسكرية واقتصادية وسياسية واجتماعية وفكرية وإعلامية ... والنزعات الدينية والقبلية والعنصرية والتحريضية بين الناس، ويكثر الهرج والمرج، وهو القتل والتمرّد، والكيد للطيّبين والصالحين، والمستضعفين، والتفاصيل موجودة في أحاديث آخر الزمان الكثيرة، بين صحيحها وضعيفها. تفاصيلٌ مذهلةٌ في فساد آخر الزمان. لأنّ القطب مجذوب، وهي علامة كبرى في ختمية هذا القطب، ومعنى ختميته يقيمُها الله حجّة على خلقه وعباده، يعرّفُهُم قدرَ هذا الإمام والأمير، فيعرفوا قدرَه، ويعلموا عن يقينٍ وبصيرةٍ، أنّه الرجلُ المنتظر الذي تنتظرُهُ الأرضُ، لأنّ الله أودعَ فيه ما لم يُودِعْ في غيره، وأنّه مجلى سائر الأقدار بين خيرها وشرّها. فتجلّى قرينُه في العالم، والواقع. طبعاً النّاسُ غافلون عن هذا المشهد، ولكن أهل الله وأهل البصيرة، يشهدون هذا الأمر عياناً، أمّا الخواصُ فهم عالمون بحقيقة هذا الإمام قبل أن يظهر، رأوا ذلك كشفاً وعرفاناً عرّفهم به الله سبحانه، أمّا غيرُهم، فيقع لهم الشهودُ بالمعاصرة لهذه الأمور والفتن والمظاهر.
وصورة صولة الدجال والشياطين والمفسدين في الأرض، هي صورة حربِ القرين الكبرى على المهديّ، لأنّ المهديّ المجذوب يُمثِلُ القلبَ، ولكنّهُ مستضعَفٌ آنذاك، فقرينه يسيطرُ على الجسد، وعقله الترابي آمرٌ للوظائف الحسيّة، وكل ما يقعُ تحت هذا الشبح، لأنّه كان في فترة جذبٍ، منقطعٍ عن المجاهدة والسّلوك والتزكية، غارقٌ في عوالم سكره، غافلٌ عن هذا الذي يدورُ. فيجِدُ قرينه قد تمكّن وكادَ كيداً، لأنّ القرين (بصفة عامّة) فيه طبيعة ونزعة أنانية مودعة فيه وهي الهوى، تدافعُ عن وجودها وأناها وكينونتها الكثيفة والعنصرية، فذلك تركيب الله للنّفوس سبحانه. وفي ذلك الإشارةُ أنّ الإنسان هو صاحبُ تصريف أقداره، ومنشأ رحى تجليّاته، أيّاً كان هذا الإنسان، جميع بني آدم على هذه الصورة والشاكلة، فالشيطان في الحقيقة مظهرٌ تابعٌ من صورة الإنسان، وتجلّيه ظهر كما ذكرنا، بالطبيعة العنصرية المودعة في الإنسان التي تدافعُ عن وجودها الكثيف الأرضيّ، وتنزعُ إلى أرض المحسوسات والشهوات والأكوان وما سوى الله تعالى، فتأمّل يرحمُك الله تعالى. وأورد الشيخ الأكبر : "أنّ آدم عليه السلام لقيَ إبليس بعد أن خرج من الجّنة، فقال له لقد أغويتني وأخرجتني من الجنّة، فقال إبليس: يا آدم أنا إبليسك، فمن إبليسي أنا ؟". وفي ذلك إشارةٌ أنّ لآدم التقدّم على إبليس بالخلافة، فكان إغواء إبليس واقعٌ بحكمِ الانعكاس من تجليّات آدم الذي استوى للخلافة. وكان دورُ تلك الطبائع العنصرية الجاذبة للأرض والدّون وحجاب الكثافة على الأكوان، هو دورُ إبليس كذا وقعَ في المشيئة الإلهية السّابقة. فالإنسانُ له الجمعُ الأكبر مخلوق على الصورة، وخلقه الله واسطةً بين الحقّ سبحانه والعالم. وليس ذلك لغير الإنسان. فله الأوّلية بحكمِ وجهته للحضرة الحقيّة وسرّه، وله الآخرية بحكمِ جمعه لجميع ما في عالم واختصاره لما فيه.

وقلنا تحدثُ حرب كبرى بين السّالك والقرين؛ وإنّما تحدثُ الحربُ الكبرى بين العبد وقرينه، لأهل السّلوك الأكبر،خاصّةً، أصحاب الحجّ والفناء الأكبر، والواقفين على باب حضرة الله تعالى، فيحدث حينذاك التهديد للوجود الكثيف والعنصريّ، فيُسخّرُ هذا الوجود العنصريّ الوهميّ جميع ما يملك من وظائف وقدرة ونزعات لإيقاف هذا الفناء وهذا الانسلاخ وهذا الرجّوع للرّوح. لأنّه يعني ذهابُ الكثافة والانسلاخ من التركيب العنصري، وموت النّفس الجزئية، والخروج من التقييد إلى الإطلاق، أي فنائه ونهايته وزواله مطلقاً. فتكونُ حربٌ لا هوادة فيها.

يتبع ..


الجمعة، 19 فبراير 2016

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 82




إبليس لمّا دعاه الله سبحانه لمجمع الملائكة في السماء وأمرهم بالسجود لآدم عليه السلام، تخلّف عن السّجود وأظهرَ ما كان يُبطِنُه من تكبّر واستعلاءٍ، وبرزَ منهُ مكنونُ سوء توجّهه في عبادته وعبوديته لله تعالى. فقَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (33). سورة الحجر. فما توجّه للأمرِ الذي صدرَ من معبوده وخالقه الذي كان يتوجّهُ إليه بالعبادة طيلة آلاف السنوات المديدة، بل أوّل ما توجّه إلى نداءِ نفسه فيه، وهواه الذي استحكمَ عليه، ومنطقه العنصريّ الذي قاس به  كيف يتقدّمُ عليه هذا المخلوق من عنصر التراب والطين وهو المخلوق من عنصر النّار؟ كأنّهُ رأى في النّار اقتراباً من النّور ومشابهةً فهو أفضلُ، مع أنّهُ لم يخرج من دائرة العنصر، والعناصر أربعة كما هو معلوم : نار وهواء وتراب وماء. ولو كان كذلك في اقتراب النّار من النّور بالفرض، فللملائكة الأحقيّة بالاحتجاج وهم المخلوقون من نور خالص، فوق العناصر الأرضية الأربعة. فهم أحقّ بالاستعلاء لو صحّ الاستعلاء. ولكنّ المسألة مسألة عبودية لله تعالى لا غير، فما عظّمَ الأمر ولا وقع في قلبه، لمّا خالفَ الأمرُ هواه العنصريّ، فجنحَ وأخلد للهوى وحكّمَ قياسه ومنطقه المتحيّز وحظّه المكنون في الريّاسة على أمرٍ ربّه، فقال أنا خيرٌ منه، ما كنت لأسجد له، وقد كان أسرّ احتجاجه لمّا اعترض الملائكة المقدِّسون اعتراض غيرةٍ على أن ينال الخلافة من يُفسدُ في الأرضِ، وسرّ الخلافة فيه ذلك التشريف، فاعترضوا تعظيما لذات الله تعالى، لا حظوظاً نفسية، وإبليس معهم متمسّكٌ كلّ التمسّك بذلك الاحتجاج والاعتراض، قد وافقَ اعتراضُهُم غرضَه وأرَبَه، نعم كيف ينالُ الخلافة هذا المتخلّفُ ؟  يُبدي معهم اعتراضه بظاهرِ الأدبِ والرّصانة، ويُبطِنُ حظوظه وحسده وهواه، فأرادَ الله تعالى أن يستخرجَ مكنونَ كلّ فريقٍ في حقيقة ذلك الاعتراض، سبحانه جلّ شأنُه، فأمرهم بالسّجود، فظهر كلّ فريقٍ، بحقيقةِ مذهبه في الاعتراض، فأمّا الملائكة فسجدوا طائعين مسبّحين مقدّسين الله سبحانه، فغايتُهم وحياتهم الطاعة والتقديس لله تعالى سبحانه لا يعصونه، ولا تخطرُ عليهم خطراتُ العصيان والدون، وأمّا إبليسُ فبرزَتْ حقيقته المستورة، التي كان يخفيها وراء الاعتراض في جمع الملائكة، فأظهرها وجاهرَ بها وأصرّ عليها، ولم تشفعْ له العباداتُ السابقة، والطاعاتُ المديدة التي كان يرقمُها لله تعالى، ذلك أنّها كانت مدخولةً، بالحظوظ المكنونة النفسيّة، والتي لم يأتِ عليها ما يكشِفُها فلمْ تظهرْ قبل ذلك. فلمّا جاء وقتُ امتحانِها برزتْ ونكبَ صاحبُها عن الصّراط السويّ. فما قضاهُ الله تعالى على إبليس هو ما كان موجوداً في حقيقته وداخله، وهي قابليتُه لذلك القضاء.فلمّا أبى السجود وتكبّر، طرده الله من رحمته قال الله تعالى : {
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)} الاعراف.
فأبى السجود وتحجّح في ذلك بالمذهب الجبري، فهو أوّل قائلٍ به كما أشارَ إلى ذلك الشيخ الأكبر رضي الله عنه، فقال إبليس إنّما قضيت عليّ يا ربّي بسابق قضائك أن أعصي وأطرد من رحمتك. مع أنّه ما فتئ بعد ذلك يثبِتُ موقفه وعصيانه الأوّل، وأقام جميع حياته التالية موقف العصيان والطرد الذي تلاه من رحمة الله تعالى، أقامها جميعها على تثبيت موقفه من آدم والتكبّر عليه وحسده،  بل وسأل الله تعالى مهمّة استعداء آدم وذريّته والكيد لهما وإغواءهما عن طريق الله تعالى، وطريق سعادتهم. وجنّد كلّ مواهبه ودقائق حياته من أجل هذا الغرض. وهو مع ذلك يقولُ قد سبق عليّ قضاؤك، فأنا مجبور في ذلك. ولكنّ الغريب العجيب أنّ إبليس ذاته الذي تحجّج بهذه الجبرية، تحجّج في مهمّته وسعيه التالي بالقدرية، فهو إمام أهل القدرية والمعتزلة القائلين باستقلال الأفعال عن الله تعالى كما أشارَ إلى ذلك الشيخ الأكبر، وراحَ يؤسّس (إبليس)  بكلّ إرادته المختارة الحرّة التي بين يديه، وكلّ ما وهبه الله من علم وتسخير من أجلِ تضليل بني الإنسان، غاية التضليل. ومهمّته جمعتْ بين حسده وتكبّره، وبين اعتراضه على الله تعالى مباشرةً، كأنّهُ يقولُ، سوف ترى ما أقدِرُ عليه أمام هذا الإنسان والبشر، فسوف أضلّه إضلالاً، وأغويه؛ ولبث ابليس في الأرض يتجسّس على البشر وخواطرهم ودواخلهم، وسخّر ذريّته لذلك، فما من مولودٍ إلاّ وله قرينٌ يقِفُ عليه منذ ولادته، لهذه المهمّة، وهكذا ابليس مضى مغوياً متفنّناً في مسلك التضليل والفتنة عن طريق الهداية إلى ربّ العالمين. ليُثبتَ أنّ موقفه الرافض للسجود موقف صحيح ثابت، وأنّه كان الأجدرَ بتلك الخلافة. ليُثبَتَ الجهولُ المغرور أنّ الله أخطأ. فانظُر عِظمَ معصية إبليس عليه خزي الله ولعنته. فإنّها تجاوزت حدّ المعصية الظاهرة، فهو الكبر والتكبّر، وأخطرُ ما يمنعُ العباد عن العبودية، وذرّةٌ منه تمنعُ صاحبها من دخول الجنّة، لأنّها تمنعه من حقيقة العبودية التي هي ذلّ وخضوعٌ وافتقارٌ وانكسارٌ لله تعالى وتُقابلُ في الطرف المناقض الكبر، أعاذنا الله منه. وقال الله سبحانه وتعالى مستغنياً، وهو الغنيّ سبحانه، إذهبْ مطرودا مذموما، ولك ما سألتَ من دورِ الغواية والفتنة في الأرض، أما وإنّي لذلك خلقتُهم، أي خلقتُهم لأمتحنَهم، وأمتحنَ خلقي وعبادي هل يعبدونني ويؤثرونني على شهواتِهم ومآربهم، أم يستقلّونَ بها، ويتنّعمون بها، غافلين عن صدروها منّي إليهم، وينسوا عهدهم الذي أشهدتهم في موطن الذرّ يوم قلتُ لهم : ألستُ بربّكم، فقالوا جميعا بلا استثناء: بلى. فاستخلفتُهم في الأرضِ لأنظُرَ من بقيَ على  العهدِ، ممّن نكث عهده ونسيَ واستغنى، وطغى ونسبَ نعمي وخلقي وخيري وفضلي لنفسه ولغيري، وغفل عن رجوعه المحتوم إليّ يوم الدين.

{قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ (18)} الأعراف. 

فإبليسُ عليه خزي الله تلوّنَ بين قوله تارةً بالجبرِ لمّا حكَمَ عليه هواه وغلبهُ فأطاعه وعصى الله تعالى، وقال عصياني قضاءٌ قضيته عليّ، وبين قدريّته في تدوير الفعل والعزم بيديه وحريّته وإرادته باستجماعِ جميعِ همّته وعزمه من أجلِ أن يعصي ويكيدَ ويُضلّلَ بني آدم عن طريق الله تعالى. ولم يخطُر في بالِهِ داعي العبادة والعبودية لله تعالى، ولم يأخذه حنينه لما سبَقَ من مديد عمره في الطاعة والعبادة لله تعالى !!! .. هنا تعلمُ أنّه حَكَمَ عليه قضاءُ الله تعالى سبحانه بما حكَمَ به هو على نفسِه، وبما كانت نفسه قابلةً لهذا العصيانِ والطرد من رحمة الله تعالى. فإنّنا كخلْقٍ لا نعملُ إلاّ بما هي عليه حقائقُنا، وإنّنا مخيّرونَ بإرادةٍ حرّة لأنّ عينَ ما نقومُ به هو عينُ إرادة الله تعالى فينا. وهذا غامضٌ حقّاً في بابِ الإرادة، ولكنّهُ من وجهٍ -تقريباً- وأعوذُ بالله تعالى من الخوض بلا علم في بابٍ مذمومٌ الخوضُ فيه، ولكن تبييناً لهذا المسلك الإبليسيّ، نوضّحُ ما نفهمه والله أعلى وأعلمُ،  أنّ الحقيقة تقابلها مثلاً، كون هذا الشخص هو عددٌ ما، لنفرِض أنّهُ العدد 3، وندخلُ عليه عملية حسابية ما، أو ندخله تحت دالة ما لتكن مثلاً الجذر التربيعي فيحصلُ لنا ناتج، فكونُه العدد 3 نتج جذره التربيعي بذلك الشكل، بينما لو دخل عدد آخر غير 3 تحت الجذر التربيعي فينتج حاصل آخر ولا بدّ، وهكذا. فحقيقة العدد 3 وقابليته هي التي تعطيناَ النواتج والحواصل مع كلّ تجلٍّ وعملية ندخلهُ فيها، فهذا الذي يُسمّى قابلية وحقيقة العدد أو الشخص، طبعا المثال بسيط جدا في الأعداد هنا، ولكن هكذا أعيانُ الأشخاص لما خلقها الله تعالى، أخذ كلٌّ منها ترتيباتُه المستحقّة ونتائجه وقابليته، فأعطتْ لوح أقدارِه، وسابق قضاءِ الله فيه، فعلمُ الله فيه أنّه يكونُ كذا وكذا ثابتٌ لا يتغيّر ولا يتزحزحُ، ولكن ما حكمَ الله عليه أن يكونَ كذا ظلماً، إنّما حكمَتْ عليه نفسُه وحقيقته المودعة فيه. ثمّ إنّهُ بعد رحلة التجلّي الدنيويّ والأخروي الذي بدأ وانفلقَ من برزخ الرّحمة، فحاصلُ ومحصّلُ التجليات في الأبد أن تعودَ إلى الرّحمة التي بدأتْ منها، وذلك حينما تستوي المحصّلة الأسمائية ويتجلّى عليها الإسمُ الأعظم، فتتضادّ التجليّاتُ الأسمائية فيما بينها، ويذهبُ أثرُها العذابي أو العقابيّ، عندَ تحقيقِ العدلِ الذي يوجبُ الجزاء، فتدخلُ دائرة النّعيم والرّحمة. وهذا هو نهاية مآل الخلْقِ. خصوصاً الإنسان المخلوق على الصورة فلا نهاية له. ويبقى في مقامِ الشهودِ من حيثُ عينِه العلميّ، يتقلّبُ في رحمة الله تعالى. والله أعلى وأعلم. فرحمةُ الله تعالى عمّتْ الجميع. ولكن بين الكينونة الخلقية والأبدية حكمته سبحانه في عبيده، وامتحانه بين شقيّ وسعيدٍ، بحسب كلّ عبدٍ وما سعى وقدّم، فألهمَهُ الشقّين وهداهُ النّجدين، ثمّ كانت كلّ حقيقة تنجذبُ لما هي عليه طلباً لها لا تحيدُ عن ذلك. طلباً تعشقّياً مكنوناً في الذوات والأعيان العلمية. حكمته سبحانه وإرادته الأزلية التي قضتْ هكذا. قبضتُ قبضة وقلتُ هؤلاء في الجنّة ولا أبالي، وقبضتُ قبضة وقلتُ هؤلاء في النّار ولا أبالي. الخلْقُ خلقي والكونُ كوني، والإرادةُ إرادتي، ولا موجود سوائي. فانتشرتِ الحروف في قرطاسِ الكونِ تسعى بحقائقها، فكلٌّ وما قسَمَ الله لهُ في الأزلِ. وعلمُ الله فيه ثابت واحدٌ لا يتعدّد ولا يتبدّل. تماماً كعدد أصمّ أو غير نسبيّ في امتداده العشريّ الغير المنتهي يرقُمُ فواصلَهُ وامتدادهُ بدقّة متناهية لا يمكنُ أن يحيدَ عنها، وكذا في علم الله تعالى قد علِمَ امتدادَهُ وما يؤولُ إليه، وكلّ عينٍ علميّ ومعلومٍ يتبعُهُ علمُه وفقاً لما هو عليه. فيحكُمُ عليه الله بسابقِ علمه فيه، لأنّ حقيقته وكينونته اقتضتْ أن تكونَ على تلك الشّاكلة. والله أعلى وأعلم. ولذلك ذكرَ من بابِ الإشارة الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه في تمايز هذا عن هذا، وكونِ هذا وليّاً وهذا نبياً وهذا ختماً وقد تفاضلوا فيما بينهم أزلاً، في معرِضِ الحديث عن الحروف واختصاصاتها وكيف سبق الألِفُ باقي الحروف فبَعُدَ عن النّقطة بُعداً واحداً، لمّا ابتعد غيره عنها بعدين وأكثر، فقال من بابِ الإشارة قوله تعالى
﴿قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ يوسف 75. وكذلك حرفُ الألِف جزاؤه أنّه وُجِدَ في رحله ذلك السرّ المكتنز، وسابقُ العناية الأزلية اختارتهُ فكان ختماً وكان خليفة وكان قائما بأمرِ الله تعالى، ينوبُ عنهُ في خلقه، وكذلك الأمرُ بالنّسبة لحرف الباء وخصوصيته لمّا كان ظلاًّ للألفِ قبِلَ أن يدخُلَ في خصوصيته ويكونَ واسطة تعيّنِهِ بواسطة نقطته التي تحتهُ التي هي نقطة الهوية، فكأنّها نقطةُ انعكاسِ صورةِ الألِف الممدود في حرفِ الباءِ إلى ألفِ ظلاليٍّ تحت النّقطة يظهَرُ بها ظلّ الوجود والموجودات والكون (أشارَ إلى هذه الصورة البائية الشيخ الأكبر)، فقال الشيخ الجيلي رضي الله عنه من بابِ الإشارة كذلك قوله تعالى  {كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ  عَلِيمٌ}. يوسف 76. فكان للباءِ تلك القابلية فيه أن يدخل في دين الألف ويتحلّى بخصوصيته ويكونَ واسطته العظمى لبروز عالم الظلالِ والأكوانِ. وهذه إشاراتٌ نفيسة منه رضوان الله عليه في تلك الآيات. فهو إذن اجتباءٌ واصطفاءٌ أزليٌّ قديمٌ منه سبحانه. 


والحاصلُ والخلاصة فيما أشرنا إليه من تقلّباتِ إبليس عليه خزي الله تعالى بين الجبرية والقدرية يأخذُ منها ما يناسِبُه في كلّ مرّة وحالٍ وما يوافِقُ هواهُ. فبانَ فسادُ مذهبه ومذهب من تبعوهُ في ذلك. فإنّهُ لا يُحتجُّ على الله تعالى، لأنّه ألهَمَ النّفوس النّجدين وجعل لها الاختيار، كما تسعى لتقيم قوتها وترضي شهواتها ورغباتها المختلفة بمحض الإرادة والرّغبة والحريّة فكذلك هي من تسعى لكتابة لوحِ أقدارها بما تقبَلُهُ على نفسِها. فإنّما كلُّ نفسٍ راقمةٌ أقدارَها، كأنّها تخطُّهُ أوّلَ مرّةٍ في الأزل. وكلّ ذلك موافقة لإرادة الله تعالى الأزلية وعلمُه الثابت فيها لا تحيدُ عنه. إذ في التحقيق ما ثمّ إلاّ هو سبحانه، هو الأعيان العلمية وهو الأقدار وهو القابليات وهو هو وحده لا شريك له، لا موجود سواه، كان ولا شيء غيره، ولا شيء معه، وكلّ يومٍ هو في شانٍ سبحانه يتجلّى بأقضية الخلقِ بدايةً من برزخ رحمتها إلى عودِها لذاتِ البرزخ. ولذلك فما للعبد الصّادق من مطلَبٍ وبُغيةٍ وقرارٍ سوى ركونه لله تعالى وللحقيقة المطلقة الثابتة وللشريعة الغرّاء وللحقّ، قبل أن تنتهي الفرصةُ، وقبل أن تزولَ هذه الدّارُ الفانيةُ وسنواتِها القليلة الخدّاعة، وتأتي دارُ العمارة والحيوان والإقامة والخلود، ويُطبَعُ كلُّ امرِئٍ بما كسبَ وبما كتبَ في لوحِ أعماله وحياته. فيُجازى عليه، ولا ينفعُ حينها النّدمُ. ولا يستخفّهُ إبليسُ وحليفه الدجّالُ وأتباعهما فإنّهم آيلونِ لعلمِ الله فيهم، ولما قرّرهُ سبحانه، وقد جفّت الأقلامُ وطويتْ الصّحفُ. وقال تعالى {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6)} سورة فاطر. وكلّ ما يبدو لنا من فتنٍ عظيمة قد ذكرها الله تعالى في كتابه، وذكرها نبيّه ورسوله المصطفى صلى الله عليه وسلّم في حديثه الشريف، ولم تتخلّف. والعاقبة للمتقّين. 


يتبع ..



