الجمعة، 23 أغسطس 2013

حامل لواء الذات القائم بحقّ حمد الله المهدي 47




- 47 -


من قرأ مقالاتنا في هذا الباب عن حامل لواء الذات صاحب الإسم الأعظم من بدايتها وصبر عليها ، وفهم بعض ما أشرنا إليه ، إذا فاته الكثير يفهمُ على الأقلّ الكثير من مشاهد العلم ، العلم الذي دوّخَ السّالكين والعارفين والمسلمين وغيرهم ، علم الحقيقة، يفهمُ عنوان الحقيقة، وصاحبها. أمّا الحقيقة وعلمها فهذا بحرٌ لا نفاد له ولا ساحل، صفتهُ الإطلاق كما كان الله تعالى صفتُه الإطلاق، فمهما رأيتَ عارفاً أو عالماً بالله حتى من هؤلاء المقرّبين الذين حازوا مقام الخلافة الجامعة فعلمُهم إنّما هو بالله تعالى، بمعنى مهما فاضَ به من علمٍ وتأويلٍ فالله لديه المزيد في حيثية أو مسألة أو موقفٍ، فعلمُ الله لا ينتهي، وليس ذلك إلاّ لله سبحانه وليس ذلك إلاّ للخليفة إذ هو خليفة الله في أرضه، فهو ذاتُ الله تعالى في أرضه، ولهذا قال الله تعالى {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} (يوسف-76). فوق كلّ ذي علمٍ و كلّ ذي تحقيقٍ عليمٌ، فهذا فضلُ الله تعالى وأمدادُهُ لا تنتهي ومزيدُهُ لا يحدّ سبحانه وتعالى. ولهذا تميّزَ المهدي الخاتم بالعلم المطلق، فكان صاحب علم الكتاب الذي صفتُه الإطلاق، ولهذا قال سيّدنا المسيح عليه السلام (نحنُ علينا التنزيل والمهدي عليه التأويل) ذكرها الشيخ العارف بالله عبد الرزاق الكاشاني قدّس الله سرّه في تفسيره الإشاريّ التأويلات. أمّا النّص الأصليّ فقد ورد في الإنجيل ((ابن الإنسان ذاهب والبارقليط من بعده يجئ لكم بالأسرار ويفسر لكم كل شيء وهو يشهد لي كما شهدت له فإنّي أجيئكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل)) انتهى. والبارقليط أو الباركليس هو المهدي عليه السلام، ونظير هذا النّص في القرآن الكريم قوله تعالى {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} ﴿الرعد-43﴾.

ويقول الشيخ الاكبر قدس الله سره حول هذا الذي ذكرناه في العلم -في كتاب الفصوص- :
(...وليس هذا العلم إلّا لخاتم الرّسل وخاتم الأولياء ، وما يراه أحد من الأنبياء والرّسل إلّا من مشكاة الرسول الخاتم ، ولا يراه أحد من الأولياء إلّا من مشكاة الولي الخاتم ، حتى إنّ الرسل لا يرونه -متى رأوه - إلّا من مشكاة خاتم الأولياء ، فكيف من دونهم من الأولياء ؟ وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع ، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا اليه ، فإنّه من وجه يكون أنزل ومن وجه يكون أعلى. وقد ظهر ظاهر شرعنا ما يؤيّد فضل ما ذهب إليه فضل عمر في أسارى بدر بالحكم فيهم ، وفي تأبير النّخل. فما يلزم الكامل أن يكون له التقدّم في كلّ شيء وفي كلّ مرتبة، وإنّما نظر الرجال الى التقدّم في رتبة العلم بالله : هنالك مطلبهم . وأمّا حوادث الأكوان فلا تعلّق لخواطرهم بها ، فتحقق ما ذكرناه .) انتهى. فقِفْ على هذه الفقرة بالتدقيق، فقد قال الشيخ الأكبر أنّ حكم المهدي الخاتم بشريعة خير الخلق والرّسل صلى الله عليه وسلّم لا يجعلُه أدنى في الرّتبة والعلم، لأنّ الحقائق قامت على هذا النّحو، وقد ذكرنا ذلك في ثنايا المقالات، أنّ مقام البقاء وبرزخ الرّحمة هو مقامُ الخلق من حيث بقائهم بالله تعالى، فكان التشريعُ والحجابُ صادرٌ من هذا المقامِ وهو مقام خير خلق الله تعالى المبعوث رحمة للعالمين ورسول الله إليهم، وهو شفيعُ الخلق أجمعين في مقام الرّحمة والبقاء، إذ الدّنيا قامت على هذين الأساسين : لا إله إلاّ الله ، محمد رسول الله ، وجميعُ الخلق دخل في المقطع الثانيّ لهذه الشهادة أي دخلوا في شفاعة الرّسول وواسطته ومشكاته ليشهدوا حقيقة التوحيد : لا إله إلاّ الله. فلهذا جاء الشرعُ والنبوّة من هذا المقام مقام الشفاعة والقدوة والواسطة إلى الله تعالى، قال سبحانه {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه وَيَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ وَاَللَّه غَفُور رَحِيم} [آل عمران:31]. فكون الخاتم والخليفة جاء حاكماً بشرع خاتم الرّسل فهذا لا يعني أنّ الخاتم والخليفة دونه، فافهم، بل جاء الخاتم والخليفة للحكمِ بهذا الشرع وتفصيله وإقامة العدل المطلق به، فكان الدّاعي والمشرّع هو الرّسول وكان الحاكم والقائم بحكم هذا الشرع هو الخاتم الوليّ. فلمّا كان الخليفة هو صاحب الكتاب فقد كان الحاكم به صاحب التصريف والعدل والعقاب والجزاء والثواب. وكان علمُه مطلقاً. وكان الرّسول صلى الله عليه وسلّم القارئُ لهذا الكتاب باسم الله (الكتاب الذي أنزل على المهدي) ولذلك أنزِلَ عليه القرآنُ ليُعلّم النّاس القرآن والقراءة باسم ربّهم. ولهذا قال الشيخ الأكبر في الفقرة السابقة من الفصوص : ((فما يلزم الكامل أن يكون له التقدّم في كلّ شيء وفي كلّ مرتبة، وإنّما نظر الرجال الى التقدّم في رتبة العلم بالله : هنالك مطلبهم . وأمّا حوادث الأكوان فلا تعلّق لخواطرهم بها ، فتحقق ما ذكرناه)) انتهى.

فقال تحقّق ما ذكرناه، يُخاطب أهل العلم والعرفان بالله تعالى لقربهم من هذا العلم ومعانيه وأذواقه، فقال تحقّق أيها الوليّ بما ذكرناه، فعدم الظهور والشهرة في الأكوان لا يلزمُ منهُ التأخّر، إذ عدمُ الشهرة (وأقصد هنا شهرة المهدي عليه السلام) ما وقعَ إلاّ في باب التخصيص والتقييد بالمظهر الإنسانيّ، أمّا في عالم التشريع والعقائد فالكلّ مقرٌّ بتقدّم الخاتم الوليّ الخليفة، إذ ليس هو إلاّ الله سبحانه وتعالى، فافهم. ولمّا كان الأمرُ من باب الأسرار والكتم، فنبّهك من طريق أخرى ، وقال أنّ الرجال وأهل التحقيق نظروا الى العلم بالله ولم تتعلّق خواطرهم بالأكوان وما وقع فيها من تشهيرٍ وظهورٍ لحكمة قدّرها الله تعالى وأرادها، وهو كذلك، فالعلمُ المطلق لله وحده سبحانه. تعالى الله عمّا يشركون. وبالتاليّ فالعلمُ المطلق للخليفة. فافهم.

وجاء في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم ((..فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَفْتِحَ بَابَ الْجَنَّةِ ، فَيُفْتَحَ لِي فَأَدْخُلُ وَرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عَرْشِهِ ، فَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بِهَا أَحَدٌ قَبْلِي ، وَحَسِبْتُهُ قَالَ : وَلا أَحَدٌ بَعْدِي ، قَالَ : فَيُقَالُ : يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ ، قُلْ نَسْمَعْ ، وَسَلْ تُعْطَهْ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ..)). فانظر في قوله صلى الله عليه وسلّم : فأحمدُه بمحامد لم يحمده بها أحد قبلي ولا أحد بعدي. وهذا لأنّ العلم غيبٌ عند الله تعالى يلهمُ الله منه المزيد لعباده، فاختصّ حبيبه صلى الله عليه وسلم يومَ الشفاعة بالمقام المحمود، فيحمدُ الله بمحامدٍ لا يحمدُ بها أحد سابقٍ أو لاحقٍ، بل يُلهمُها الله نبيّه وحبيبه صلى الله عليه وسلّم في ذلك المقام في ذلك الوقت، وقد ذكر الشيخ الاكبر في الفتوحات كيف أنّ الله أعطاه مفاتيح العلم، وكان ممّا وقف عنده ولم يعلمه ، محامد النبيّ صلى الله عليه وسلّم الخاصة به في مقام الشفاعة. وهكذا، ففوق كلّ ذي علمٍ عليمٍ. والعليمُ المطلق سبحانه هو المولى عزّ وجل.

ثمّ هذا الختمُ، مقامُهُ في الظهور هو الإطلاق وأخلاق الله تعالى بالأصالة، فأخلاقُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هي القرآن، وهي أخلاقُ الله تعالى، وهذا هو مقامُ الجمعُ ومقام القراءة باسم الله تعالى، فهذا المقام هو مقام صاحبها الأوّل، هي أخلاقُ الله تعالى لذلك قال صلّى الله عليه وسلّم "تخلّقوا بأخلاق الله". وكلّ السّلوك وكلّ التشرّع وكلّ الرّسالات جاءت من أجل هذا التحقّق والتخلّق، أي التخلّق بأخلاق الله تعالى، فهذا هو السّير إلى الله، وهذه هي حقيقة السّير، فالسّيرُ وقعَ من دائرة النّفس إلى حضرة القدس، لأنّ الوجود هو وجودُ الله تعالى، وبالتّالي فكلّ وجودٍ جزئيٍّ هو مناقضٌ للحقيقة والأصلِ، أي كلّ إثبات وجود مع الله هو سببُ الشّقاء الذي يعيشُه النّاس، فسببُ الشّقاء في حقيقته، أنّ المخلوق الممكن الوجود الذي هو بين حضرتي الإمكان، لهُ وجهتين وإمكانين، فإذا التفتَ إلى عدمِه شعرَ بالألم والحرمان والشقاء، فكان مشهد الألم والشقاء نابع من هذا المشهد، وإذا التفتَ إلى وجودِه أي إلى حقيقته وهي وجودُه بالله تعالى هبّت عليه نسائمُ الفرح والنّعمة والرّضا، ذكرَ هذه الحقيقة الشيخ الأكبر في الفتوحات المكيّة، وهي نفيسة وتشرحُ لنا حقيقة العذاب والعناء والحرمان وما سببه ومصدرُه، فسببُ ذلك هو النّفس، النّفس الجزئية الخاصّة بكلّ مخلوق، لأنّ الله سبحانه ما خلق الدّنيا عبثاً ولا اعتباطاً، قال الله تعالى (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران: 191]. وقال سبحانه {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]. فانظُرْ إلى حقيقة الخلق في قوله تعالى، فهي الرّجوع إلى الله تعالى، وليس رجوع الحساب فقط كما يُفهمُ ظاهراً، بل هو رجوعُ الحقائق، فهذا هو سببُ الخلق، خلق الله الخلق ليرحمهم بهأ أي ليرجعوا إليه في مقام البقاء والرّحمة، فيشهدوهُ به، ومن أجلِ ذلك كلّه تجلّتِ الأقدار والمعلومات، أي اصلها كما ذكرنا الرّحمة، فهي في دوائر الرّحمة سواء كانت ظاهرةً أو كانت باطنةً وظاهرها العذاب والشقاء والبلاء. فافهم.