الأحد، 29 نوفمبر 2015

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 81






ذكرتُ في مقال لي سابق أنّه "لولا المرزوقين ما كان سبحانه رزاقا ولا المخلوقين ما كان خالقا ..الخ." والعبارة بهذا التركيب تبدو خطأ، تعالى الله عن ذلك سبحانه، إنّما أردتُ ظهورَ أسمائه وصفاته، فما ظهرت لنا إلاّ بالآثار والتجليّات. وإلاّ فالله سبحانه لم يزل رازقا خالقا نافعا ضارا مغيثا محييا .. فقد كان الله ولا شيء غيره وهو الآن على ما عليه كان. ولهذا فما خلْقُه ومخلوقاتُه سوى مسرح آثار أسمائه وصفاته، أي ما عند الله زمانٌ، فهو فوق الزّمان سبحانه وفوق المكان، والخلْق وجودهم اعتباري مجازيّ، لأنّهم مسرح تجليات أسمائه الحسنى. فالعالم ظلّ لأسماء الله وصفاته، والظلّ لا يقومُ بنفسه، ويزولُ الظلّ إذا ارتفعت الكثرة الأسمائية وظهرت الأحدية. وكلّها حضراتٌ تتدرّجُ. ولا موجود سواه وحده لا شريك له سبحانه. وعقيدة السادات إثبات الصفات والأسماء قبل وجود الخلق. فلا نُخالفهم لأنّ التراتبية توجبُ ذلك. ودفعاً أن تختلطُ عقائدُ النّاس بعقولهم الترابية وقياسهم العقليّ النّظريّ. وإلاّ فما ثمّة قبلٌ عند الله سبحانه، والقبلُ اعتباريّ، والزّمانُ مخلوق منه سبحانه. والأحدية ثابتة لله تعالى، وأحديته لم ولن تتغيّر، وما زاد فوقها وعليها شيءٌ، فبقيَ أنّ الخلْقَ والعالَم حضرةٌ من حضراته سبحانه، تُجلي آثار أسمائه وصفاته. والأسماء مشهدُها الحضرات، فكلّ إسمٍ لهُ واجهةٌ في العالمَ وأثرٌ، والأسماء تجلّتْ من إسم الله الجامع لها، بواسطة اسمه الرّحمن الذي رحمها فأعطتْ آثارها وظلالها وتجليّاتها. فلمّا تجلّت هذه الأسماءُ اللاّمتناهية له سبحانه وإن جمعتها أسماء جامعة معدودة، فهي أمّهاتٌ للأسماء الغير متناهية، فلمّا تجلّت الأسماءُ أعطتْ صورة هذا العالم بهذا القدرِ المُحكم وهذا الجبروت الأعظم وهذا الكمال الأمثل. معبّرةً عن عظمته سبحانه وعظمة أسمائه وصفاته المقدّسة. فأعلمتنا - عن عظمته سبحانه وعن أسمائه وصفاته - هذه المخلوقات وهذا العالمُ الذي لا يزالُ الإنسانُ يكتشفُ ارتباطاته وجمالياته وتناسقه المذهل المحكم العظيم جدا، وعوالم فوق الحصر، وأشياء مركبّة فوق بعضها بعضٍ بإحكامٍ مذهل لا يتناهى، ولا ينفصِمُ، وليس فيها خللٌ أو خطأ، بل كلّ شيءٍ مرتبطُ ببعضه وبالعالم، ارتباطاً عظيماً، في حياة عظيمة مذهلة متناسقة مركّبة، قامت على الأسباب والإحكام والحكمة الثابتة. مستمرّةً في ارتباطها وحكمتها وحياتها، {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ} سورة الملك (3-4). تأمّل وتأمّل في خلق الله سبحانه حيثما ولّيتَ وجهك وتأمُلَكَ، فلا تزالُ مع مزيدِ التأمّل والنّظرِ إلاّ مكتشِفاً لمزيد الأسباب والحِكَمِ والارتباطات والتركيب العجيب المذهل، والتناسق الباهر المعجز. إنّ هذه العوالم والمخلوقات مسرحُ تجليّاتِه سبحانه، تجليّاتِ أسمائه الحسنى الغير المتناهية التي برزتْ من برزخ الرّحمة، من اسمه الرّحمن. فقد خلق الله تعالى الخلق والعالَم بعبارة بسم الله الرحمن الرحيم. ولذلك كانت عبارةً جامعة لما في كتاب الله تعالى جميعا. اسمُ الله الأعظم الدّال على ذاته وعلى جميع الحضرات. واسمُ الرحمن الدّالُ على الأسماء والصفات، الذي به رحِمَ الله أسماءهُ فظهرت آثارَها في الأكوان، ثمّ اسمه الرّحيم الذي هو الرّحمة الأقدسية التي تُرجِعُ كلّ شيءٍ إليه سبحانه في منتهى رحلة الخلْق إلى ربّهم "وأنّ إلى ربّك المنتهى". فقامَ عالم الإمكان بين الأزل والأبد، والأزلُ والأبدُ عند الله يلتقيان، فما ثمّة عند الله زمان فافهم، وبينهما أي بين الأزل والأبد وُجِدَ عالَمُ الإمكان، وحضرة العوالم والمخلوقات. لذلك كان تعبيرنا الذي ذكرناه على تلك الشاكلة موهماً، ولكنّه مع ذلك فهو موهِمٌ في نظرِ أهلِ العلم، وبمنطق التراتبية التي قامَ عليها العالَم، وإلاّ فأحدية الله سبحانه، ووجوده الثابت لا يُبقي معه شيئاً متوهّماً. كما قال الجنيد رضي الله عنه للذي قال الحمد لله وسكت عن قول ربّ العالمين يريدُ القائلُ إثبات الحمد لله قبل وجود خلقه، فقال له الجنيد : قلها يا أخي فإنّ الحادث إذا قرن بالقديم تلاشي الحادث وبقيَ القديم.

وقال الله تعالى ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة البقرة. فما خلف تلك الظّلال إلاّ وجه الله سبحانه، وماخلف هذه الأكوان وهذه العوالم وهذه المخلوقات إلاّ وجهه سبحانه، والوجه هو الذات. إنّ الله واسعٌ عليمٌ، إنّ الله واسِعٌ لم يزلِ متجليّاً وخالقاً متعالياً عن الحدّ والحصرِ في صورةٍ أو حيّز، بل وسِعَ كلّ شيءٍ رحمةً وعلماً، عليمٌ سبحانه، لأنَّ الأكوان والخلْقَ مظهرٌ لاسمه العليم، فاسمُ العليم اسمٌ محيطٌ جامعٌ، علمه سبحانه فوق الحصر والإحاطة، غير متناهٍ. فجمعت هذه الآية حقيقة العقيدة في الله تعالى، ولكن لا يشهدُ ذلك إلاّ أهلُ الذوقِ والشهود، ونزّهته سبحانه عن كلّ صورةٍ ومظهرٍ وتشبيهٍ، كما أنّها ما فصلت تلك الصور المتجليّة في العالم في المشارق والمغارب عنه، بل أرجعتْ قيامها ووجودها له سبحانه، فثمّ وجه الله، أي قامت به سبحانه. وهكذا قامتِ الدّنيا ملايين السنين، بل مليارات السّنين تُجلي عن آثار أسمائه وصفاته، ورحلتها في التجلّي والظهور حتّى خُلِقَ آدمُ عليه السلام مختصرُ العالم، وآخر مخلوقٍ جامعٍ لجميع ما في العالم، ومبدأٌ لرحلة الإنسان في الخلافة مع ظهورِ آثار الأسماء في الأرض، وعند كلّ اسمٍ جامعٍ يكونُ مفترقٌ ومحطّة هامّة، وعلى ذلك ظهرتِ الرسالاتُ السماوية والبعثات النبويّة، فهي مجسّدةٌ لظهورِ تلك الأسماء الجامعة بعد مسيرةٍ ونُضجٍ في الأرض، حتّى ظهرت الرسالات السماوية الكبرى. كان سيّدنا موسى عليه السلام مظهراً لاسم الربّ، أي كان خليفةً لهذا الإسم الجامع الكبير وهو من الأسماء المتقدّمة، ثمّ كان سيّدنا عيسى بن مريم عليهما السلام مظهراً لاسم الرّحيم وهو اسمٌ يقدّسُ الأشياء تقديساً أقدسياً، ولذلك كان رمزاً ومؤيّداً بروح القدس، وكانت ولادته معجزةً بذلك الشكل الذي ولد به، وكان نبياً ورسولا منذ ولادته، معبّراً عن التجريد القدسيّ عن تبعاتِ ومقتضيات البشر والطين، ولهذا فقد رُفِعَ إلى السّماء لينزل في آخر الزمان، ثمّ كانت الرسالة الخاتمة وبعثة مظهر الرحمة الكبرى، برزخ الرحمة وخليفة اسم الرحمن سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم، اسمُ الرحمن الذي منه انبثق الوجودُ في بداياته أصلاً، وتجلّتِ الأسماءُ. فقال صلّى الله عليه وسلّم : ((إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ. السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ؛ ثَلاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ)) رواه البخاري. فالزّمانُ استدارَ كهيئته الأولى، وتوافقَتِ التجليّاتُ مع الآثار بظهورِ اسم الرحمن في الأرضِ بمبعثه صلّى الله عليه وسلّم، وتجسيد الخلافة الكبرى به صلّى الله عليه وسلّم وفتح باب الولاية الكبرى فكان هو محمد وهو أحمد صلى الله عليه وسلّم، وحاز على المقام المحمود ولواء الحمد، لأنّ جميع من يأتي من الأولياء والخلفاء من أمّته هم تابعون له وورثة له، هكذا سنّة الله سبحانه في الحياة، فلا يكون التابعُ فوق المتبوع، فافهم. والنبوّة والرّسالة لها القمّة، ثمّ يأتي الباقي تبعية. فكان اسمُ الرحمن دالٌّ على الله تعالى، وطريقٌ إليه، له وجه ذاتيّ إلى الذات أي الإسم الأعظم، واسم أحمد، وله وجه صفاتيّ جامع كما ذكرنا وهو الرحمانية وهي اسم محمد. ومنها بدأت رحلة الخلافة المحمدية والأحمدية في أمّته صلى الله عليه وسلّم، وكانوا على قدمه قمريين، فالقمرُ مقامه مكتومٌ مخفيّ، وقد عكسَ نور الشمس واستوعبه كلّه، حتّى تطلع شمس المغرب الذاتية في آخر الزّمان ويظهرَ صاحبُ الإسم الأعظم بالأصالة والخاتم لخزانة الجود الإلهيّ والخاتم للوجود الإنسانيّ، وهو علامة الساعة ومظهرها كذلك، الإمام المهدي عليه السلام. وبه ينزلُ النبيّ المؤيّد بروح القدس الذي كما ذكرنا جسّد اسم الرّحيم، ليختم اسمُ الرّحيم الوجود، وتتقدّس الأرضُ ويتجلّى فيها الإسمُ الأعظم أخيراً. فافهم، فما هذا العالم والمخلوقات والإنسان والخلافة سوى مظاهر تجليّاته سبحانه، وتجليّات أسمائه كما ذكرنا.


الأحد، 22 نوفمبر 2015

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 80


كتب يوم : 16/02/2015


جمالُ الخليفة ..
بسم الله الرحمن الرحيم 
 
 قال الله تعالى : {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} سورة التين 1-4
   
 الإنسان هنا هو سيدنا آدم، خلقه الله على أحسن تقويمٍ. مخلوق على صورة وتقويم الخليفة (الإنسان).
 
 وخلقة الخليفة هي أحسن وأجمل خلقة إنسانية. فهو الذي لا نظير له في المظهر الخلقي والجوهر الحقيّ. طبعاً وأجملُ مخلوق هو سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
 
 وأجملُ إنسانٍ هو الخليفة عليه السلام.
 
 إنّهُ لا تعارضَ بين شهاداتِ القومِ في اعتبارِ سيّد الجمال والكمال هو سيدنا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. فهو أفضل الخلق وسيّد الكمالات وهو الإنسانُ الكاملُ.  
 إلاّ أنّ الخليفة هو حالةٌ خاصّة منفردة جدّاً. لا قياسَ عليه .. لأنّ كمالَ الإنسان جاء أصلاً ليشهدَ جمال وكمال وجلال الخليفة الذي تجلّى بالأعيان وآثارها في الخلق. وهو السيّد الصّمد، وهو سيّد الجمال والجلال والكمال.
 
 وجمالُه الخلقي وحسنُ تقويمه فاقَ كلّ جمالٍ وكلّ حسنٍ .. وهو طاووسُ أهل الجنّة كما قال صلّى الله عليه وسلّم ((المهدي طاووس أهل الجنّة)). إنّما كان طاووسها ليُحاكي متعة العينِ من النّظر الى الطاووس الذي هو من أجمل الحيوانات والطيور وأبهاها. ويُحاكي كذلك كونُ الطاووسِ متعدّد الألوانِ مزركشٌ متناسقٌ له من كلّ لونٍ نصيبٌ. وكذلك الخليفة له من كلّ جمالٍ نصيبٌ لأنّ الجمال منه برز الى غيره. فلمّا قال الله تعالى "إنّي جاعل في الأرض خليفة". فهو الخليفة الإنسان الذي تعيّن في جميع الإنسان بين أنبياءٍ وأولياءٍ وجميع البشر. فهو الخليفة صاحبُ الرّتبة الشريفة. عزَّ أن يفهَمَ هذه الحقيقة الواضحة الكثيرون، لعزّة معناها وبقائها عند السادة الأمناء مأمونة مكتومة. فالخليفة لا تعني سوى أنّه النبيّ والوليّ والصديق والفاروق وجميع الرّتب إلى منتهاها. فهو الظاهرُ بها. 
 
 فلا قياسَ بينه وبين غيره، فهو الذي لا نظيرَ لهُ .. ارتفعَ عن الخلقية في حقيقته. لأنّه حملَ سرّ المستخلفَ وظهرَ به في الوجود. 
 
 فما ثمّة في الوجود سوى الوليّ والخليفة صاحبُ هذا السرّ والشهود بالذات، وسيّد الخلق والوجود رسول الله صلى الله عليه وسلّم الذي رأى بهذا السرّ والشهود جمال الذات وشهود آثارها. فما من وليّ أو نبيّ بعدهُ سوى محمولٍ على سيّد الخلق والوجود وبه يرى ما يرى، فمن بابه نرِدُ على الله تعالى وبه يكملُ جميع من يكملونَ إلى يوم القيامة فهو الشفيعُ المشفّعُ والحبيبُ المحبّبُ. صلى الله عليه وسلّم وبارك وكرّم وعلى آله وصحبه في كل لمحة ونفَسٍ بقدر عظمة ذات الله تعالى.
 
 وسياقُ الآية دالٌ إلى ما ذهبنا إليه لمّا قال سبحانه وتعالى {وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}.
 
 فقوله تعالى : وهذا البلد الأمين .. إشارةٌ للكعبة الشريفة والمسجد الحرام. وهي إشارةٌ للمقام الذاتيّ الذي وُهبَهُ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم وصاحب المقام أب الأنبياء الخليل عليه السلام. ومن هنا كان اسمهم أهل البيت. أي أصحاب القبلة الذاتية. وإنّما صحّ هذا الشرفُ والقبلة الذاتية بخاتم الأولياء والخليفة الذي هو صاحبُ القبلة الأصليّ وقطبُ الأرواح. المهدي عليه السلام من أهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فهو المعنيّ الأوّلُ والسيّد الأوّلُ المرتبطُ به البيت أي الكعبة الشريفة وكونها القبلة قبلةً للأشباح، لأنّ صاحبها هو قبلة الأرواح. ولهذا جاءَ بعد ذلك السيّاقُ : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويمٍ. والإنسان هنا هو الخليفة صاحبُ هذا الشرف الأوّل الذي إليه انتسبَ البلدُ الأمين والبيت والقبلة. فهو الذي في أحسنِ تقويمٍ وهو قبلةُ الأرواحِ وهو أهلُ البيتِ بالأصالة.
 
 ومن هذا المعنى قوله تعالى : {..قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ..} سورة البقرة. فالقبلة التي قصدها الله تعالى "قبلةً ترضاها". هي القبلة الذاتية حيث نزول الروح في قلبه وعروجه الى سدرة المنتهى ورأى من آيات ربّه الكبرى، وحمله للإسم الأعظم. فقال سبحانه وتعالى في سورة الفتح : {نَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} وقال : {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}. وكذلك كان ذلك لأهلِ البيتِ الذين تحقّقوا بالوراثة بهذا السرّ، وكانَ المشارُ إليه بالأصالة والحقيقة هو الخليفة صاحبُ البيت الذي هو من ذريته صلّى الله عليه وسلّم. فقال صلّى الله عليه وسلّم لفاطمة البتول عليها السلام ((أبشري يا فاطمة المهدي من ولدك)). وهي القبلة االمرتضاة التي شرّفَ الله بها نبيّه ورسوله صلّى الله عليه وسلّم فبشّر بها ابنته البتول الزهراء عليها السلام أبشري واستبشري. 

قال الشيخ الأكبر قدّس سره في كتاب "عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب"  في فصل : (لؤلؤة التحام اليواقيت وانتظام المواقيت)

((فإنّ القصد في هذا الكتاب هو معرفة الخليفة والختم وتنزّل الأمر الحَتم فنقول فرجع عَودُهُ على بدئه في ليله وأدرك صلاة الصبح مع أهله، فتسوّد ذلك الجسدُ على أمثاله ممّن تقدّم أو تأخّر من أشكاله ، لمّا كانت مادة الحقيقة الأصلية والنّشأة البدائية إليه اسمه من ذاتها وإلى غيره من صفاتها) انتهى.


 فتسوّد جسدُ الخليفة الخاتم على أمثاله من الأجساد والأجسام، لمّا كان اسمُه معبّراً عن الحقيقة الأصلية بذاتها كما أشار الشيخ الأكبر قدّس الله سرّه. فمهدُ الجمالِ والكمالِ والجلالِ، وسرّهُ الأوّل ومنبعُه وأصلُه وفاطرُهُ، لا جرَمَ أن يكونَ السيّدُ والأجملُ والأبهى إذا عبّرَ ظهورُهُ عن ذلك السرّ، فلمّا كان هو صاحبُ ذلك السرّ الذاتيّ، فقد انعكستْ الملامِحُ على الوجه والخلقة لتُعطي التفرّد والسيادة والكمال المطلق كما هو الأصلُ.

وممّا أوردَهُ الشيخ الأكبر قدّس الله سرّه  في الفتوحات المكيّة عن الختم، قوله في قصيدة :

إنْ قيلَ من هذا ومن تعني به ... قلنا المحقّقُ آمِرُ الأمراءِ
 شمسُ الحقيقة قطبها وإمامُها ... سرُّ العِباد وعالِمُ العلماءِ
 عبدٌ تسَوَّدَ وجهه من همِّهِ ... نورُ البصائرِ خاتِمُ الخلفاءِ
 سهلُ الخلائقِ طيّبٌ عذبُ الجنى ... غوثُ الخلائق أرحَمُ الرُّحماءِ
 جَلَّتْ صفاتُ جلالِهِ وجمالِهِ ... وبهاءُ عزّتِهِ عَنِ النُّظراءِ


فقد جلّت صفات جماله وجلاله ظاهراً وباطناً، شمائلاً وأخلاقاً عن المناظرة والمماثلة، فهو حامل لواء الحقيقة المطلقة وجمالها وكمالها وسرّها فهو خليفتُها المطلق الأوّل.

واليهود هم من روّجَ أنّ أجمل إنسانٍ هو سيّدنا يوسف عليه السلام، بينما الحقيقة فسيّدنا آدم أجمل من سيّدنا يوسف عليهما السلام، فهو الخليفة الآدميّ الأوّل، وإن كان ليوسف نصيب من الجمال عظيم جدا، ولكنّ أبانا آدم أجمل منه. وأجملُ منهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعليهما وعلى جميع الأنبياء فهو مظهر الكمالات الإلهية وجمالِها. وأجملُ إنسانٍ مطلقاً هو الخليفة المهدي عليه السلام.

أقنى الأنف أعلى الجبهة برّاق الثنايا وجهه كالكوكب الدريّ، إسرائيليّ الجسم عربيّ اللّون، لونه آدميّ وجماله أعجميّ، وخلقته أجمل الخلْقاتِ وأحسنها .. 

__________________________

بعضُ هذه الآيات التي أوردتها هنا وإشاراتها أشارَ لها مشايخنا -رضي الله عنهم- من بابِ الإشارة والتلميح، ونحنُ متوسّعونَ.




الأربعاء، 18 نوفمبر 2015

"ال" تعريف الشمس والقمر



كتب يوم : 18/03/2015

الشمس والقمر. بهما تعلّق مثال الحروف الشمسية والحروف القمرية. نسبةً لنطق لام ال التعريف في الكلمات وعدم نطقها بإدغامها.

ولكن هل يتوقّفُ الأمرُ على اللغة والنطق فقط ؟
بل الأمرُ يتجاوزُ إلى مثال الشمس والقمر في الحقائق لمن تأمّل.
فالشمس هي الرّوح والقمر هو القلبُ الذي تنزلُ فيه الرّوح.
فالشمس ذاتية النّور والاشتعال، والقمرُ عاكِسٌ لنورِ الشمس في ليلِ الأرضِ.

فكان حرف الألف وحرف اللام في " أل " .. راجعاً لمعاني الحروف التي جاءت في فواتح السور، ومن معانيهما التي ذكر بعضها العارفون المحققون، أنّ ألف هي ألف الذات واللام هي الأعيان العلمية، لذلك كانت اللام (ل) ألف (أ) تتبعها تعريقة (ن)، والتعريقة كما قال بعض العارفين هي تعريقة الخلق. أي الأعيان العلمية فمردّها الى الذات في الأصلِ، وفي عالم الوحدة الأسمائية تميّز كلّ عينٍ علميّ بتعريقته وتميزّه واختلافه عن غيره. مع أنّهم في المرجع مردّهم إلى الذات لذلك كانت لام العلم (ل) رسمُها بين ألف الذات وتعريقة خلقية. جمعت الخلق فيها.

أمّا وضعُهما في ال الشمس والقمر، فذلك أنّ الشمس كانت رمز الرّوح ورمز الذات، لأنّ الرّوح هي مرآة الذات، فصارت لامُها الشمسية مختفيةً مدغمة فما ينطقُ إلاّ ألِفُها، ذلك أنّ الخلق لا وجود لهم حقيقياً إلاّ اعتباراً، فزالوا في حضرة الروح والذات. وكذلك زال واختفي جميع الكواكب والنّجوم في حضرة الشمس. فتأمّل.
بخلافِ القمر فقد ظهرَ حرف اللّام وتميّز في ال التعريف، لأنّ الخلق بالقمرِ ظهروا في ليل أقدارِهم. واختفوا في نهارِ شمسهم. فالنّهارُ حضرة القدم وما تميّز العلوّ من السّفل، فالكلّ مشرِقٌ راجعٌ لأصله وألِفه. وفي اللّيل ليل الأقدار والحدوث تمايز الخلْقُ. وظهرتِ الكواكب والنّجوم.

فالقمرُ هو حضرة الرّحمانية التي بها رحِمَ الله الخلق فظهروا، وظهرتْ أقدارهم. وهو القلبُ الذي جمع نورَ الروح وعكَسَهُ.
والشمسُ هي حضرة الله تعالى التي رجع فيها كلّ شيءٍ إلى أصلِه فما ثمّ إلاّ الوحدة الذاتية والحضرة الجبروتية. والله أعلم.

ثمّ إنّ لام ال الشمسية أدغمَتْ في الشمس واختفتْ للدّلالة على الاتّصال والذاتية. فكأنّ الخلق لا قيام لهم ولا وجود ما ثمّ إلاّ الألف.
وظهرَت اللامُ واستقلّتْ في القمر للدّلالة على الصفة لا الذاتية. فتميّزَت في القمر ألف الذات عن لام الأعيان العلمية. فتأمّل.