فقلنا إنّ حقيقة السّير إلى الله، أي حقيقة التديّن والدّين هو السّير من النّفس إلى حضرة القدس، وما من تديّنٍ غفلَ عن هذه النقطة الجوهرية الأصلية الاساس التي قامَ عليها وجودنا، وجاءت الرّسالات من أجلها فهو تديّن ناقصٌ مغشوشٌ مبتورٌ عن وجهته الحقيقة، ضائعٌ ليس لهُ أساس، لأنّهُ سيتوجّهُ إلى مراسي أخرى، وبالتالي فهي مراسي غير التي أرادها الله تعالى، وعليه فنسبة النّفس والشيطان فيه كبيرة، ونسبة الانحراف فيه كبير.

فأساسُ الدين هو التخلّق بأخلاق الله تعالى، التخلّق بالقدر الممكن والمستطاع، قال الله تعالى
{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}. على قدرِ الاستطاعة والوسع، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} (سورة البقرة). لذلك أمرَ الله تعالى بإقامة الصلاة وجعلها عمود الدين، فالصلاة كما كانت عمود الدين في الظاهر أي ظاهر العبادات، فهي عمود الدين والولاية فالصلاة باطناً هي الصّلة بالله تعالى، أي أقِمْ الصلة بينك وبين الله تعالى، ولا تجعلْ تديّنك فارغاً ومغشوشاً ولا يصلُك بربّك، فالسرّ كلّ السرّ في تلك الصّلة بالله تعالى. وما دام العبدُ موصولاً بالله فهو مجذوبٌ إلى حضرته سائرٌ إليه وسالكٌ في طريق التخلّق بأخلاق الله تعالى، قال الله تعالى {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257]. فما دُمتَ موصولاً بالله فأنتَ في ولايته ومن كان الله وليّه ما زالَ يخرجُ من الظلمات إلى النّور، من ظلمات النّفس إلى نور الله تعالى، من ظلمات وجوده العدمي إلى نور وجود الله تعالى الحقيقيّ.
ومن لم يكن في ولاية الله تعالى ولم يُقِمْ تلك الصّلة به فهو في ولاية الطّاغوت يخرجونه من النّور إلى الظلمات، شعر بذلك أو لم يشعر. وهو شاعرٌ بذلك لا محالة.

أمّا الحجُّ فهو في الباطن الكمال، لأنّه تضمّن شعار حقائق البقاء بالله تعالى، ألا ترى إلى أركانه كيف عبّرت عن حقائق الكمال ومحطّات طريقه، من الوقوف بعرفة وهو الدخول الحضرة الأحدية والجذب إليها لذلك قال صلّى الله عليه وسلّم "الحجُّ عرفة". فأصلُ الحجّ والكمال هو الوقوف بعرفة، والدخول لحضرة الأحدية. والسّعي بين الصفا والمروة  : وهو شهودُ الله تعالى في الجمال والجلال، في الأضداد وأنّ كلّ ما جاء من أقضية وأقدار فهو من الله تعالى سواء كانت منحاً أو محناً، وبالتالي أنّ أصلها خير ورحمة، لذلك قال الله تعالى واصفاً أهل التقوى وهمُ المتحقّقون بحقيقة التقوى {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا}. فرأوا جميع ما نزل بهم خيراً، إذ جميع ما ينزلُ بالعبدِ من الله تعالى. والطواف سبع أشواط : وهو التحقّق بالصفات السبع الأمّهات. فالحجّ هذا باطنُه، فهو حجّ الكمال والبقاء بالله تعالى. لذلك كان لمن استطاعَ إليه سبيلاً، ولم يكن فرضاً على الجميع. وفي هذا المعنى قال الله تعالى
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ..﴾. (آل عمران-102).
ولِعِلْمِ الله تعالى أنّ القابليات والوسع والطاقة ليست متكافئةً خفّفََ وقال
{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، لكنّ التقوى الكاملة هي حقّ التقوى وهي تقابلُ الحجّ الذي هو ركن المستطيعين أي الكمال والبقاء بالله تعالى. فهذه حقائق.

يتبع ..

الجمعة، 16 أغسطس 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 46




- 46 -


أمّا وصفُه صلّى الله عليه وسلّم للمهدي أنّهَُ "في خدّه الأيمن خال".
فهذه هي الشهادة الكبرى على المبايعة الأولى والسيّادة العليا التي ليس فوقها سيادة والإمامة الكبرى التي ليس فوقها إمامة.

فالخالُ في الخدّ الأيمن لهُ تلك الدّلالة، فهو علامةُ نقطة الذات، النقطة السوداء. وهو رمز البيعة والميثاق مع الله تعالى كما كانَ الحجرُ الأسود رمزاً للعهد والميثاق الذي أخذه الله من أرواح بني آدم، من أنبيائهم وأوليائهم وسائر البشر.
فالحجرُ الأسود يمينُ الله في أرضه، وانظر كيف يلوّحُ له المسلمون كعلامة ورمزٍ لتجديد العهد مع الله تعالى، فكانَ الخالُ في يمينِ خدّ المهدي عليه السلام له هذه الدّلالة على كونِهِ يمينُ الله في أرضه، فمن بايعهُ فقد بايعَ الله تعالى. فهذا هو الإمامُ والسيّدُ المبايعُ بالأصالةِ في قوله تعالى
{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}.


قال الشيخ الأكبر رضي الله عنه في كتاب "عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس مغرب" المخصوص بتفصيل حقائق هذا الإمام الأعظم بإذن من حضرة الله تعالى سبحانه، قال  "ولمّا قال وكانت علامة أيمن الخدّ وكونه يمين الواحد المالك فمن ثبتت له تلك العلامة فقد صحّت له الإمامة." انتهى.

ولذلك قال الشيخ الأكبر في فصل (إثبات الامامة على الاطلاق من غير اختلاف) من نفس الكتاب "عنقاء مغرب":
(... فقد صحّت المبايعة للخليفة وفاز بالرتبة الشريفة وإنْ توجّه إعتراض فلا سبيل إلى القلوب المنعوتة بالمراض، و لمّا كان الحقّ تعالى الإمام الأعلى والمتبّع الأولى قال :
{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}
ولا ينال هذا المقام إلاّ جسم بعد النبي المصطفى الأعظم صلى الله عليه وسلم إلّا ختم الأولياء الأطول الأكرم)
انتهى.

فهذا هو الإمام الأعلى والمتبّع الأولى ولذلك فقد استوجبَ البيعة بين الرّكن والمقام، ركن الحجر الأسود ومقام الخليل عليه السلام، فهذا يمينُ الله في أرضه صحّت له المبايعة والعلامة والإمامة بين ركنِ الله الشديد الذي لا يُضام، ومقام الخلّة كما قال الشيخ الأكبر في عنقاء مغرب :

قال : "ولمّا كانت المبايعة لهذا الإمام بين الركن والمقام وليس له وراء ذلك مرمى لرام" انتهى.
وقال : "كذلك إذا كان واقفاً بين ركن الخلّة، وركن من رام بأضيافه سدّ الخلّة، الذي قال فيه صلّى الله عليه وسلّم في صحيح الخبر "رحم الله أخي لوط لقد كان يأوي إلى ركنٍ شديد" خطاباً لجميع البشر، هنالك يوصفُ بعند ذي العرش مكينٍ، مطاعٍ ثمّ أمين، وتعقدُ له مبايعة التعيين في الحرم المنيع والبيت الرفيع." انتهى.

هنالك يُشهدُ له ويبايعُ على أنّه الرّوح الأعظم، والإمامُ الأعلى الأكرم خليفة الله في أرضه. والأرض في اصطلاحها الحقيقيّ العلمي هي أرض التجليّات الحقيّة والخلقية من سماء الذات.


قال الشيخ العارف بالله إسماعيل حقّي رضي الله عنه في تفسير روح البيان :

في قوله تعالى { وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً } الإسراء 12

قال ( فالمراد بآية الليل والنهار والقمر والشمس - روى - ان الله تعالى خلق كلا من نور القمر والشمس سبعين جزأ ثم امر جبريل فمسح بجناحة ثلاث مرات فمحا من القمر تسعة وستين جزأ فحولها الى الشمس ليتميز الليل من النهار اذ كان فى الزمن الاول لا يعرف الليل والنهار فالسواد الذى فى القمر اثر المحو وهذا السواد فى القمر بمنزلة الخال على الوجه الجميل ولما كان زمان الدولة العربية الاحمدية قمريا ظهر عليه اثر السيادة على النجوم وهو السواد لانه سيد الالوان كما ظهر على الحجر المكرم الذى خرج ابيض من الجنة اثر السيادة بمبايعة الانبياء والاولياء عليهم السلام وجعل الله شهورنا قمرية لا شمسية تنبيها من الله للعارفين ان آياتهم ممحوّة من ظواهرهم مصروفة الى بواطنهم فاختصوا من بين جميع الامم الماضية بالتجليات الخاصة.) انتهى.


فهذا الكلام نفيسٌ في الإشارة إلى الخال على الوجه الجميل وزمان الدولة العربية الأحمدية، من كونِ أنّ الأحمدية ظهرت ببعثة النبيّ أحمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، فكان عهد الأمّة المحمديّة عربياً قمرياً كما ذكرنا أحمدياً مصداقاً لقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم "لن تهلک اُمّة أنا أوّلها، ومهديّها وسطها، والمسيح بن مريم آخرها." العمدة وعقد الدرر.

فانظر لهذا الحديث الشريف الذي ذكر المهدي في وسطها مع أنّ المهدي هو الخليفة الذي يحكم خلافة آخر الزمان ويُزامنُ نزول المسيح عليه السلام. فالإشارة المرادة في ذكر المهدي في وسط الأمّة هي الأحمدية التي ظهرت ببعثة سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}.

المهدي هو قطب الأقطاب والجميعُ نائبٌ عنه في الخلافة الإنسانية، فهو خليفة الله في أرضه، خليفة الله في أرض تجليّاته الحقيّة والخلقية فافهم. فما من نبيٍّ أو وليّ حاز الخلافة كان نائباً عن هذا القطب وهذا الخليفة الأوّل.

والحديث خصّص ذكر المهدي في وسط الأمّة، لأنّ الأحمدية ما تجلّت في الأرض إلاّ ببعثة خير الخلق وصفوتهم عند الله تعالى رسول ربّ العالمين إلى خلقه سيّدنا محمّد أحمد صلى الله عليه وسلم.