الاثنين، 16 نوفمبر 2015

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 79

كتب يوم : 02/11/2015

أردتُ أن أتكلّم عن القرين، عن حقيقة القرين، لا باعتباره جنّ أو شيطان يوسوس وحسب، بل حقيقة القرين بكونه جزءًا من ذاتنا، بكونه نفوسنا التي بين أجنابنا. وقد وقعَ في بالي أنّ القرين الذي لم نصنّفه إلى الآن تصنيفاً علميا ودينيا وحقيقياً، ويجهله أغلبُنا، ولا يعتبرونه سوى الشيطان الموسوس، أنّ هذا القرين هو لاوعينا. نعم العقل اللاواعي هو القرين. هكذا وقع في بالي، لعلمي أنّ القرين تحقيقاً هو النّفس، النّفس التي نسمّيها النّفس الأمّارة بالسوء. والنّفس التي تشتغلُ لحسابِها الشخصيّ وأناها مطلقاً. بصفة لاواعية. بصفة باطنية فينا وتلقائية.

وألقيتُ نظرة اطّلاعية وتفقّدية على معنى العقل الواعي واللاّواعي، لمزيد تحقيق معنى العقل الواعي واللاواعي. والنّظر في مطابقة ما توصّلتُ إليه، مع مفاهيم تلك الاصطلاحات النفسية. فوجدتُ تعاريفاً تخدُمُ فكرتي. وأنّ العقل اللّاواعي فينا هو عينُ ما يُسمّى القرين. قد ينقدُ هذا التعريف المتديّنون السطحيون وعلماؤهم الذين انتشروا في زماننا. رغم كون زماننا هو زمان المعلوماتية والعمق والفكر والنّضج العقليّ زمان العلم، إلاّ عندنا نحنُ العرب للأسف، فالزمان هو زمان السطحية والتعتيم والصنمية. وخصوصاً تديّننا المشاع في أغلب دوائره البعيدة عن المحققين والعلماء العاملين. الذين هم أصلاً مفقودون في البوصلة العامّة، مفقودون من حيث علاماتهم وصفاتهم. ولا عجب !! .. ورغمَ أنّ القرين عند أهل التحقيق والتربية هو النّفس والأنا، ولذلك كان طريق الأحسان هو طريق الفناء عن النّفس. لأنّك لا تشهدُ الحقيقة بمنظار الحقيقة العليا إلاّ بتخلّي الوهم الذي يغشاك، وهذا الوهمُ هو وهمُ وجودك، واعتبار نفسك قائمةً بنفسها وذاتها، وهي يقيناً قائمةً بغيرها، قائمةً بخالقها الذي جعلها على صورته، ليحصُلَ لها العرفان والرجوع إلى الأصل إذا اخترقتْ حجاب الوهم. وذلك واردٌ في الحديث الصحيح المشهور لمّا قال سيدنا جبريل عليه السلام "الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك". فقال فإن لم تكن، فإنّك ستراه. أي إذا فنيتَ عن نفسك ولم تكن ستراه سبحانه، وترى الحقيقة العليا، ويزولُ الوهمُ عنك. وأكبرُ وهمٍ هو نفوسنا وإثبات وجودنا مع وجوده سبحانه.
 
فالخلاصة ليس القرين سوى نفوسنا التي بين أجنابنا، أو بالتحقيق هو اللّاوعي فينا، العقل اللاّواعي المهمل، الذي يقتاتُ من التراكمات النفسية والسلوكية والانطباعات السابقة والمشاعر المخزّنة ومجمل ما تلقّاهُ ويتلقّاهُ من الواقع، خصوصاً منها طفولتنا.

 العقل اللاواعي عبارة عن كمبيوتر ضخم جدا، وله قدرات ضخمة، يصدّرُ لنا بلا توقّف، آلاف الصور والخيارات والانطباعات والخواطر من صنعه هو، صنعَها صنعاً ذاتياً وفقاً لما يملكُه من تراكمات وسلوكيات مخزّنة ومشاعر وذاكرة وانطباعات، فيصنعُها بصورته المجملة التي هو عليها، أي بما هو عليه الآن، أي أنّه عقل عظيمٌ جدا (هذا العقل اللاواعي) يفوقُ قدرة العقل الواعي في ضخّ المعلومات والتحكّم فيك، وقد اكتشفَ العلماء أنّ سرعة تدفّق معلومات العقل الواعي ومعالجته لها هي 40 بت في الثانية، وأمّا العقل اللاواعي فوجدوا أنّ سرعته 40 مليون بت في الثانية، فالفرق في سرعتهما مليون مرة، العقل اللاواعي سرعته أكبر من العقل الواعي مليون مرة. هذا ما اكتشفه العلماء مؤخّراً. فتخيّل معي، أيّ وحشٍ نصنعُ بداخلنا ونحنُ غافلون عنه، لا يستجيبُ للعقل الواعي، ولا ندركُهُ نحن، فهو عقلٌ باطنٌ فينا، يتشكّلُ من الترسّبات والتراكمات السّابقة، ويشكّلُ خصوصيته وعقله الخاصّ به وبرنامج اشتغاله وفق تلك التراكمات والانطباعات والترسّبات السلوكية والشعورية والتخيّلية السابقة، منفصِلاً تماماً عن عقلنا الواعي وعن وعينا وحريّتنا. وهو الذي يُديرُ قراراتنا ويديرُ مشاعرنا وسلوكنا ويشكّلُ الجانب الأكبر أو الحقيقيّ، أو الواقعيّ، أو العميق من شخصيتنا، مهما اعتقدنا أنّنا غير تلك الشخصية المخفية فينا. إنّه قريننا الذي صنعناهُ بأنفسنا، أو صنعته الأيامُ فينا، وبيده لوحة التحكّم والقرارات والسلوكيات في شخصيتنا. والاختيارات والقرارات التي نتّخذها في موقف ما وجدَ العلماء أنّ العقل اللّاواعي يتّخذها قبل وصولها لوعينا وإدراكنا، بـ 7 ثواني.
إنّهُ يشتغلُ لحسابه الخاص، أو برنامجه لا يأخذُ قراراته من عقلك الواعي، بل يستمدّ استقلاليته من جملة ما ترسّب فيه وتراكم معه من سلوكيات وانطباعات ومشاعر وخيالات. .. ولكنّه قابلٌ للاختراق بالإيحاء والتدريب والتعوّد والتكرار. لأنّك حينها، سوف تلقنّه عبر ترسّبات جديدة، وتلقينات جديدة، لكنّها تحتاجُ إلى قوّة التعوّد والتكرار، لجعل الجديد مألوف وعادي وتلقائي وعفوي، وبذلك يمحي المألوفات السابقة والترسّبات السابقة، وهكذا.

 

قد يعتقدُ البعض كلامنا عن العقل الواعي واللاواعي وتصنيف القرين أنّه العقل اللاواعي يعتبر شطحةً أو تخليطاً في المفاهيم. كلاّ .. القرين هو نفسك، هو جزؤك الغير المتحقّق بالإسلام لله تعالى. جزؤك المنحرف عن الفطرة والمفاهيم السويّة والإسلام النقيّ، سواء سلوكاً أو مشاعراً وأحاسيساً أو أفكاراً وانطباعات وخواطر. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ) الصحيحين. فالمولود يولد على الفطرة نقيّاً، جديداً، عقله اللاواعي نظيف من التحويرات والتعديلات. ثمّ تبدأ رحلة الإنسان ليتلقّى من بيئته وأسرته بحواسه الخمس ما يركّبُ ويشكّلُ فيه العقل اللاواعي، تراكمات وترسّبات وانطباعات وسلوكيات وأخلاق وانحرافات وممارسات ومعاملات مختلفة تترى عليه يومياً يتلقّاها، يتغذى منها عقله الواعي واللاواعي على السواء. عقله الواعي هو العقل المنطقي الحسابي البديهي المراقب، ويتشكّلُ من التربية والاحتكاك والتعليم والمخالطة، تتشكّلُ قوّته ومدى اتساعه وفعاليته، العقل الواعي عقل واقعي منطقي تحليلي تعاقبي. والعقل اللاواعي هو العقل الباطن الذي يشتغلُ بالتراكمات والسلوكيات والانطباعات والمشاعر والعواطف المخزّنة مع الأيام. خصوصا السنوات الأولى لأنّها تعتبرُ قاعدته التي يبني عليها ما يأتي بعدها من تراكمات وانطباعات غالباً. فهو عقل معقّد مركبٌّ خياليّ لا يعتمِدُ على المنطق والبداهة والمعقول بقدرِ ما يعتمدُ على مجمل ما خزّنه من أفكار ومشاعر وخواطر وسلوك وعواطف وصدمات ومنعرجات شعورية ومحطّات سلوكية هامّة شكّلتْ جوهره، وشكّلت حقيقته وطريقة فعله وردّات فعله. وهو الذي يشكّلُ فينا الشخصية العميقة والحقيقية. لأنّه يمثّلُ أكثر من تسعين بالمائة من معاملاتنا وقراراتنا وأفعالنا وردّات فعلنا.
وعليه نفهمُ لماذا، كانت وسيلة إبليس والدجال لغزو النّاس هو قنوات الاتّصال الصورية والمرئية والصوتية، ومدى رسوخ تعليماتهم في الأجيال التي نشأت على هذه القنوات، نشوءاً كبيراً نافذا نفوذا عظيماً. فكمّ التعليمات والانحرافات والسلوكيات التي غزتنا عبر الأفلام والمسلسلات والقنوات الاعلامية والاخبار ثمّ الأنترنت وكذا الصّحف والمقالات والثقافات المنتشرة المدجّلة و المفخّخة بالتدجيل والشيطنة والانحراف. صنع بها هذا العدوّ الخبير بالإنسان، وكينونته، وقدرته على رؤية دواخلنا بوضوح، وقراءة أفكارنا والتجسّس علينا، وتلقين العقل اللاواعي فينا، ومخاطبته بطريقة خبيرة ذكية، فصنعَ من الأجيال ما يريدُه من قابلياتٍ، لتمرير خططه وبرامجه مرحلة بعد مرحلة، طبقة فوق طبقة. ويرى نتائج أعماله من خلال مشاهدة عقولنا اللاواعية ومدى تفاعلها في الواقع.
في حينٍ كان المسلمون في أكبرِ الغفلات والجهالات بهذه الصناعات النّفسية، والتحصين السّلوكي العميق، والغفلة عن بناء شخصيات سويّة رصينة متينة البناء والسلوك، سليمة الفكر والفلسفة الحياتية.
في ظلّ تلك الغفلة مرّرَ العدوّ مخطّطاته، وبرمجَ ما برمج في الأجيال، حتى أنشأ أجيالاً على مراده، عقلها اللاواعي قابلٌ لمخطاطاته وبرامجه ومراداته. فاخترقنا اختراقاً عظيماً، ودمّرنا من الداخل. نحثُّ العقول الواعية في الأجيال، نذكّرُها لكنّها لا تستجيب، فعقولها اللاواعية مشكّلة لتستجيبَ لما تراكمَ عندها وترسّب فيها وما تشكّلت به.
طبعاً المسألة أخذت عقوداً وعشرات السّنين حتّى تمّ لهذا العدوّ ما يريدُ، وهي هذه التنشئة العرجاء لأجيال المسلمين والعرب خصوصا. والآن التدمير ذاتيّ وعن بُعد، والاختراق سهلٌ، بتحريك بعض الخيوط فقط، يحرّك ما يريدُه في الشعوب والأجيال، وينشئ من هذه الأجيال بحسبِ أطيافها، ما يريدُ. تشويهاتٌ في كلّ صنف وطيف. ما من فرقة إلاّ وشكّلَ فيها ثغراتٍ وانحرافات ضخمة، فضلاً عن التعتيم عن المفاهيم السليمة وتدجيل أغلب المفاهيم، فضلاً عن تدجيل العناوين الكبيرة والتعتيم عليها.

إنّ ما نعانيه اليوم من انحرافات، لهو أعظمُ من الجاهلية القديمة، كانت قديماً الجاهلية صنماً واحداً، وإن كان صنماً فاصلاً بين الكفر والإيمان، لكنّه فاصلٌ كذلك بين قبول برنامج الإيمان ورفضه، فاصلٌ واحد في أغلب الأحيان والنماذج عهدَ النبي صلّى الله عليه وسلّم. بيدَ أنّنا اليوم نعاني جاهليةً بها ما لا يعدّ من الأصنام، ليست صنمَ الكفر والإيمان في غالب الأحوال، ولكنّها أصنامٌ كثيرةٌ لا تعدّ، في المفاهيم والسلوكيات والخواطر والأفكار والأخلاق .. أصنام معقدّة مركّبة. فكيف السّبيل إلى تكسير تلك الأصنام ؟
كان في العهد السّابق يكسِرُ النبيّ عليه صلاة الله وسلامه أو الدّاعي صنماً فاصِلاً حاسماً واحداً، ليُلغي مشروع الشيطان، وهو الكفر، فيقبلُ الرّجلُ على برنامج الإيمان يتخلّله في أعماقه ويسري في وجدانه وحياته، ويغدو مؤمنا نقياً طيّباً في غالب الأحيان. ولذلك كان جيلُ الصحابة متفرّداً، فهو جيلٌ على الفطرة، كانت جاهليته غالباً في صنم الكفر والشرك بالله تعالى، وبعض الأصنام القليلة في بعض المعاملات والمفاهيم. ولكنّ الفطرة نقيّة والشخصية سويّة عموماً، خامٌ طريٌّ. مع وجودِ معلّمٍ عظيمٍ، هو منبعُ النّور، ومصدرُ الورد والمدد، فكان برنامج الإيمان ينفذ نفوذا عظيماً، ويعودُ الرجل منهم والشخص منهم إلى برنامج الإيمان الصحيح، وتتشكّلُ شخصيته، ويتصحّحُ ما بعقله اللاواعي الذي لم يكن يحمِلُ الكثير والعديد من الانحرافات والعُقَد السلوكية والفكرية والوهمية. بخلافنا نحن وفي زماننا، فقد تربّتِ الأجيال ونشأت تقتاتُ على إرسالات الشيطان والدجّال عبر تلك القنوات الإعلامية والأثيرية، مرئية وصوتية وكتابية وصحفية، كلّها تحمِلُ الكثير من الثغرات المدروسة، والكثير من الفيروسات المدسوسة التي هي مقصودة لتشكيل العقل اللاواعي في النّاس، بقدرِ توجّه كلّ طيف منهم وكلّ صنفٍ منهم إلى تخصّصه أو ميوله أو فرعه الذي يميلُ إليه، في كلّ ميلٍ وتخصّص وفرع وطيف وصنف هناك واجهات مدسوسة لدسّ التدجيل والانحرافات والثغرات السلوكية والفكرية والشعورية، مع التكثيف العظيم الذي اكتسح أغلب البيوت والأفراد، وبالأبعاد الكاملة مرئية وصوتية وكتابية وفكرية وتعليمية ومجتمعية .. فهناك وصلنا إلى ذروة التدجيل والتعتيم. وصارت جاهليتنا أضعاف أضعاف أضعاف بما لا يُقاسُ بالجاهلية الأولى، في مدى الانحراف الشخصي والسلوكي والفكري والشعوريّ والمعاملاتي .. وإن كان العنوان مختلفا. وإن كان الظاهر هو الإسلام. ولكن أيّ إسلامٍ هذا الذي يقبلُ ما نعيشُه اليوم، وما تعيشُه أجيالنا، إلى درجة بيع الدين بعرض من الدّنيا قليل ؟؟!! .. بل صناعة أجيال الوَهَن، تكره الموت وتحبّ الدّنيا، ومستعدّة للتنازل عن دينها بشيءٍ من الرّهبة أو شيءٍ من الرّغبة. لقد حدّد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم داء آخر الزمان في أمّته في الحديث الصحيح عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا». فقال قائل: ومِن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟! قال: «بَلْ أَنتُمْ يَومَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ المَهَابَةَ مِنكُمْ، وَلَيَقذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ». فقال قائل: يا رسول الله! وما الوَهَن؟ قال: «حُبُّ الدُّنيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوتِ».
حبّ الدنيا وكراهية الموت، هذه هي خلاصة غزو ومخططات إبليس والدجال وأجنادهما على الأمّة المسلمة، عقول لاواعية منحرفة عن الفطرة، مدجّلة .. فضلاً عن العقول الواعية المنحرفة المغالطة.
إنّك تُعلنُ ولاءك لله تعالى، وترغبُ في التوبة .. فتجدُ أمامك نفساً مشوّهةً تشويهاً عظيماً، أصناماً كبرى وعديدة وغير محدودة، يجبُ عليك إزالتُها، وتسويتها، بعضها يبدو لك، وأغلبُها مخفيّ عنك في عقلك اللاواعي، في شخصيتك العميقة التي شكّلتها التراكمات والترسّبات عبر الأيام والسنوات وعبر المجتمع حولك والناس الذين أغلبهم شخصيات غير سويّة، مادية، مجالاتها بعيدة عن مجالات الروح والتزكية والصحة النفسية والعقلية .. مع ركاماتك الشخصية من العواطف والانفعالات والصدمات والانحرافات والانطباعات والسلوكيات والأمزجة المتراكم بعضها فوق بعض، المركّبة تركيباً معقّداً فيك. وفوق ذلك أنتَ لا تملِكُ العلمَ أنّ حقيقتك وشخصيتك معجونة بتلك الانحرافات والتراكمات مع السنوات، بل أغلبُ المتديّنين، يصحو على تديّنٍ ظاهرٍ، ويتماشى مع جوّ عامٍ ساحبٍ يسحبه، إلى بيئة جديدة من الصحبة والتديّن الجماعي أحيانا مسيّساً وأحيانا غير مسيّس، لكنّه تديّن يقومُ على الظاهر والمظاهر، ويحسِبُ العبدُ أنّه صار من المتّقين والطائعين والشخصيات السوية. أغلب التديّن عنوانه ظاهر ومظاهر فقط، ويلغي العمق والتزكية النفسية. فضلاً عن التديّن المشهور بزماننا يُحارِبُ السّلوك وركن السّلوك، وركن الروحانيات، ويقومُ فقط على الظاهر والمظاهر ؟؟!!! .. عجيب. ويغفلُ عن تلك الهوّة السّحيقة والركامات العظيمة والترسّبات العميقة في كيانه ووجدانه وشخصيته، وعقله اللاواعي غير ظاهرة له. متماشياُ فقط مع الجوّ العام الجديد والبيئة التي انتمى إليها مؤخراً، فصار يحسبُ نفسه قد استوى وصحّ وسلم قلبُه. فضلاً عن كونِ التديّن المشهور اليوم لا يزيدُ العبدَ إلاّ انتكاساً، في المعاملات والجفاء الروحيّ والانشغال ربّما بالسياسة على حساب تزكية النّفس، أو بالجانب الظاهري وإقامة الحياة على نمط ظاهر شنيع، يعطّلُ العقل والحرية الشخصية ويحاربُ الحيوية الإنسانية مع جفاءٍ وبُعدٍ عن الرّوح مع معاداة أهل الحقّ وأهل الرّوح، وهو الذي يعني معاداة الحق والرّوح ؟ فماذا يمكننا أن نتوقّع من هذه المعضلة المقفلة، وهذه المتاهة والدوّامة، التي لا تدري أيّ جاهليتها أخفّ ضرراً ؟ أن يبقى المرء في ماديته وحياته غافلاً لاهياً ؟ أم ينوي التوبة والقرب من الله فيتديّنُ فيزيدُ انتكاسه وتزيدُ جاهليته تعقيدا وتركيباً ؟ وفي الأخير .. فهي كما ذكرنا تفخيخات في كلّ جانب تقريباً مقصودة.


يتبع ..



هنا شريط وثائقيّ مختصر رائع (8 دقائق و9 ثواني) ، وجدته على اليوتيوب يشرح باختصار دور العقل اللاواعي فينا ويحدّد كذلك أنّه القرين ..

https://www.youtube.com/watch?v=fIXdTQYd_Wo

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 78

كتب يوم : 13/11/2015




في الكون جمال محيّر، أنا أتحدّثُ عن جمال الإنسان، فهذا ما نشهدُه في السعة والإبداع والألوان والتنوّع، وما زال الإنسان يبدعُ في كلّ مجالِ يتجدّد، ويجدّد في كلّ مجال، وما زالت تتوالد العلوم والفنون والمجالات. فالإنسان محطّة مركزية لشهود إبداع الخالق سبحانه، كلّ ذلك التجدّد والتنوّع والجمال الجاري على أفراد الخلق والنّاس، ليست سوى مسرح جميل قدرته وبديع صنعه وجماله سبحانه المعجز المحيّر.

وبمناسبة الحديث عن الجمال فإنّ هذه الموسيقى الصوت الطبيعي الصّادر من أوتار مصنوعة ومعازف مبدعة كيف حرّمها من حرّمها وهي مسرحٌ من مسارح الجمال الصّوتي العظيم ؟ بل حرّمها أهل الرّسوخ عند اقترانها بالفسوق ومظاهره. وإنّه من يقتل ويفسد في الأرض باسم الكتاب والسنّة فهو أقبحُ عند الله تعالى ممّن يفسق في أوكار الغناء والمعازف. فهل يُحرّمُ اتباع الكتاب والسّنة ؟ بل يُحرّمُ الفهم المنحرف والمذهب المعوجّ.

ومن الحُمْق أن يَنسبَ الإنسانُ لنفسه شيئاً، وهو مخلوقٌ من العدم، فمتى كان لك شيءٌ ؟ إنّما الله خلق سبحانه ما خلقَ من أعمالٍ وإبداعاتٍ وأجراها ونسبها لخلقه، وليست سوى شواهِدٍ على كماله وجماله وقدرته وبديع صنعه، ومن أجلِ ذلك بعث الله الرّسل إلى النّاس أن يشهدوا في النّعم التي لا تُحصى المُنعمَ سبحانه، ويوحّدوه ولا يكفروه، ولا يشركوا به، وكيف يشركون به أو يكفروا به وهم والعدمُ سواء ؟
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " كان الله ولم يكن شيء معه" وفي رواية "ولم يكن شيء غيره"، وفي رواية "ولم يكن شيء قبله". كلّها روايات صحيحة. 

وهذا الحديث الشريف وحده يقيمُ الأدلّة على وحدانيته سبحانه، وعلى عدمية ما سواه، كان وحده سبحانه فخلق المكان، فالمكان مخلوق وموجود، وهذا يعطينا تنزّهه سبحانه عن المكان ولا شكّ، فقد كان سبحانه قبل المكان. وخلق الزّمان، وهذا يعطينا تنزّهه عن الزمان سبحانه ولا شكّ، فقد كان سبحانه وحده فخلق الزمان كما خلق المكان فالزمان مخلوق مثله مثل المكان. وأوجدَ الأشياء والمخلوقات والكائنات، فأين كانت قبل وجودها؟ كانت في العدم. فهي مخلوقة من العدم، ومن كان العدمُ قبله فهو قائمٌ بغيره، وسيظلّ قائماً بغيره، فتلك حقيقته لأنّه موجود من العدم. وهو كذلك أقربُ للوهم، بل هو عينُ الوهم، وكيف لا يكون وهماً إذا كان هذا الموجود وهذا المخلوق قائماً في حيّز مكانيّ وزمانيّ مخلوقين من العدم ؟ فهما حيّزان معدومان وهميان. وبالتالي فكلّ ما فيهما وهميّ.
كلّ موجودٍ من عدم فهو قائمٌ في حيّز اعتباريّ يُسمّى وجود، فالعدم حيّز اعتباريّ، نشأ ليدلّ على عدمية المعدومات وعدم وجودها، وبالتّالي الذي يقابلِهُ إذا صدرَ عنه ولا شكّ هو وجود اعتباريّ، فكلّ ناشئٍ من العدم فوجوده اعتباريّ وهميّ وليس حقيقيّ. فهل وُجِدت هذه الموجودات وزاحمت وجود الله سبحانه ؟ تعالى الله عن ذلك. بل وجوده سبحانه قائمٌ بذاته منزّه عن كلّ شيءٍ، منزّه عن المكان والزّمان والمقاييس التي نشأت عنهما. 