قول الشيخ العارف بالله إسماعيل حقّي رضي الله عنه في تفسير روح البيان
"فالسواد الذى فى القمر اثر المحو وهذا السواد فى القمر بمنزلة الخال على الوجه الجميل ولما كان زمان الدولة العربية الاحمدية قمريا ظهر عليه اثر السيادة على النجوم وهو السواد لانه سيد الالوان كما ظهر على الحجر المكرم الذى خرج ابيض من الجنة اثر السيادة بمبايعة الانبياء والاولياء عليهم السلام"

فهذه إشارة إلى الخال في وجه المهدي عليه السلام من طريق الإشارة والتلميح لأهل العلم بالله تعالى، أنّ القمر الذي استوعبَ ضوء الشمس كان بمثابة القلب الذي نزل فيه الرّوح، فكان القمرُ بمنزلة الذات والشمس بمنزلة الصّفات. كما وقف الرّوح عند سدرة المنتهى واخترق الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، فالحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم اخترقَ في الحقيقة إلى سرّ الروح، وانظُر في التفاسير في آيات النجم الأولى كيف يفسّرها السّلف والخلف على رؤية الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم للرّوح بهيئته، لجبريل عليه السلام الذي هو تعيّنٌ ملائكيّ للروح الأعظم كما تعيّن الرّوح الأعظم في الخليفة بالمظهر الإنسانيّ، كما أنّ التفسير شمل ذكر رؤية النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لربّه، فما كانت الرؤية واقعةً إلاّ على الرّوح الذي هو الحقّ تعالى فافهم، أمّا هوية هذا الرّوح وكنهه فهو من الغيب المطلق، لا يعلمُهُ أحدٌ من الخلق، لا يعلمُهُ إلاّ هو سبحانه عزّوجلّ.
فإنّ غاية معرفة الخلق أنبياءً وأولياءً ما عدا الخليفة صاحب الذات، معرفتهم وشهودهم توقّفَ على عالم الأسماء والصّفات. فافهم. وقد ذكرنا هذا مراراً وتكراراً.

وانظر كيفَ قرنَ الخال في الوجه الجميل بالحجر الأسود الذي كان رمز البيعة لله تعالى، وألمحَ إلى السيادة الأحمدية، فهذه إشارةٌ واضحةٌ لأولي الألباب، ثمّ لنعلمك أنّ صفات المهدي وشمائله ماكانت عبثاً وصدفةً كما يظنُّ البعض، بل هو تقدير العزيز العليم، فكان الخال في الخدّ الأيمنِ علامةً على نقطة الذات، ونقطة الهويّة المجهولة، التي منها تجلّت الرّوح.

وقولنا أنّ القمر كان مستوعباً لضياء الشمس، كما كان القلب مستوعباً لنزول الرّوح فيه، كما قال الله تعالى في الحديث القدسيّ (( ما وسعني أرضي ولا سمائي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن )) فهذه هي الصورة التي خلق الله عليها آدم وبنوه. فافهم، وهي مقام الشهود الذاتيّ وبرزخ الرّحمة المتوسّط بين مقام الذات ومقام الصّفات، وقد شرحنا ذلك.

وقلنا أنّ مقام القلب في الحقيقة هو للخليفة باعتبار الرّوح الأعظم تجليّات ذاته، فخلق الله برزخاً أهّل الإنسان : آدم وبنوه أن يكونوا على صورة الخالق سبحانه الصورة المعنوية فيَسعَ القلبُ تجليّات الحقّ سبحانه فافهم. وإنّما مقامُ القلبِ بالأصالة للرّوح القدسيّ للخليفة، لأنّ العروج وقع لسرّه ولذاته، فافهم. ما عرج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سوى الى سرّ الرّوح، لذلك ما كان للرّوح -باعتباره تجلٍّ- أن يخترقَ إلى سرّه، فمقام السرّ هو مقام شهود الواحدية والأحدية، وهذا مقامٌ لا يقبلُ الاثنينية فافهم. وبهذا حصلتِ الخلافة للإنسان، ان يصبح قابلاً لتلك الأحدية وشهودها، لكنّه في مقام المثلية والشهود لا مقام العينية والأحدية الحقيقة. فما ثمّ إلاّ الله سبحانه. فهذا علم التحقيق ولذلك كان الكتمُ واجباً، فمن عرف هذه الحقائق صعقته، وطاشَ عقلُه، فهذه حقائق ذوقية شهودية سلوكية.

ولتعلم أنّ الله تعالى خلق النّاس قابلياتٍ متفاوتة ومراتبٍ، لهم محاتدهم إلى ربّهم، كالصّناديق التي هي نقطة قابليتهم ومرجعهم، فهناك من كان صندوق قابليته ذاتيّ، وهناك صندوق قابليته صفاتيّ وهناك صندوق قابلياته أفعالي، فمن كان صندوق قابليّته صفاتيّ يستحيلُ عليه أن يقبل حقائق الذاتيين، وهكذا، فالوسع غير موجود، بالتالي لو اطّلع على حقائق الذاتيين فقد يُنكرُها حتى لو كان من الصالحين، ألا ترى قول الله تعالى {وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا}. يقول بعض أهل العرفان عن هذه الآية أنّها إشارةٌ لكونِ من كان من جنس الأنصار أي الصّفاتيين لا مقام له في حضرة الذات، لأنّ قابلياته ومقامُه لا يقبلُ ذلك فوجبَ عليه العودة بعد دخوله حضرة الذات إلى مدينة الصفّات فهناك مقامه، قال الله تعالى {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ}. وفي الأخير هي محاتد تعودُ بأصحابها الى ربّهم، فما ثمّ إلاّ الله موجوداً على التحقيق، فالعبرةُ أنّ الخلق محاتدُهم تعودُ بهم إلى برزخ الرّحمة، ليشهدوا تجليّات الله تعالى من هذا البرزخ الرّحمانيّ الذاتيّ. فطوبى لمن سعد عند ربّه جلّ وعلا.

ثمّ تأمّل الكعبة وستارها الأسود وعلى ركنها الحجر الأسود، فذلك رمز الخليفة الذي هو قطب الأرواح، ويمينُ الله في أرضه فكان عليه خال في خدّه الأيمن كما الكعبة التي هي قبلة في ركنها حجر البيعة والميثاق.

لذلك قال الشيخ الأكبر في عنقاء مغرب ما نقلناهُ : "ولمّا قال وكانت علامة أيمن الخدّ وكونه يمين الواحد المالك فمن ثبتت له تلك العلامة فقد صحّت له الإمامة." انتهى.

نعم من ثبتت له تلك العلامة فقد صحّت له الإمامة المطلقة العليا.

يتبع ..




الجمعة، 2 أغسطس 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 45


- 45 -

وعَوْداً لمزيدٍ من تفصيل حقائق الشمس والقمر، وتوضيح صفات المهدي عليه السلام، التي هي صفات وخلال وشمائلٌ شاهداتٌ أنّه الإمام الأعلى وسيّد السادت، السيّد الصّمد. الواحد الأحد جلّ جلاله. لمّا كان الحقّ تعالى لا يُعرَفُ إلاّ بأسمائه وصفاتِه، ولا إدراك لما وراء ذلك لكائنِ من كانَ، إلاّهُ وحدهُ لا شريك له، وكان صاحبَ هذا السرّ والذات والعلم ما وراء ذلك هو العبد الذاتيّ، لأنّ حقيقة الألوهية اقتضتْ أنْ تكونَ هذه البرزخية بين العبدية والربّوبية، لأنّهُ في الحقيقة لا موجودَ سواهُ، فافهم. فكانَ هو سرّ كلّ موجود، فعادتْ هويّات الموجودات والكائنات إليه سبحانه. فقلنا لمّا أرادَ اللهُ أن يتجلّى من كنزيته وعمائه ليُعرفَ، خلقَ الخلق ليعرفوهُ ويرحمهم، فما كانَ واسطة الخلق إلى ربّهم ولا أخرجهم الله للظهور والخلقية إلاّ بالرّحمة، وضع هنا خطوطاً كبرى. فما خلق الله الخلقَ إلاّ ليَرحمهم. فخلقَ برزخاً للرّحمة، هو مبتدأ الخلق وبداية الخلق، هذا البرزخُ توسطّ الخالق والخلق، توسّط الحقّ والأكوان، فنقطةُ بداية كلّ كائنٍ هو برزخُ الرّحمة، وكان هذا البرزخ وهذه الواسطة هو رسول الله إلى العالمين صلى الله عليه وسلم ، الذي قال الله تعالى فيه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107). فكانتِ الرّحمة هي البرزخُ بين الذات والأكوان. ولهذا السّبب تفهم أنّ إسم الرّحمن هو ثاني إسم في الرتبة بعد إسم الذات "الله". فسمّيت هذه الرحمة الرّحمانية من إسم الرّحمن، وهو إسم مبالغة وجامع للرّحمة شاملٌ لها بكلّ اعتباراتها، سواء كانت رحمةً ظاهرةً أو رحمة باطنةً، أي سواء كانت رحمةً نعيمية أو كانت رحمةً تأديبية، قصدها التأديب من أجلِ إبلاغ المرحوم إلى نقطة استحقاق الرّحمة الرّحيمة النعيمية. فافهم. وتحت هذا الذي نقولُهُ علمٌ كبيرٌ يضحدُ بعض يقينيات من يعتقدونَ أموراً، هم في الحقيقة مخالفون لما هي عليه الحقائق. وخصوصاً في رحمة الله سبحانه الذي ما خلقَ الخلق إلاّ ليرحمهم. ولمّا كان الأمرُ ليس ضرورياً بالنّسبة للواقع، فلا يلزمُنا الخوضُ فيه. ولكنّه في علم الحقائق والعارفين بالله أقول العالمين بالله وهم فوق العارفين شيء من الحقائق الذي يطعنُ في علمهم بالله لو لم يتوصّلوا إلى هذه الحقائق.

فكان برزخ الرّحمة هو البداية، ومن كان بدايةً سابقاً كان لزاماً أن تكون إليه النهاية والمرجع، فافهم. فمقامُ الصّفات والعلم يبدأُ بالرّحمة. والرّحمة غير الذات كما قلنا. والرّحمة صفتُها العلم، إذ العلمُ ينبثِقُ أوّل ما ينبثقُ من الرّحمة، فالرّحمة هي أمّ العلم وبالتالي هي أمّ الصفّات كلّها، وخير خلق الله وسبب ظهورها من العدم هو المبعوث رحمةً للعالمين صلوات الله وسلامه عليه، بل هو عينُ الرّحمة المهداة. فافهم.