فالأينُ والمتى والكيف كلّها مقاييس وضوابط تعلّقت بالأشياء بعد وجودها من العدم. في حيّز المكان والزمان. والله سبحانه ليس كمثله شيء قال الله تعالى "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير". فالأشياء كلّها والموجودات تنزّه عنها سبحانه وعن مماثلتها وعن مقاييسها. وهنا وقفَ العقلُ عاجزاً عن إدراك الله وذاته، فالعقلُ مسرحه الموجودات. لا ذات الخالق البارئ سبحانه. فوقف هذا العقلُ ببديهياته وأبجدياته وأساسياته عند حدود التنزيه، فنزّه الخالق سبحانه وأعلن العجز عمّا هو فوق ذلك.
والوجودُ الأحديّ هو لله سبحانه، وهذا الوجود الأحديّ ما تولّد منه وجودٌ يُزاحمه في طبيعة الوجود، فسبحانه لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤاً أحدٌ. فأحديّته سبحانه ثابتة بينما أحديات الغيرِ وهمية، وأحدية وجوده ثابتة ومنزّهة عن سائر الموجودات، فلم يلد وجوده وجوداً غيره، ولم يولد سبحانه من وجود غيره. فما موجودٌ قائمٌ بذاته وحقيقيّ سواه. كذا حكمت السورة الصّريحة ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ).
وهو صمد سبحانه صمدت إليه الموجودات والمخلوقات والكائنات جميعها، وهو الحيّ القيوم قامت الأشياء بقيوميته، واستمدّت حياتها من حياته. فقد صارتِ الأشياءُ والموجودات ليست سوى أصداءِ تجليّاته وآثارٍ أسمائه وصفاته كالظّلال. وضرب الله لنا الأمثال. وما زالت تتغيّرُ أعراضُها بتغيّر أحوالها وانفعالها بتجلّي الأسماء عليها. والأسماءُ ترجِعُ لمسمّاها سبحانه الواحد الأحد. ومن هنا قال الله تعالى ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. فما من شيءٍ إلاّ وخلفه وجه الله سبحانه، فهو ظلٌّ وطيفٌ وأثرٌ لتجليّات أسمائه وصفاته سبحانه. فجميعُ هذه المخلوقات والمشهودات وجودُها وهميّ اعتباريّ وحسب. غيرُ قائم بذاته.


وإذا كانت حقائق المخلوقات وهمية فكيف يصحّ أن تنسبَ لنفسها شيئاً من عملٍ أو إبداع أو تفكير أو نعمة أو إيجاد ؟؟؟ بل قيامها وحياتها ووجودها وإبداعها وأعمالها وكلّ شيءٍ متعلّق بها قائمٌ بموجدها وخالقها. قياماً ذاتياً كليّاً، فهي وهمٌ، وهي موجودة اعتبارياً في قفص الخلقية. أوهامٌ تترى بعضها فوق بعض، كذلك خلق الأكوان والوجود والحياة سبحانه، وجعلها مسرح جماله وصفاته وتجليّاته وصنعته. وجعل الإنسان خليفةً في هذه الأكوان والمخلوقات، وجعله آخر مخلوق في عالم الكثافة والإيجاد، وأوّل مخلوقٍ في عالم اللّطافة والسرّ. فالإنسانُ مختصر العالم. وجعله بذلك على صورة الخالق سبحانه، ليعودَ إلى نقطة الانفلاق، ومركز الإشعاع والتدفّق، فيشهد بالله سبحانه تلك البدائع والخلائق والأكوان من صنع الله سبحانه ويوحّده ويفرّده في مسارح التفريد والتوحيد. وجعل الحقائق أزواجاً، كما جعل الخلائق أزواجاً، كذا اقتضتِ حقيقة الانشطار والخلقية، فالخلقية صورة التجليّات، وآثار الأسماء المقدّسة. فالأثرُ يتبعُ المؤثّر، والإسمُ يتبعُ المسمّى، والصفة اقتضتِ محلاّ لجريان أثرها. فما ظهرَ اسمُهُ الخالق لولا مخلوقات، وما ظهر اسمه الرزّاق لولا المرزوقين، وما ظهر اسمه النافع لولا منتفعين، ولا ضاراً ولا محيياً ولا مميتاً، ولا مصوّراً ولا موجداً لولا محلاًّ لهذه الأسماء والصفات يتجلّى فيه أثرها، فظهور أسماء الله وصفاته كان مسرحهُ الخلقُ. فتشكّلتِ النّسب، بحقيقة الزوجية، وظهرَ السّفلُ والعلوّ، والكمال والنّقص، والعدم والوجود، والضعف والقوّة، ..الخ. فكانت الزوجية قائمةً على ثنائية الفعل والانفعال، كما قامتِ الحياة ونشأتِ ابتداءً وانتهاءً على هذه الثنائية فعل وانفعال، مؤثّر وأثر، حقّ وخلق. وكانتِ ثنائية الروح والجسم هي ثنائية العلوّ والسّفل، ثنائية الكمال والنّقص وهي ثنائية الحقيقة والوهم. فالسرّ بدأ بنفخة الرّوح الإلهي، والجسم انتهى باحتواء الموجودات على اختلافها في العالم، فركنَ الجسمُ بكثافته إلى الموجودات الحسيّة وإلى الوجود الوهميّ الفاني وركنتِ الرّوح إلى حقيقتها ونافخها سبحانه. فدارت رحى صراع النّفس الإنسانية بين الرّوح واللّطافة والجسم والكثافة، وما دارتِ هذه الحربُ إلاّ لمّا صادرتِ النّفس باعتبارها نفساً جزئية ناقصة ركونها للجسم ومتطلّباته ورغباته، صادرتِ المدارك والفهوم والمشاعر والأحاسيس لنفسها، وعلّقتها بها وأغفلت أن تًعلّقَ النّعم والمدارك والمشاعر والأحاسيس بخالقها وحقيقتها الأصلية التي منها جاءت، وشهود المنعم سبحانه، فأشركتْ وصادرت مشاعر التعظيم والتمجيد والحبّ والتعلّق والتقرّب والطاعة التي أشرقتْ في القلبِ بسببِ نزول الرّوح فيه، صادرت النّفس ذلك لنفسها وحوّلتِ وجهة تلك المشاعر والأحاسيس القلبية من أصلِها التي كانت متوجّهة إليه وهو المنعم الموجد الخالق سبحانه، حوّلتها لنفسها ولمتعلقاتِها ورغباتها وكفرتِ المنعم سبحانه، وصادرت المدارك والمفاهيم والفكر التي أشرقتْ في العقل لمّا نزل الرّوح فيها، فهي متوجّهة أوّلا وأصلاً للأصل سبحانه والمنعم، فكفرته وأشركت به ووجّهتها لنفسها ومتطلّباتها ومصالحها كذا قال بعض الصالحين يشرحُ مصادرة النّفس الترابية لحقيقة المشاعر والمدارك لنفسها بدل أن ترجعها للأصل. ومن هنا نشأ الصّراع الإنساني، ونشأ الخير والشرّ في الإنسان، والحقّ والباطل في حياته، فكانتِ النّفسُ بركونها للدّنيا ورغباتها ومتطلّباتها هو ركونٌ للجانب المظلم البعيد عن نقطة النّور ونقطة الشهود ونقطة التوحيد لله سبحانه، وإرجاع الأشياء والحقائق لأصلها، وكانت النّفس بركونها للرّوح وأنوارها وعرفانها وأسرارها هو ركونٌ لله سبحانه الخالق المنعم وشهوده وحده لا شريك له أنّه الموجد والموجود والقائم بذاته وما سواه قائم به. 

ولذلك قال سيدنا جبريل عليه السلام لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك)). في شرح الإحسان أن يعبد العبدُ الله على طريقة الفناء محاولاً شهود الله سبحانه في كلّ شيءٍ من غير أن يغيب عنه (كأنّك تراه)، فإذا فنى عن نفسه (فإن لم تكن) رآهُ سبحانه في الأشياء رؤية عين وحقّ يقين، ورأى بعين اليقين أنّ الأشياء قائمة به سبحانه، فهو بذلك رجع لأصله رجع للرّوح العارفة بالله الشاهدة له، فالفناء عن النّفس يعني الفناء عن ذلك الوجود الجزئيّ الترابيّ والماديّ المتعلّق بالمادة والتراب ومتطلّبات الجسد وشهواته ورغباته، فهو لم يكن ولم يعد وفنى عن نفسه، فإن لم تكن : تراه، فستراه. لأنّك حينها ترى الله بالله سبحانه، كما رأى سيّد الخلق سيّدنا محمد ربّه عند عروجه لسدرة المنتهى صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه. وعلى قدمه صلى الله عليه وسلم يسيرُ الورثة والمتحقّقون. قال الله تعالى ((قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)) آل عمران-31 . وطريقُ الحبيّة من الله تنتهي بذلك الفناء والبقاء به سبحانه جاء في الحديث القدسيّ الصحيح ((فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعـطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه)).



الثلاثاء، 20 أكتوبر 2015

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 77




تُعرَفُ الأشياء بأضدادها..
لو أنّ النّاسَ عرفوا قائمة أولويات إبليس والدجال وأجنادهما لعرفوا الحقّ مباشرةً.

إبليس والدجال حربهما الكبرى على الخليفة المجذوب، وعلى حمَلَةِ الإسم الأعظم أهل الله.

وذلك عبر هذه العولمة والهيمنة الكبرى، والتدجيل الرّهيب الذي يبسطُ سلطانه في الأرض كسرطان خبيث في جسم إنسان. وكلّ تحرّكات بيادقهما الشطرنجية فهي من أجل صناعة الأجواء التي تمكّنهما من النّيل من أهل الحقّ. ثمّ لضمان - وهو الأولى والأهمّ - قطع الطريق على المجذوب. ولو امتنعت الأجواء من التوفّر، بالوسائل المتوفرة والأسباب العادية، فالفوضى من أهمّ وأكبرِ وسائلهما لتحقيق أهدافهما.

حرب إبليس والدجال حربٌ على النّور ونقاطه ومنابعه في الأرض، وتعميم الظلمة فيها،  وما يحدثُ في الأرض اليوم ممّا هو من تخطيطهما فهو من أجلِ الانتصار على المجذوب الخليفة. وبذاتِ الوقت محاولة قطع السلاسل التربوية الباقية التي تحملُ مشعل الخلافة. خلافة الله سبحانه.

حربُ إبليس والدجال على الخلافة في الأرض، وذلك عنوانٌ واضحٌ في القرآن الكريم، وبه بدأ الصّراع بين الشيطان والإنسان، وهو حقيقة وواقع كذلك في الأرض، إبليس الحاسد الغرور والدجال الحاقد المغرور يحاربان الله سبحانه، بجهلٍ منهما، يحاربان الله في عالم الخلافة الأرضية. وإلاّ لما تجرّءا مطلقاً. وحربهما قامت بجهلٍ منهما وعدم فهمٍ عن الله سبحانه. وإلاّ لو فهِمَ إبليس حقيقة الخلافة وسرّها، لما قامتْ له أسبابٌ منطقية لهذه الحرب، وهذا التمرّد الأرعن الأحمق. ومعه حليفه الدجّال السّامريّ اليهوديّ الأعور، الذي وهبه الله آياتٍ وامتيازاتٍ فنكب على عقبيه وتردّى، وانسلخ منها. فإبليس والدجال يقيسانِ الأمور بعالم المادة والأكوان، وعالم الأسباب والزمان والمكان، وهذا منتهى الجهل والحمق في عالم الحقائق، وفي منطق العقل الرّصين، ووفق المبادئ الثابتة التي لا تتزحزح. وإنّما اقتضتِ الحقائق ذلك، أي اقتضت جهلهما وتمرّدهما، ليقوما بدورِ الحجاب على الله تعالى، والحائل الذي يحولُ بين الصّادقين وغيرهم في طلبِ وجه الله سبحانه، ليقوما بدورِ الظلمة ودورِ المادة والتراب، ودورِ الآدمية المنسلخة عن الرّوح، فهي أضلّ حينذاك وأسفل من البهيمية، فهي أقصى درجات الظلمة والبهيمية والأخلاق المترديّة التي تقدّس الأنا النّفسية القاصرة، وتتخذ في سبيل إثبات تلك الأنا جميع الوسائل المتاحة وجميع القدرة الممكنة. وتلك هي حكمة الله سبحانه، وذلك هو وسعهما، وكذلك فهو الإمهال من الله سبحانه، والإمداد لهما بالقوّة والقدرة السببية والأجناد، والهيمنة والتخطيط الكبير المتوسّع .. أعماهما ذلك عن رؤية الحقيقة، فإذا كان حاكم على كرسيّ ببشريّته العادية ومقاييسه المحدودة المضبوطة بميزان لا يميل ولم يتبدّل عبر التاريخ، أثبتَ هذا الحاكم العليلُ بتلك الأنا المتجبّرة أنّه لا يتنازل عن حكمه ولو أدّى ذلك لإبادة شعبٍ بالكامل. فما بالك بما فتن به الله سبحانه إبليس والدجال ؟ وقد أعطاهما قدرات خارقة وتعمير طويل في الأرض، واستحواذ ظاهر ونفوذ عظيم ؟ فذلك هو مكر الله سبحانه .. ولا يأتي مكرُ الله سبحانه، إلاّ من الممكورِ به، أي بواسطته هو، ليمكرَ بنفسه من حيث يريدُ الله له ذلك. وهذا منتهى المكر والعظمة في التدبير منه سبحانه، فلا يزالُ الماكرُ المتمرّدُ يحفرُ قبره بيديه، ويقتربُ من نهايته وخاتمته برجليه، من حيث هو يسعى ويقتربُ من هدفه المنشود وطموحه المطلوب. حتى يجدَ الله عند محطّ شربه وهدفه الأخير، ولا يجدُ هناك إلاّ السّراب، ويدَ العزيز المهيمن المنتقم سبحانه، فلا يفلتُه الله سبحانه، وبئس المصير، والله خير الماكرين. { وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } [سورة الأنفال : آية 30].  { وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}.

كما هو فرعون، ما ربّى عدوّه الذي يطلبُهُ، والذي قنّن من أجله القوانين، وقتل وسفك وثار، ما ربّاهُ إلاّ في حجره وقصره، ليكبرَ عدوّه ويشتدّ عوده. ويهلكَ ويغرقَ، فما نفعه تدبيره ولا قوّته، ولا محاولته سبق القدر وتكييف الظروف والواقع. وكذلك يفعلُ الله بكلّ طاغٍ ماكر متمرّدٍ جهولٍ ظلومٍ .. فلا يَنالُ منه إلاّ من حيث سعيه هو وتدبيره بنفسه. وذلك منتهى الإعجاز منه سبحانه.

الدجال وإبليس وهيمنتهما الغير عادية في زماننا التي فاقت الخيال والتصوّر فيما مضى، ولا عقل بشريّ، في الماضي، كان يمكنُ أن يتخيّلَ هذه القدرة والهيمنة التي يحصّلها هؤلاء الدجاجلة والشياطين في الأرض اليوم، ومع ذلك، فالخوف الذي يتسلّطُ عليهما، ليس بأقلّ من الخوف من لاجئٍ مطاردٍ شريدٍ في الأرض يريدُ الفرار من أعدائه المتمكّنين. ذلك أنّ التهديد لا يزالُ قائماً وبقوّة، رغم التقدّم الحاصل في أجندتهما، تقدّم رهيب، ومع ذلك فالتهديد قائم، والعدوّ ما زالَ يأخذ المواقع التي يحاربانِ ويخطّطان من أجل منعه أن ينالها ويأخذها!!!!

ذلك أنّ العدوّ الحقيقيّ هو الله سبحانه، إنّهما في أعماق أعماقهما لا يركنانِ لليقين، ولا يقِرُّ لهما إيمانٌ ثابت، وكامل، مهما بلغتْ هيمنتهما وقوّتهما وكيدهما ومكرهما، والواقعُ يؤيّدُ ذلك، فهما برغم التقدّم كما ذكرنا، فالتهديد قائمٌ وقادم .. والعدوّ موجود.

الغريب أنّ تقدّمهما لا يزيدُ إلاّ من نيلِ المواقع التي يسعونَ لمنع هذا العدوّ عنها، فكأنّهما هما من يحرّكانِ خيوطَ عدوّهما نحو تمكينه، وهذا إعجازٌ عظيم من الله سبحانه.

وفي الحقائق فما الشيطان والدجال، سوى حجابٍ للعبدِ دون الله سبحانه، وتسليط منه على العبد، ليظهرَ معدنه الأصيل. فيتجاوز الاختبار وينتصر، أو ينتكس ويرجع القهقريّ، بحسب صدقه وهمّته في طلبِ وجه الله سبحانه. ولا بدّ أن يطوي العبدُ السّالكُ الجلالَ والجمالَ في أجلى تجليّاتهما، ليصلَ إلى كنه هذا الجلال والجمال، ويحظى بالمنبع والأصل، فتلك سنّة الله سبحانه في السّالكين هذا الدّرب العظيم. ومن مظاهر الجلال، إبليس والدجّال. وكونهما رأس الشرّ وأقصى هيمنته السّببية الأرضية، ذلك أنّ الزمان هو زمان الخليفة الخاتم.

إنّ ما نقوله ليس كلاماً يُلقى على عواهنه، بل هو الحقيقة والعنوان الأكبرُ للصّراع في الأرض. وإن شئتَ صدّقنا كلامنا بالحديث الصحيح الذي رواه الحاكم عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه :

روى الحاكم في مستدركه ( 4 / 596 برقم 8659 طبعة دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الأولى ، 1411 - 1990، بتحقيق مصطفى عبد القادر عطا ) : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا الحسن بن علي بن عفان العامري ثنا عمرو بن محمد العنقزي ثنا يونس بن أبي إسحاق أخبرني عمار الدهني عن أبي الطفيل عن محمد بن الحنفية قال : كنا عند علي رضي الله عنه فسأله رجل عن المهدي فقال علي رضي الله عنه : هيهات، ثم عقد بيده سبعا، فقال : ذاك يخرج في آخر الزمان، إذا قال الرجل الله الله قتل، فيجمع الله تعالى له قوما، قزع كقزع السحاب، يؤلف الله بين قلوبهم، لا يستوحشون إلى أحد، ولا يفرحون بأحد يدخل فيهم، على عدة أصحاب بدر، لم يسبقهم الأولون ولا يدركهم الآخرون، وعلى عدد أصحاب طالوت الذين جاوزا معه النهر. ) .

 قال أبو الطفيل : قال ابن الحنفية : ( أتريده ؟ قلت : نعم ، قال : إنه يخرج من بين هذين الخشبتين ، قلت : لا جرم و الله لا أريهما حتى أموت ، فمات بها يعني مكة حرسها الله تعالى )


 قال الحاكم :  (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)
ووافقه الذهبي في التلخيص ، فقال :  (على شرط البخاري ومسلم)  


الخلاصة هنا في الحديث الشريف قول الإمام علي عليه السلام  :
"ذاك يخرج في آخر الزمان إذا قال الرجل الله الله قُتِل". 

أصحاب الإسم الأعظم وحملته، هم صلةُ الأرضِ بالسماء، وصلةُ المادة بالرّوح، وصلة النّاسِ بربّهم، بقيّةُ الله في أرضه، هم هؤلاء الحملة الورثة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، الذين ليس لإبليس والدجال سلطان عليهم. وهم المؤهّلون لتوريث النّور للطالبين، وهم منابعُ النّور في الأرض. منهم المأذون لهم بالظهور والتربية، ومنهم الأخفياء الملامتية.

إبليس والدجال، متحالفان، الأوّل حاسد يريدُ أن يجعل البشرية كافرة جميعها، وعْدَه الذي توعدّه لمّا لم ينل الخلافة. وهو يعلمُ سرّ تلك الخلافة في الأرض، نقصِدُ أنّه يعلمُ تشريف الإنسان بنيله الخلافة الإلهية. لأنّهُ لم يرَ منها سوى الجانب الإطلاقي التشريفيّ ، وغفل عن الجانب العبوديّ التكليفيّ. فما حاكى في مسيرته ووجوده في الأرض سوى أناهُ المتربّبة، وأقامَ عرشاً على البحر، وجعل نظاماً لأتباعه، يشابه نظام السماء في الملائكة، يريدُ أن يعوّضَ على نفسه فَقْد الخلافة، فعوضّ ذلك بجعل عرشه على الماء!! إنّه يحاربُ الله سبحانه، ويزعمُ (إبليس) أنّه إله في الأرض وعرشه فوق الماء، وله أتباعٌ (شياطين) برتبهم الكثيرة المختلفة. نعم .. مثل مجانين العظمة تماماً. مع قدرة وعلم أهّله الله بهما، يقومَ بدورِ الخبير بالنّفس ورسول المادة والتراب. وسلطان الظلام والشرّ. الثاني بشرٌ، أو نصف بشرٍ هجينٍ، لخبرٍ يقولُ أنّ السامريّ نصفه بشر ونصفه جان، فصحّت له تلك القدرة الخارقة، مع اعتبارِ أنّ من رعاه في طفولته حينما كان يقتلُ فرعونُ أطفالَ بني إسرائيل، من رعاهُ هو سيدنا جبريل عليه السلام في كهفٍ، وذلك ليُجريَ الله عليه هذه الفتنة والدّور في الأرض. فهو استثنائيّ القدرات، ابتدأه الله بالعناية، فأبى إلاّ الكفرَ والتمرّد والجناية. فهو سامريّ النّفس، دجّال الأرض والبشرية. أمهله الله تعالى فقال له موسى عليه السلام :   {قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ}. سورة طه. فقال إن لك، ولم يقل إنّ عليك. فهي ميزة له وامتياز ليُجري الله على يديه تلك الفتنة الكبرى. 
واسمُه الحقيقي : موسى، مثل سيّدنا موسى عليه السلام، موسى عليه السلام رمز النّفس المسلمة المؤمنة بالله الصادقة الطاهرة، والسامريّ عليه خزي الله رمز النّفس الدجّالة الدنيّة المتعلّقة بكلّ هوى دونيّ ونفسيّ. وفي اسم موسى رمزٌ للنّفس.

وبعد كلّ تلك المساعي والحروب والفتن، وفي الأخير لا يصنعانِ إلاّ ظروف نهايتهما. طبعاً في بلاءٍ عظيمٍ تتجلّى فيه حقائق التجليّات، وعدلُ الحضرات. ويظهرُ في آخر الزّمان من الشرّ والظلم والتدجيل ما لا يظهرُ في غيره، وينتهي عهدُ الظلام والشرّ والتدجيل، وتتقدّسُ الأرضُ ويتجلّى فيها السلام والخير والبركة والرّحمة.

يُزالُ ويُبادُ الظالمون مراحلاً مراحلاً، فوجاً بعد فوجٍ حتى يكونُ آخرهم الدجال. ثمّ يليه ياجوج وماجوج، وهم (أي ياجوج وماجوج) من حقائق الإنسان حين تغلبه الخواطر النّفسية القرينية، في طريق سلوكه لربّ العالمين. فآخر الزّمان علاماته الكبرى علاماتٌ خارقة، غير اعتيادية، لأنّها ترسُمُ حقيقة الإنسان الكبرى ورحلته نحو الإسم الأعظم، وكان الأنموذج هنا هو الخليفة الخاتم، المهدي أصدقُ سالكٍ إلى الله تعالى. والله أعلى وأعلم.