لذلك كان فناء الأشياء في خالقها وبقائها به، تعودُ إلى محتدِها الخاصّ بها وهي نقطة الرّحمة، وكلّ مخلوقٍ لهُ عودةٌ إلى هذا البرزخ، الذي هو برزخُ الرّحمة، ولكن كلّ في رتبته التي خلقهُ الله لها، وذلك بعد انقطاع الآباد، آباد الخلق، وعودتِها الى الله سبحانه، فهي بعودتِها تعودُ إلى برزخ الرّحمة، وهو برزخ البقاء بالله سبحانه فافهم، وبرزخ البقاء، الذي هو برزخُ الرّحمة الجامع هي رتبة خير خلق الله تعالى، وكلّ شيءٍ له محتدٌ خاصّ يعودُ به إلى ربّه سبحانه. وهنا اختلفت المراتب والمحاتد بين العباد والعبيد والخلق التي تعودُ بها إلى ربّها، وكان أهل الخلافة الكبرى ومقام القربة لهم محتدٌ جامعٌ وارثٌ لمقام الرّحمانية رحمانية خير خلق الله صلّى الله عليه وسلّم. خلاف البقيّة فلهم محتادهم ومراتبهم الخاصّة. ولكنّ هؤلاء الكمّل والأفراد والمقرّبين ليسوا سوى ورثةً لخيرِ خلق الله تعالى في هذا المقام، لأنّ المقام مقامه، فهو عينُ الرّحمة وهو برزخ الرّحمة الجامع، فافهم.

وإذا فهمتَ هذا علمتَ أنّ الخلق غايةَ وصولهم لهذا البرزخ، وهو برزخ الرّحمة والخلقية وبرزخ الصفات والعلم، أمّا الذات وهويّتها وحقيقتها، فليس لمخلوقٍ أن يُدرك حقيقتها فافهم، فالبرزاخُ وقفت هنالك، كالحدّ الذي لا يُتجاوز، ولا يمكن أن يُتجاوز، وكان صاحب الذات وسرّها الذي هو وراء هذا البرزخ الرّحمانيّ هو الخليفة المهدي عليه السلام فافهم، فهو الذات عينها. هو عين العماء والكنزية والهوية، فافهم.

وليُقيمَ الله الحجّة على الخلق والملائكة والأولياء والأنبياء جميعهم كان المهدي المجذوب المحجوب المتقلّب في الأضداد، العالم بعلم المراتب والحقائق، الطّاوي لطريق الله بلا تكلُّفٍ منه، الهازمِ لإبليس والدجّال بسرّه الأعظم المكتوم فيه وجسمه الإسرائيلي الأعجميّ، هو الحجّة على إمامته العليا وسيادته الكبرى، وعلى سرّه الذي استمدّ العلمَ من العماء والكنزية التي وراء برزخ الرّحمة. فافهم.

ولمّا كانت الرّحمة هي برزخ الخلق وبدايتهم، فكانت الرّحمة هي أمّ العلم، لأنّ المعلومات والأعيان كلّها انبثقت من الرّحمة ومن برزخ الرحمة، لتعلمَ علم اليقين أنّ الله فطرَ الخلق والأكوان بالرّحمة ليعيدها إلى الرّحمة، وكانت هذه الرّحمة ظاهرةً وباطنةً، تنوّعت بحسبِ حقائق الخلق فافهم. فحقائقهم هي التي حكمت فيهم، فهذا استوجبَ رحمةً ظاهرةً، وهذا استوجبَ رحمةً باطنةً لتعودَ به إلى برزخه ومحتده من ربّه.

فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أعلم الخلق بربّه، لذلك كان الهادي إليه والدّليل إليه والواسطة إليه والمشرّع لدينه خاتم الأديان والرّسالات، والجامع لها.
 أمّا العالمُ الحقيقيّ فهو الخالقُ سبحانه فهو نقطة الذات وكلّ شيءِ إليه يرجِع. فحتّى برزخ الرّحمة يعودُ إليه، لأنّها رحمته سبحانه وهو أرحمُ الرّحماء وعالم العلماء ومالك الملك والمكوّن وحقيقة الكون والكائنات. لذلك كان أغيرَ على خلقه من خلقه وأرحمَ بهم منهم، فأقامَ الخلافة الذاتية في آخر الزّمان ليُقيمَ ميزانَ الحقائق، وليعودَ إليه كلّ شيءٍ، ولينسلخَ ليلُ الظلمِ بنهارِ العدلِ، فالعقاب والجزاء والعدل تكونُ من صفات المالك وصاحب الأمرِ، وهذا يقودُنا إلى صفة المهدي أجلى الجبهة أقنى الأنف، أو أعلى الجبهة أشمّ الأنف، فقد اعتدلَتِ الشمائلُ في رسول الله صلى الله عليه وسلّم برزخ الرّحمة والصفات الإلهية والكمالات الربّانية، أمّا الخاتم العزيز المهدي إذا ظهرَ فقد كان أقنى الأنف والقنى هو اعتدال الأنف وطول رقبته ورقتّها وانكسارها، القنى والشمّم كان معبّراً عن العزّة والكبرياء، والعزّة والكبرياء لا تليقُ إلاّ بصاحبها ذو الجلال والكبرياء الخليفة العزيز، وكذا جلى الجبهة وعلوّها فهو رمز النّصرة على العدوّ وظهور الحقّ وسطوعه. فكانت سيرة المهدي بين اللّين والعنف، فافهم، لأنّه المالك العادل، فهو أرحم الرّحماء بالمساكين والمظلومين، وهو الشديد العقاب والجزاء على الخصوم والأعداء، قامت خلافته للعدل المطلق، وإبادة الظلم والظالمين، والجهاد المتواصل. فهذا خليفة الحقّ سبحانه في أرضهِ فافهم. وقبلتُهُ في أرضه، وسرّهُ المطمطم.

يتبع ..

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 44




- 44 -

فقلنا نزل القرآن في ليلة القدر، فكان القمرُ رمز القلب الذي تنزلُ فيه الرّوح، والرّوح رمزها الشمس، فكان نور القمر عاكساً لضياء الشمس، فيشعُّ على ليلِ الأرض بقدَرِ. ولولا ليلة القدر لما حسنَ لأحدٍ أن يقرأ القرآن ويتحقّق بمقام الجمع، إذ النّهار هو مقام الجلال بضياء الشمس الأحديّ، وضياء الشمس للواحدِ الأحد وحده سبحانه، فخرجَ الخلقُ ببرزخ الرّحمة الذي هو ليلة القدرِ بنزول القرآن ونزول الروح على القمر الذي هو رمز القلب، فافهم.

فالقمرُ حين يعكسُ ضوء الشمس يكونُ في مقامِ الجمع لنورها وضيائها وحقائقها والتحقّق بأخلاقها وصفاتها من غير حلول ولا اتّحاد، ولا اتّصال ولا انفصال، فافهم، فهذا هو مقامُ الصّفات. وكان برزخ ليلة القدر وليلة الأقدار الوجودية وبرزخ خروج الخلق الى الظهور والأكوان وقمرها البدريّ وقمرها الأسنى والأعلى هو سيّد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، فمثّلَ هذا المقام القمريّ العربيّ الخصوصيّ الأعلى، الذي هو أعلى مقامات الخصوصية والعبودية والتحقّق بكلّ حقائق الرّوح الأعظم. فافهم.

وصارَ كلّ قلبٍ محمديٍّ متحقّق بهذا النزول وهذا الانعكاس هو وراثٌ وهو خليفة لكن في دائرة الخلق ، لذلك كان المحمديّون هم القمريون العرب بهذا الاعتبار، وكان الخليفة حامل سرّ الذات والأحدية هو رمز الشمس لأنّه عين الرّوح الأعظم، إذ الرّوح الأعظم هو تجليّاته من مقام الأحدية والهويّة الغير مدركة. فكان الخليفة أعجميّ بهذا الاعتبار شمسيّ والشمس حسابها سنويّ، وحساب الربّ عبّر عنه بالسّنين خلاف ليلة القدر التي عبّر عنها بالشهور كما ذكرنا. فصاحبُ مقام الإسم الأعظم والربّانية المثلى المسمّى بالعبد المحض في مقام العبودية والمسمّى "الله" في مقامِ الربّوبية والألوهية هو الخليفة القائم بأمر الله المهدي عليه السلام. فهو المعني بقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} سورة الفتح-10. فهو الإمام الذي استوجبَ البيعة بسرّه المطلق، وغيرُهُ نائبٌ في مقامِ النيّابة، فإذا كان خير خلق الله صلوات الله وسلامه عليه في مقامِ النيّابة عن الله سبحانه، فغيرُهُ بالضرورةِ نائبٌ. ولمّا كان صاحب الإسم الأعظم خليفة الإطلاق وحقيقة الحقائق، فقد صارَ هذا السرّ بالنيّابة للإنسان، وهم أفراد بني آدم المتحقّقين بالخلافة والوراثة إذ قال صلّى الله عليه وسلّم "خلق الله آدم على صورته".




قال الشيخ عبد الكريم الجيلي قدّس الله سرّه في فصل (الملك المسمى بالرّوح)
في كتاب (الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل)

(الحقّ المخلوق به: هو الملك المسمى بالرّوح، وهو المسمّى في اصطلاح الصوفية: بالحقيقة المحمدية. نظر الله تعالى إلى هذا الملك بما نظر إلى نفسه، فخلقه من نوره، وخلق العالم منه، وجعله محل نظره من العالم. ومن أسمائه: أمر الله، وهو أشرف الموجودات، وأعلاها مكانة، وأسماها منزلة، ليس فوقه ملك، وهو سيد المقربين، وأفضل المكرمين. أدار عليه رحا الموجودات، وجعله قطب فلك المخلوقات، له مع كل شيء خلقه الله تعالى وجه خاص به يلحقه) انتهى.

وقال في نفس الفصل
(ثمّ اعلم أنّه لمّا خلق الله هذا الملك مرآةً لذاته لا يظهر الله تعالى بذاتِه إلاّ في هذا الملك وظهوره في جميع المخلوقات بصفاته، فهو قطبُ العالم الدنيوي والأخروي..) انتهى

وقال في نفس الفصل متحدّثاً باسمِ الرّوح الأعظم بطريق التلويح والرّمز للتعريف به :
(وأما المحتد والمكانة فاعلم أني كنتُ عينا مشهودا كان لي في الغيب حكما موجودا، فلما أردتُ معرفة ذلك الحكم المحتوم ومشاهدته في جانب الأمر المحكوم، عبدتُ الله تعالى بذلك الإسم كذا وكذا سنة وأنا عن اليقظة في سنة، فنبّهني الحقّ سبحانه وتعالى وأقسم باسمه وآلى أنّه (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) فلما حضرت القسمة وأحرزت ما أعطاني الإسم، أعني باسمه، زكّتني الحقيقة المحمدية بلسان الحضرة الرسولية، فقال عليه الصلاة و السلام (خلق الله آدم على صورته) ولا ريب في هذا ولا كلام، و لم يكن آدم إلا مظهرا من مظاهري أقيم خليفة على ظاهري فعلمتُ أنّ الحق جعلني المراد والمقصود من العباد، فإذا بالخطاب الأكرم عن المقام الأعظم: أنت القطب الذي تدورُ عليه أفلاك الجمال، والشمس التي تمدّ بضوئها بدر الكمال. أنت الذي أقمنا له الأنموذج، وأحكمنا من أجله الأمر فتوّج، المراد بما يُكنّى عنه هند وسلمى أو يلوّح عنه عزّة وأسما، فالكلّ إلاّ أنت يا ذا الأوصاف السَّنيّة والنعوت الزكيّة، لا يُدهشك الجمال ولا يُرعشك الجلال ولا تستبعِدُ استيعاب الكمال، أنت النقطة وهي الدائرة، وأنتَ اللابسُ وهي الثيابُ الفاخرة.) انتهى.

فهو هنا يعرّفنا بهذا الرّوح الأعظم، فهو المهدي الخليفة عليه السلام، ويتساءلُ الرّوح في هذا الكلام التمثيليّ لماذا أخفيَ مقامُه وهو حقيقة الحقائق ؟ فيُجيبُ الله سبحانه - وكلّ هذا الكلام تقريبيّ تمثيليّ فقط- فافهم. لتعلمَ ما ذكرناهُ عن حقيقة النّهار والليلّ، فلولا وجود القمر والليل، لما تعرّفَ أحدٌ إلى هذه الشمس، إذ النّهارُ للجلال، والشمسُ أحديةٌ ولا قمرَ عاكسَ لضيائها، ومتحقّقاً بحقائقها. ولهذا أُخفيَ مقامُه، فهو المقامُ الأوّلُ المطلق. فهو صاحبُ اليوم الذي انبثقتْ منه ليلة القدر، فليلةُ القدرِ تابعة ليوم هذا العبدِ الذاتيّ. فافهم.

قال الشيخ الجيلي في نفس الفصل
((قال الروح: فقلتُ: أيها السيّد الكبير والعلام الخبير نسألك بالتأييد والعصمة، أخبرني عن درر الحكمة وبحر الرحمة بأن جَعَلْتَ صدَفَها سوائي وما انعقدَتْ سوى من مائي، و لم وُسِم طيري باسم غيري وكتم هذا الأمرُ رأسا فلم يعلم لحديدته بأسا؟
فقال: اعلم أنّ الحق تعالى أراد أن تتجلى أسماؤه وصفاته لتعرِفَ الخلقَ ذاتَهُ، فأبرزها في المظاهر المتميزة والبواطن المتحيزة وهي الموجودات الذاتية المتجلية في المراتب الالهية، ولو أطلق الأمر كفاحا لهذا العبد سراحا، جُهَلت الرتب، وفقدت الإضافات والنّسب، فإنّ الإنسان إذا أُشهِدَ غيرَهُ فقد استوعبَ خيرَهُ وسهل عليه الاتباع وأخذ في ذلك ما استطاع فلهذا أرسل الله الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام بكتابه المبين وخطابه المتين، يترجم عن صفاته العليا و أسمائه الحسنى، ليُعْلَمَ أنّ ذاته لها التعالي عن الإدراك فلا يعرفها غيرها ولا إشراك، ولهذا أمرنا السيّد الأوّاه فقال (تخلّقوا بأخلاق الله) لتبرز أسراره المودعة في الهياكل الإنسانية، فيظهر بذلك علوّ العزّة الربانية، ويعلم حقّ المرتبة الرحمانية، ولا سبيل إلى معرفته بحسب حصره إذ هو القائلُ عن نفسه (وما قدروا الله حقّ قدره). هذا درّ الحكمة وبحر الرحمة. وكون الصدف سواك، وما انعقدت دراريه إلّا من ماك، فهو القشر على اللّباب، لئلا يرتقي الى الحكمة وفصل الخطاب سوى من أهّله لذلك في أم الكتاب. وأمّا وسم طيرك باسم غيرك فلاستيعاب خيرك. وأما كتم الأمر لعدم الطاقة على خوض هذا البحر، فإنّ العقول تقصر عن الإدراك، ولا محيص عن قيدها والانفكاك. وهذه الجملة قشور العبارات، وقبور الاشارات جعلناها عن الوجه نقابا، لتحجبه عمن ليس من أهله حجابا، فافهم إن كنت مدركا خطابا))انتهى.

فكلّ الكتمِ قامَ من أجلِ هذا العبد، الذي هو سرّ الأسرار وحقيقة الحقائق. وهو إمامُ الأئمّة، إذ محلّه خارج الخلق ولغته غير لغتهم مطلقاً. فهذا هو العبدُ الأعجميّ الشمسيّ العربيّ. برزخُ البرزاخ وحقيقة الحقائق.


يتبع ..




الأربعاء، 24 يوليو 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 43



- 43 -

فذلك ما جاء في معنى الجسم الإسرائيليّ للمهدي عليه السلام، ثمّ إنّ هناك معنى آخراً يحمله هذا الوصف، إذ يطلقُ المحقّقونَ من أهل الله أكابر القوم، على المهدي وصف العربي الأعجميّ، ويصفُهُ الشيخ الأكبر في كتاب عنقاء مغرب أنّه عجميّ ليس بالعربيّ في معرض وصف ختم الأولياء مدارياً وكاتماً مقام المهدي حتى لا تظهرَ ختميته علناً ولغيرِ أهلها وفي غير وقتها، فماذا يُقصدُ بوصف العربيّ والعجميّ في بعديهما الحقيقيّان.

فهما في الحقيقة وصفانِ يعودانِ إلى الحقيقة، فوق ظاهرهما، فالعربيّ يُقصدُ به القمريّ من كونِ المحمديّين قمريون، أي بطنتْ فيهم الخصوصية الكبرى، فصاروا الى مقام الجمع الذاتيّ وراثة للحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم فهو القمريّ الذي عكس ضوء الشمس كاملةً، وبطنتْ فيه الرّوح، فكان مظهر الذات ومجلى الأسماء والصفات عليه صلوات الله وسلامه. إذ القمر يُقابلُ مقام القلب، والشمس تقابل الرّوح. فصارَ القلبُ عند عروج صاحبه العروجَ الذاتيّ ينزلُ فيه الروح فيعكسُ أنوار الروح. ويُصبحُ العبدُ ذاتياً قمرياً وارثاً للعبد القمريّ الأوّل العربيّ سيّدنا محمّد النبيّ الأميّ الأمين صلى الله عليه وسلم. فافهم. فهذا هو معنى العربيّ. فهو القمريّ لأنّ حساب العرب حساب قمريّ، وحساب العجم حساب شمسيّ.
فكانت الشمسُ هي الرّوح، وترمزُ للحقّ تعالى، فالرّوح هو الحقّ سبحانه هو الملَك الذي ظهر الله فيه بذاته كما قال المحقّقون، وهو عينُ الخليفة كما ذكرنا ذلك مراراً، فصارَ الخليفة شمسياً أعجمياً، بخلاف جميع القمريين العرب المحمديّين، فجميع المحمديّين الكمّل والأفراد هم عربٌ اصطلاحاً ولو لم يكن أصلهم عربٌ ، فافهم. ولا يوجد سوى أعجميٌ واحد هو الخليفة، فهو الشمس بذاتها. الشمس التي نزلت في قلوب المحمديين العرب، وفي قلب خير خلق الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فافهم. فكان المهدي هو العربيّ الأعجميّ. فإن وقفتَ على جزم الشيخ الأكبر لدواعي الكتم فهو الأعجميّ، وليس بعربيّ، لأنّه شمس وليس قمر. فهو الشمس بذاتها لذلك يخرجُ في آخر الزمان، وتطلعُ شمس المغرب في آخر الزمان ويغلقُ بابُ التوبة إشارةً لذهاب الخاتم والروح والخليفة، فافهم. وإشارةً لخروجه وظهوره، لمّا قال الشيخ الأكبر في عنقاء مغرب : "لم تزل الشمسُ جاريةً من المشرق الى المغرب بغيرها ومن المغرب الى المشرق بنفسها". فالمهدي هو شمس المغرب الذاتية الجارية بنفسها، لذلك طلع آيةً في السماء طلوع الشمس من مغربها آيةً على أوان الساعة. فهو علم الساعة أي المهدي. فهو الأعجميّ بهذا الاعتبار.

وإن وقفتَ على قول الشيخ الجيلي في كتاب الكهف والرقيم في وصفه للمهدي أنّه العربيّ الأعجميّ، فهو كذلك، إذ المهدي شمسه هي قمره، أو قمره هي شمسه، فمقامُ القلب هو إمامه، فهو عينُ القلب الذي نزلَ فيه الروح على القمريين العرب. فافهم، فكان هو القمر وهو الشمس جمعاً وبرزخاً أصلياً. فهو صاحبُ القلب وهو الإمام القدسيّ وهو صاحبُ الكعبة وهو قطب الأرواح كما كانت الكعبة قبلة الاشباح وكما كان القلبُ بيت الربّ ومحلّ نزول الروح القدسيّ فافهم. فهو القمريّ الشمسيّ. هو الخليفة وهو صاحبُ الذات. إذ هو عينُ الذات في سرّه. فافهم.


ثمّ إنّ الله تعالى يقولُ (وَإِنّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمّا تَعُدّونَ) [سورة: الحج - الأية: 47]. فتأمّل فيوم الربّ كسنةٍ والسنة شمسية، خلاف القمر فهو شهريّ، دورة الشمس سنوية ودورة القمر شهرية، وقال الله تعالى {ليلةُ القدرِ خيرٌ من ألفِ شهر} سورة القدر. فقرنَ ليلة القدرِ التي أنزلَ فيها القرآن، وهي الليلة المحمدية فقرنَها بالشهور وفضّلها على جنس الشهور ليُشيرَ لنا إلى أنّ المحمديّة هي القمرية والعربية ونسبتُها للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ففضّلها على جنسِ الشهور، أمّا يوم الربّ فما ذكِرَ بنسبة التفضيل لأنّه الواحد الأحدُ الذي إليه ينتسبُ ويرجِعُ كلّ شيءٍ، فكلّ شيءٍ عدمٌ بالنسبّة لذاتيته سبحانه، ولا يقومُ إلاّ به، فافهم. فهي ليلة القدرِ التي تُقابلُ يوم الربّ، هي الليلة المحمدية التي تقابل يوم ونهار الربّ. ولهذا نالت ذلك الشرّف والفضل العظيم، فالفضلُ يعودُ لليوم، أي يعودُ لصاحب الفضل سبحانه جلّ جلاله. فالليلة تابعة وليست أصل، تابعة لليوم الذي هو الأصلُ. فكان يوم الربّ شمسياً مقروناً بالسّنة، كألف سنة ممّا تعدّون، وكانت ليلة القدرِ المحمدية قمرية شهرية. فهي ليلة من جنس القمر الذي يطلعُ بالليل، فافهم.

فكان اليوم والشمس رمز للحقّ سبحانه، لذلك كان الخليفة أعجمياً، وحسابُ العجم شمسي. فافهم هذه الاصطلاحات وهذا الكتم وهذه الحقائق التي تدورُ حول الختم والخليفة الذي هو السيّد الصّمد، وسيّد الجلال والجمال الذي لا نظير لهُ فهو حقيقة كلّ وليّ ونبيٍّ فهو النبيّ الوليّ الرّسول كما قال الشيخ الأكبر، وهو حقيقةُ كلّ شيءٍ، فهو حقيقة الحقائق. 

وكان الشهر والقمر رمز للنبيّ الخاتم صلوات الله وسلامه عليه، وبالتبعية والوراثة جميع ورثته الأولياء المحمديين، فهم القمريون وهم العرب بهذا الاعتبار وإن لم يكونوا في النّسب عرباً، فافهم.

فكان بهذا الاعتبار والتوصيف "المهدي" هو العربيّ الأعجميّ، أي القمريّ الشمسيّ. فهو حقيقة المراتب وهو العجميّ المتفرّد الذي إذا ظهرَ، كان كظهورِ الشمس في سماء النّهار، إذا طلعت وظهرت لا تُبقي وجوداً لقمرٍ أو كوكبٍ أو نجمٍ في السماء. فهو الخليفة السيّد الخاتم الحاكمُ الإمام الأعلى. وإذا غابَ كما غابَ قبل ظهوره الخاتم في آخر الزمان ظهرتِ الأقمارُ والكواكبُ والنّجومُُ. فبعثة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هي التي أهّلت الأرض وأمّته للأحمدية، فكانت الأحمدية باطنةٌ في القمريين العرب، ببعثة الهادي أحمد صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا بشّر المسيح عليه السلام ببعثة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم باسم أحمد، أي بخصوصية النبيّ الكبرى وأمّته من بعده وهي الأحمدية التي بطنت فيه وفي ورثته صلى الله عليه وسلم. وظهرتْ بكمالها وذاتيتها في الخاتم أحمد المهدي عليه السلام. فافهم.

فقلنا كان قمرُ المهدي هو شمسُه، وشمسُهُ هي قمرُه، إذ نوره ذاتيّ، فهو العلمُ على الساعة وهي ساعة تجلّي الإسم الأعظم وتجلّي الوحدة الذاتية، فحينما كان القمرُ عاكساً لضياء الشمس، كانت الوحدة ظلالية لا ذاتية، والنوّر معكوسٌ، فلمّا ظهر صاحب الضياء والنّور بذاته وطلعت شمس المغرب فقد صارت الوحدةُ عينية ذاتية، وتجلّى البطونُ الى ظهوره، فاستوى البطونُ والظهورُ في عهد الخليفة، فافهم. إذ عينُ الباطن والظاهر. ولذلك يظهرُ العلمُ في أجلى مراتبه ونصاعته، علم الحقيقة وعلم الظاهر. فقد ظهرَ صاحب العلم وصاحب الذات وصاحب الأعيان، وظهر النّور الذاتيّ بذاته شمسياً لا معكوساً كما كانت الأقمارُ تعكسُه قبل ظهوره في السماء. فافهم. قال الله تعالى {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (1)} سورة القمر. فانشقّ القمر بظهور الخليفة الذاتيّ.

قال الله سبحانه {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} سورة الرعد-47. يظهرُ صاحبُ علم الكتاب الذي يشهد للنبيّ الخاتم صلى الله عليه وسلم بخاتميّته ورسالته للعالمين. وكما قال المسيح عليه السلام "نحن علينا التنزيل والمهدي عليه التأويل". فينشرُ الحقّ ويقيمُ العدل ويختمُ بنصرة الحقّ على الباطل وزوال دولة الشرّ والشيطان ودولة الدجّال. وتتقدّسُ الأرضُ من رجسها وشرورها، وتشرقُ بنورِ ربّها وتلك هي علامة نزول روح الله فيها. ينزلُ هذه المرّة في قطبية الخليفة لتعود المرتبة لصاحبها، فالمهدي هو الروح، وصاحب روح القدس الأصليّ، والمسيح هو المسمّى روح الله نبوَّةً. فافهم.

يتبع ..

الأربعاء، 10 يوليو 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 42


- 42 -

فلنعُد لمواصفات المهدي عليه السلام التي وصفته بها النبوّة الشريفة صلوات الله وسلامه على النبي الكريم وعلى آله وصحبه:

روى أبو داود والحاكم بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "المهدي مني أجلى الجبهة ، أقنى الأنف ، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ، يملك سبع سنين".

وجاء في مستدرك الحاكم : عن أبي سعيد ، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : "المهدي منا أهل البيت أشمّ الأنف أقنى أجلى يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما".

وجاء في الحديث الشريف "المهدي رجل من ولدي ، وجهه كالكوكب الدري ، اللون لون عربي ، والجسم جسم إسرائيلي"

وفي حديث نبويّ شريف "وجهه كأنّه كوكب درّيّ، في خدّه  الأيمن خال"


_______________

فكان المهدي رجلاً من آل البيت من ولد فاطمة عليها السلام، أقنى الأنف أشمّه، أجلى الجبهة، وجهه كالكوكب الدريّ، عربيّ اللون، إسرائيليّ الجسم، في خدّه الأيمن خال.


فأمّا " إسرائيليّ الجسم" فشرحناها باستيفاء، وقلنا أنّ لفظة إسرائيليّ مركبّة من لفظتين : إسراء & إيل، فالإسراء هو الهجرة والسفر والسير والسريان ليلاً، وإيل هو إسم الله سبحانه. والمعنى أنّه الساري إلى الله والمسافر والمهاجر والرّاحل والسّائر إلى الله دون علم المخلوقات وعلم ما دخل في الأكوان، وأنّ كلّ شيءٍ يشهدُ له بالصّلة بالله والولاية. وهذا الوصف وحده كفيل بتعريف من هو المهدي، ولماذا سمّي المهدي، فهو المهدي إلى الله بسرّه المكتوم فيه، بكونِه الموصول بالله الصلة الذاتية، وأنّ الأشياء جميعها والأكوان .. لها وجهة لخالقها وبارئها الحقّ سبحانه، فكانت هذه الوجهة قائمةً في هذا العبد ذاتية أصالةً عنايةً من الله سبحانه بكونِهِ الخليفة، خليفة الله في أرضهِ، فصارَ البرزخ الحقيقيّ الذاتيّ القائم بين الكونِ والمكوِّنِ، فهو ذاتُ المكوّن في هويّته وفي مقامِ تلك الوجهة التي تعودُ إليها الموجودات والكائنات، فنابَ عن الله نيابةً ذاتيةً إذ هو عينُه ليس غير، لذلك سميّ الخليفة وفاز بالرّتبة الشريفة، وهو تحقيق قوله صلّى الله عليه وسلّم "خلق الله آدم على صورته". فما كان المقصود بهذا الحديث في سرّه وجوهره وحقيقته سوى الخليفة المهدي، فهو الوليّ أصالةً من الله سبحانه الذي تسمّى بالوليّ، قال سبحانه وتعالى {فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(9)} الشورى. وهو العبد المخصوص بنزول الكتاب المكنون عليه، الكتاب الذي أحصى الله فيه كلّ شيءٍ، لذلك كان هو الخليفة لأنّ الأعيان العلمية قبل ظهورها في الأكوان بكلمة كن، كانت أعياناً في الكتاب المكنون، أو تقولُ أمّ الكتاب فصارَتِ الأعيان راجعةً إليه في هويّتها، إلى هويّته، فكان السيّد الصّمد والحاكم العادل والقائم الفاصل والإمام الأعلى النّاهي الآمر، وهو المعنيّ بقوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) [الزخرف: 84]. فهو صاحب سرّ الأحدية والهويّة والذات في السّماء، وهو المسمّى الخليفة في الأرض من كونِ الإنسان اصطفاهُ الله وخلقه على الصورة. ولو رجعنا إلى الكتاب والسنّة في إطلاق الصفّات في حقّ الباري سبحانه لوجدنا تلك الصّفات التي أوهمت التشبيه، من الضحك والتعجّب والإتيان والصورة وغير ذلك ممّا وقع عليه خلاف كبير بين طوائف المسلمين، فلولا أنّ الحقّ تجلّى بهذه الصّفات في دائرة الأكوان والتشبيه لما جاءت تلك الأوصاف بألفاظها المذكورة، مهما كابر المكابرون، فالله سبحانه جامعٌ بين التنزيه والتشبيه، وإلاّ لما عرفَ النّاس ربّهم ولا حادثوه ولا خاطبهم ولا نظروا إليه في دائرة الخلق والأكوان يوم القيامة والقيامة من عالم التقييد والأكوان؟؟؟ فالأحدية مسرح التنزيه حيث لا نعت ولا إسم ولا غير، فأين وقع الخطاب بين الخلق والخالق سبحانه؟ وأين يقع النّظر إلى وجهه الكريم المثبت صريحاً عند جمهور أهل السنة والجماعة ؟ والوارد في القرآن والسنّة ؟ فلا عليك بدوائر التعصّب ومن لم يبلغ من العلم دوائر التحقيق، فالأشاعرة والماتريدية والمنزّهون والمؤوّلون عصموا النّاس أن يغفلوا عن جانب التنزيه الذي هو أدعى عند العوام والطلبة وعلماء الظاهر بتعظيم الله تعالى، فالله تعالى جامعٌ بين التنزيه والتشبيه. ولكنّ الغفلة عن الجانب الآخر وتأويل ما جاء في الكتاب والسنّة صريحاً في دوائر التشبيه، يُعتبرُ تعطيلاً في عين الحقيقة، وإن كانَ العلمُ كما سبقَ أن فصّلنا قامَ على دوائر عامّة وخاصة وخاصة الخاصة إلى غير ذلك، وهنا وقع التفاوت ووقع الاختصاص، إذ ما حجبَ الخلقَ عن حضرة اللهِ إلاّ حجاب الجهل والقابليات، فالخلقُ دون الإنسان محجوبون بعدم القابلية والوسع الذي هو الصورة، وكانَ الإنسانُ على الصورة المعنوية قابلاً للشهود والمعرفة، ولكنّهُ تفاوتَ كذلك في ركونِهِ لمقتضياتِ الطّبع والعناصر التي شكّلتْ بشريّته فاحتجبَ عن خصوصيته أن يشهدَ ربّهُ ويعرفهُ فيزول عنه حجابُ الجهلِ والظلمِ لنفسه، وقد قال أهل التحقيق: وصولك إلى الله وصولك إلى العلم به، فليس بين العبد وربّه سوى العلم به. ولكنّ الضرورات اقتضتْ أن يقومَ  علم الكلام للدّفاع كما قلنا عن جناب التنزيه عن الحوادث مقابلة للمجسّمين تجسيماً محضاً وتسطيحاً لا يرقى إلى جلال الحقائق والتقديس والتنزيه، وجلال الوقوف على القدم والحادث، فتبنّى الخلَفُ علم الكلام منافحاً عن العقائد، ولكنّه ليس الأصلُ وليس اللبُّ والفصلُ، وإن كانَ أفضلَ من غيره ممّن جنحَ إلى التجسيم المحض والتسطيح الفارغ للعقائد والحقائق، على أنّ جزءاً من الحقيقة لم يخطِئها هؤلاء بوقوفهم على الألفاظ كما جاءت من الشارع الحكيم، وإنّما يُعابُ تقعيدُهم أنّه مبتورٌ عن صورته الكاملة ومنظومته الشاملة الجامعة مع ذلك حقائق التنزيه. ألا ترى أنّ مذهب السّلف كان التفويض والوقوف على تلك الاصطلاحات التي جاءت في الكتاب والسنّة، وإمرارها كما جاءت على مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلّم، فالسّلف كانوا أهل شهود وعلمٍ، لذلك فوّضوا وسكتوا عن تلك الألفاظ بإمرارها كما جاءت، فالذي لا يُدْرَكُ إلاّ بروح القدس فبسطهُ للنّاس يفتنهم لا محالة، فما وقفَ السّلفُ على ظاهر الألفاظ ولا أبطلوا مداليلها، لعلمهم وشهودهم ففوّضُوا. ومن هنا تفهمُ أنّ علمَ الكلام يُعتبَرُ تيمّماً مقارنةً بعلم الشهود والذوق والمعاينة الذاتية، علم الولاية والفردانية الذي حازه الأفراد الخارجون عن دائرة الأكوان الذي هو العلمُ الصّحيحُ والطّهارة الحقيقية والوضوء بالماء الطّاهر المطهّر لإقامة الصلاة التّامة التي هي صلة العبدُ بالله سبحانه. لذلك كان الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه مفوّضاً واقفاً على ألفاظ الكتاب والسنّة، وإن ظهرَ بعد ذلك من يدّعون الانتساب إليه فجسّموا تجسيماً محضاً من غير اعتبار أبعاد التنزيه والذوق والشهود وحاربوا الأمّة وتجرّؤوا عليها سلفها وخلفها فلا فوّضوا على طريقة السّلف ولا أوّلوا ونزّهوا على طريقة الخلف، ولا قبلوا بوسعِ الاختلاف، بل وحاربوا أهل الولاية والشهود فحادوا أبداً عن الإمام أحمد. فالإمام أحمد رضي الله عنه وقف على مذهب السّلف بالتفويض لعلمه بالحقائق كما هي عليه. ألا ترى قول الإمام علي زين العابدين  بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام :


يا رُبَّ جوهرِ عِلمٍ لو أبوحُ بـهِ
لَقِيلَ لي: أنت مِمّن يَعبُد الوَثَنـا
ولاَستَحلّ رجالٌ مسلمون دمي
يَرَون أقبحَ مـا يأتونـه حَسَنـا
إنّي لأكتمُ مِن علمـي جواهـرَهُ
كي لا يرى الحقَّ ذو جهلٍ فيفتَتِنا
وقد تقدّم في هـذا أبـو حَسَـنٍ
إلى الحسين، ووصّى قَبلَه حَسَنا

هذا هو مذهبُ أهل الحقّ كما هو عليه الحقّ ولا يهمّنا المخالفون والمتعصّبون سواء من هذه الفئة أو تلك الفئة، مستلهمين هذا العلم من أهله فهماً عنهم وفهماً عن الله تعالى الذي فتح لنا باباً في هذا العلم وهذا الفهم بمنّه وكرمه.

ولمّا كانت الحقائقُ كما ذكرنا فقد سمّى السّلفُ والأئمة الأفذاذ المهدي : القائم بأمر الله، فانظُرْ في هذا الإسم واللّقب، هو القائم بما يصدرُ من أمرِ الله تعالى، فأمرُهُ هو أمرُ الله تعالى بذاته. وسمّوهُ صاحب الأمر، وكيفما شئتَ أن تنظرَ في لقب : صاحب الأمر، فهو الذي إليه الأمرُ والفصل والحكمُ يرجعُ، أو شئتَ أنّ هذا الأمرَ الذي هو عليه الدّين والولاية فهو صاحب هذا الأمر ومالكه وإمامه. فافهم. ولم نزلْ ننقلُ إليك وصف الأكابر في توصيف المهدي أنّه الحقّ تعالى في مظهر الإنسان، ولكنّ الإنكار صفةُ الذين لم يبلغوا هذا المبلغ، فافهم. فإنّ الأفراد أهلُ القربة لا ينكرون على الغير، أبداً في هذا العلم. ولكن قد ينكرُ الصدّيقون ومن دونهم. قال الإمام الجنيد رضوان الله عليه "لا يبلغُ المرءُ درجة الحقيقة حتى يشهدَ فيه ألف صدّيق أنّه زنديق". فانظرْ إلى علوّ درجة الحقيقة، فهي آخر مدارج السّالكين ومنازل الواصلين، فأنكرَ على الذاهب إلى عوالم الحقيقة والراحل إلى بحار الذات حتّى الصدّيقون، ورموا هذا الغريب بالزندقة والشطح والانحراف ممّا لم يخبُرُوهُ، ولم تبلغهُم عقولهم ولا قابلياتهم. والأفراد هم الغرباء، لكونِهم يحملون علم الحقيقة ولا يجدونَ نظراءهم إلاّ ما يُعدُّ على الأصابع في زمانهم، كما وردَ عن الإمام الغالب علي بن أبي طالب عليه السلام وهو من الأفراد بل هو بابُ مدينة العلم والفردانية كما جاء في الحديث النبويّ الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم "أنا مدينة العلم وعليّ بابها". فوردَ عن علي عليه السلام قوله "هاه إنّ ها هنا لعلماً جماً (وأَشار إلى صدره الشريف) لو أَصبتُ له حملةً". فهذه نفثةُ مصدورٍ ولمّةُ غريبٍ في قومه، ومثلُهُ الأبيات التي أوردناها عن حفيده علي زين العابدين عليهما السلام التي يقسم فيها لو باحَ بما يعرفُ لصلبه المسلمون واستحلّوا دمه.


يتبع..

الجمعة، 5 يوليو 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 41



وقولنا عن قول الإمام علي عليه السلام "وأنا تلك النقطة" ، أنّه نقطة الفيوض والتجليات على الأكوان بالصورة الرحمانية، فإنّ إسم الرّحمن له ظهور وبطون، ظهوره هو الوجهة للخلق والأكوان، لحضرة الصفات إذ هو مجلى ظهور الصّفات، وله بطون وبطونه لحضرة الإسم الأعظم الله، بطونه للذات، فهو متضمّن للتحقّق بحقائق الإسم الأعظم وأسراره والنيابة فيه، ولولا هذا التحقّق بالإسم الأعظم لما صحّ للمتحقّقين بهذا الإسم أن يفيضوا على الأكوان، بل حقيقة إسم الرّحمن هو هذا الدور وهذا الوصف وهذا البرزخ بين الحقيّة والخلقية، فهو الحجاب وهو النقطة البيضاء، هو الرّحم الذي ولدت منه وفيه الأكوان، وهو النقطة السوداء نقطة الإفاضة من وجه المثلية والصورة التي خلق الله عليها الإنسان، لا من وجه الهوية الغير مدركة لما سوى الذات، وهنا يقودُنا الكلامُ إلى الحديث عن النقطة البيضاء والنقطة السوداء، فالنقطة البيضاء يقصدُ بها النقطة المرسومة بألف ملتفّ حولها (ه) أي هي دائرة صغيرة، فتلك الدائرة هي النقطة البيضاء، وهي نقطة التعيّن، فكأنّ النقطة السوداء هي نقطة الإفاضة والإمداد والإطلاق، ونقطة الذاتية والأحدية، والنقطة البيضاء هي نقطة التعيّن والكون، فالكونُ تكوّنَ بكلمة كن، فصارَ نقطة بيضاء، فالنقطة البيضاء هي صفة النقطة السوداء، لأنّها مجلى ظهور تجليّاتها وصفاتها وأسمائها، فكانت النقطة البيضاء هي الوجود المفاض من كنزية الذات، فكان الوجود معبّرٌ عنه بهاتين النقطتين، السوادء والبيضاء، فالسوداء نقطة الذات ومقام الجمع والبيضاء نقطة قاب قوسين واجتماع الشطرين الحقية والخلقية، فكانت النقطة البيضاء مثالاً للنبيّ الخاتم صلوات الله وسلامه عليه، والنقطة السوداء مثالاً لله سبحانه عزّ وجلّ، وبالخلافة المطلقة عن الله والسرّ الذاتيّ للخاتم الوليّ الخليفة حامل سرّ الذات، إذ هو المطهّر عن الأكوان وهو الذي لا تعلّق له إلاّ بالذات، فلا يمثّلُ إلاّ النقطة السوداء بكلّ اعتباراتها غيباً وظهوراً، تجليّاتٍ وإطلاق، إذ النقطة كما ذكرنا كانت معبّرةً عن العماء والكنزية والإطلاق الذي تجلّى منه الوجود وفاضت منه الأكوان بكلمة كن، فكما النّقطة لا حكم لها محدّد، فهي الجامعة لماهية الأحكام والحقائق، فإذا تجلّت حرفا وكلمةً لها وجهٌ سفليّ أعطت ذلك التوجّه والمعنى والحكم السّفلي، وإذا تجلّت حرفاً وكلمةً لها توجّه علويّ أعطت ذلك التوجّه والمعنى والحكم العلويّ، فافهم، فالذات لها حُكْمُ العماء والكنزية التي فاضَ منها الوجود كما ذكرنا حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم "أين كان ربنا"، وأنّ الذات هي الجامعة للأضداد قال سبحانه {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:78]، فالجلال والإكرام صفة الذات، ولهذا كان الخليفة قبل ظهوره وبيعته وكماله كمال التقديس، في عمائه وفنائه وجذبه جامعاً بين الأضداد، كما لم يجمع الأضداد أحدٌ قبله ولا بعده، ومجذوباً بجسمه الإسرائيليّ المتفرّد الذي شرحناه، أنّه صاحب الإسراء إلى الله دون علم المخلوقات، سالك لله تعالى سارٍ إليه ومهاجر دون تكلّف ومتقلّبٌ في الأحوال والقوالب الخلقية والمعارف الحقيّة ومتوشّحٌ بالأضداد الجمال والجلال والعلم والجهل والعلوّ والسّفل، كما هو الأصلُ الذي هو الذات فافهم، وبسرّه ذاك عجز أبداً أن يُميّزه غير أهل الوصول الأكبر أصحاب النقطة، وأصحاب النقطة المقصود بهم أصحاب الإسم الأعظم أصحاب البقاء بالله تعالى، أهل الله أهل القرآن.

فكان لغته غير لغة الخلق، فهو المتفرّد ومحلّه غير محلّهم فهو الإمام الأعلى، وهو الحقّ تعالى بذاته، في مظهر الإنسان، فافهم، وإلاّ فمن كان مخاطباً العباد والخلق في مقام الخلافة عن الله يوم القيامة والجزاء ؟ ومن كان مخاطبهم قبل خلق الإنسان ؟ فما تجلّى الله من كنزيّته وعمائه إلاّ ليعودَ إليه كلّ شيءٍ، فهو الرّوح الأعظم والإمام المقدّم، فكان كلّ شيءٍ كما هو عليه في العماء، فما ثمّ إلاّ هو، ولكنّها تجليّاتٌ اعتبارية فقط، قامتْ فظهر الحادث والقديم، بتلك الاعتبارت المتعلّقة بالخلق والمراتب والأسماء والنعوت، فلمّا أرادَ سبحانه أن يظهرَ لخلقه من كنزيّته، أظهر نقطة التعيّن وهي النقطة البيضاء فكانت محلاًّ لهذا التعيّن، محلاًّ اعتبارياً، فكانت هذه النقطة هي العبد المجتبى سيّد الخلق سيّدنا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فلولاهُ ما خلق الله الوجود ولا ظهرت الحوادث والأكوان من عمائها، فهو سيّدُها وهو عينُها، فهو سيّدُ الموجودات وأفضلها وأعلمها وأقربها لربّه، صلوات الله وسلامه عليه، فافهم. وكان صورة هذه المثلية وهذا المقام هو إسم الرحمن الجامع الذي له الرتبة الثانية بعد إسم الذات الله، لذلك قال سبحانه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107). إذ بالرحمة خلق الله الخلق، فقال سبقت رحمتي غضبي، ووسعت رحمتي كل شيء، فما من شيءٍ إلاّ ظهر بالرّحمة ومآله في النهايات إلى الرّحمة مهما كان هذا الشيء، فالسّابقُ حاكم.

والنقطة البيضاء، هي صورة النقطة السوداء، فالألف الملتفّ حول الفراغ (النقطة البيضاء) هو صورة النّقطة السوداء والذات، والفراغ هو صورة الممكنات (الموجودات)، والخلق الذين لهم حكم الإمكان، فهم بين الوجود والعدم، فهم عدمٌ عند التحقيق وارتفاع الألف فلا يبقى إلا الفراغ، وهم وجودٌ بحكم وجودهم الاعتباريّ القائم بأحدية الواحد سبحانه عزّ وجلّ. وقد ذكر الشيخ الجيلي قدّس الله سرّه في كتابه النقطة أنّ الحروف الأبجدية وردَ فيها عدد النقط السوداء ضعف عدد النقط البيضاء، فعدد السوداء 22 وعدد البيضاء 11. ويقصد بالنقط البيضاء ما ذكرناه من الحروف المجوّفة، كالميم (م) فيه نقطة بيضاء، والسوداء هي النقطة العادية، وانظر في تلك النّسبة فإنّها دالّة على الحقائق كما هي عليه، دالّة على أنّ الخلق هويتهم الحق سبحانه، فصارت النقطة البيضاء التي هي تعيّن وخلقية وكون، نصف وشطر النقطة السوداء التي هي دالّة على الذات الجامعة لشطر الحقّ وشطر الخلق، في مقام قاب قوسين أو أدنى، قوس الخلقية وقوس الحقيّة في مقام الواحدية، أو أدنى في مقام الأحدية، فالنقطة البيضاء الخلقية تقابلها النقطة السوداء الحقية، والنقطة البيضاء الخلقية ليست في التحقيق سوى نقطة سوداء تعيّنت صفةً، كما سبقَ أن ذكرنا أنّ الصفة هي الذات في تعيّن أو إسمٍ مخصوص، فصارت النقط السوداء ضعف النقط البيضاء، والعدد 11، عدد مخصوص جداًّ فهو مجموع حرفي الهاء والواو في حساب الجمل أبجد، هـ = 5، و=6، هـ+و=11، أي أنّ 11 هو إسم= هو، فالنقطة البيضاء بالمحدثات والموجودات دالّة عليه هو، فما ثمّ إلاّ هو وهنا باعتبار التجلّي والأكوان، والنقطة السوداء هي نقطة الحقّ والخليفة كانت ضعفاً بالاعتبارين الشطر الخلقيّ فهو حقيقة النقطة البيضاء، والشطر الحقّي فما ثمّ إلاّ هو، الله لا إله إلاّ هو، فالهو هنا باعتبار الهوية، فافهم. لذلك قال الشيخ الأكبر وصفاً للختم والخليفة في كتاب عنقاء مغرب  : "هو شق في خلقه، وشطر من جهة خلقه وحقّه، فانظر هناك تجده واياك.." انتهى. فوصفه أنّه شطرٌ من جهة خلقه وحقّه، ووصفه في نفس الكتاب "عنقاء مغرب" في فصل "لؤلؤة التحام اليواقيت وانتظام المواقيت" بقوله : ((فكان ياقوتة حمراء ، تجوّفت لها ياقوتة صفراء ، فأودعها سبحانه فيها وختم عليها بخاتم : "إن الساعة آتية أكادُ أخفيها")) انتهى. فكان الختم الخليفة الياقوتتين الصفراء والحمراء، الصفراء هي النقطة البيضاء (ياقوتة الخلقية)، والحمراء هي النقطة السوداء (ياقوتة الحقيّة).


يتبع ..

الثلاثاء، 2 يوليو 2013

حامل لواء الذات القائم بحق حمد الله المهدي 40


- 40 -

فقلنا قال الإمامُ علي عليه السلام "العلمُ نقطة كثّرها الجاهلون". فقد صارتِ النّقطة رمزاً ودالاًّ على الذات، بين ظهورها وبطونها، بين تجليّاتها وإطلاقها، وأنّ الحروف والكلمات وما لاحَ على الصّفحات أصلُه نقطة عند تجريده، فجمعتْ هذه النّقطة في بطونِها وعمائها سائر ما فاضَ على الوجود، من حروف وكلماتٍ، ومن دقّقَ تدقيقاً عند كونِ النّقطة هي نقطة العلم ونقطة الأصل والوجود والأمداد والتجليّات والصّفات، عرَفَ بعين العلم ما معنى أنّ الصّفة هي عين الذات، فكلّ تجلٍّ للنّقطة أخذ هيئةً معيّنة وحرفاً معيّنا، هو في تجريدِهِ السّاذج قبل تركيبه نقطة، فالنّقطة هي أسذجُ وأبسط ما عرف، ومنه بدأ التركيب والتجلّي والصفات، فالفكرة كونها فكرةً مجرّدة ومعنًى مجرّداً عن الخيال والصورة هي نقطة، أو هي مجموعة نقاط، فالحروف هنا مهما أطلقتها توسّعَ لك المثالُ فافهم، فليست حروفا كتابية فقط، والصورة هي نقطة أو مجموعة نقاط بحسب تشكيلها وتركيبها، والصّوتُ نقطة أو مجموعة نقاط، إذ هو حروف في الأصل والحروف من نقاط، فصارَ السّمعُ بهذا الاعتبارِ نقطة ومجموعة نقاط تلعبُ دورَ تلقّي هذا الصوت الذي هو الكلام، هذا ما أرادهُ من قالَ أنّ الصّفة هي الذات، فهي تجلٍّ للذات في هذه الصّفة، فسمّيت صفةً، ولكن التحقيق العلميّ عند التعريف العلميّ الدّقيق فالصفة ليست هي الذات وليست هي غير الذات، وهذا هو تعريف الأشاعرة للصفّة، وهو تعريفٌ دقيق للصّفة، غاية الدقّة، الصفة ليست الذات لأنّ الذات أوسعُ من تقييدها في صفة بل صفتُها الإطلاق لا تتوقّفُ على تلك الصّفة التي تريدُ أن تقول أنّ الذات هي الصّفة، ولكنّها أي هذه الصفة هي ليست غير الذات، أي ليست سوى الذات في تقييدٍ محدّد ومعيّن، فالصّفاتُ لا تنفصلُ عن الذات، ولو انفصلت لما قامَ توحيدٌ. فافهم ما ذكرناهُ، فهو يُحرّرُ الكثير من العلم، وهو في الحقيقة يشرحُ سبيل تحقّق المتحقّقين بشهودهم أنّ ما لاحَ لهم من شهودٍ في الأكوان ليس سوى من امتداداتِ ذواتِهم، من كونِ ذواتهم تحقّقتِ بالأحدية والصورة فترجعُ إليهم الأكوانُ عند الجمع. لذلك كانَ التحقّق هو الإستواء على عرش الرّحمانية، قال سبحانه وتعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [ سورة طه/5]، فالرّحمانية هي التحقّق بجملة الذات، لأنّ جميع الصّفات تجلّتْ من إسم الرّحمن، فصارَ إسمُ الرّحمن أمّاً للصّفاتِ وأصلاً لها منهُ تتولّدُ فافهم ومنه تتفرّعُ، منهُ تتفرّعُ باقي الأسماء الإلهية الحسنى فهو حضرة جمعهم، وهو أمّهم، وهو واسطةُ الأسماء والصّفات إلى حضرة الذات، أو إن شئتَ قلتَ إلى حضرة الأسماء فالجامع للأسماء الإلهية هو إسمُ الله، وكذلك إسمُ الرّحمنُ هو إسم جامعٌ لجميع الأسماء الإلهية سوى الإسم الله، الذي هو الإسمُ العلمُ على الذات، فالتحقّق بالرّحمانية والتحقّق باسم الرّحمن يجعلُ العبد في مقامِ التحقّق بجميع الصّفات والأسماء الإلهية، ولمّا كان إسمُ الله دالاًّ على الذات وإطلاقها ولا نهاية كمالاتها وتجليّاتها وكنزيّتها في عمائها، فقد صارَ إسمُ الرّحمنِ هو البابُ والواسطة لمعرفة هذه الكنزية وهذه التجليّات المفاضة على الخلق. فكان خليفة إسم الرّحمن هو النبيّ الخاتم صلوات الله وسلامه عليه، فصارَ ما من كاملٍ إلاّ وكمالُهُ بواسطته صلى الله عليه وسلم، وهو سيّدُ الكملاء من الخلق، وبحر الفيوض والتجليّات.
وإسمُ الرّحمن إن شئتَ أن تعرِفَ صورة التحقّق به في القرآن فهو سورة الفاتحة، في قوله تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر:87]. من قوله تعالى {الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ القُرْآن} [الرحمن:1-2]. فالسّبع المثاني هي سورة الفاتحة، وهي السبع أمّهات الصّفات، التي بها يصبحُ العبد على صورة الله سبحانه من قوله صلّى الله عليه وسلّم "خلق الله آدم على صورته". فحينَ يُصبحُ العبدُ متحقّقاً بهذه الصفات الحياة والعلم والإرادة والقدرة والكلام والسمع والبصر، كما هي نسبتها لله سبحانه، فهذه هي رتبة الرّحمانية التي تجعلُ العبد قادراً على التحقّق بما شاء في وجوده، فهو خليفة وهو محقّق يقولُ للشيء كن فيكونُ بإذن الله تعالى، فافهم. وهذا نقرؤه في السيرة النبويّة الشريفة لمّا قال صلى الله عليه وسلّم : (كُنْ أَبَا ذَرٍّ). فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ القَوْمُ، قَالُوا: هُوَ -وَاللهِ- أَبُو ذَرٍّ!.فانظُرْ هذه السّبع المثاني هي صورة الرّحمانية، فعلّمَ الرّحمن القرآن، كلّ متحقّقٍ بالسّبع المثانيّ، ليُصبحَ متحقّقاً بجملة الذات التي هي القرآن فالقرآن ذات محضٌ، ويصبحُ عبداً ذاتياً مطهّراً عن الأكوان، ينطبِقُ عليه قول الله تعالى {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ( 77 ) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ( 78 ) لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ ( 79 ) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 80 )} الواقعة. فتأمّل قوله تعالى إنّه لقرآن كريمٌ أي الذي تنزّلَ على هؤلاء الذين تحقّقوا بالرّحمانية، هذا القرآن الكريم في كتاب مكنونٍ، فالقرآنُ هو الكتابُ المتجلّي من أمّ الكتاب، أي القرآن المتجلّي من الكتاب المكنون الذي أنزلَ على العبد الذاتيّ المهدي عليه السلام، فالكتاب المكنون هو الكتاب المنزل على الخليفة العبد الذاتيّ وهو أمّ الكتاب، تجلّى منهُ وفاضَ الوجود بواسطة مدد الرّحمن فكان الوجود المفاض هو القرآن، ولا يمسُّ هذا الكتاب المكنون إلاّ العباد المطهّرون الذاتيون، القرآنيون أهل الله وخاصّته، ومسّهُ هو التصرّف فيه والتجلّي به من أمّ الكتاب بواسطة السّبع المثانيّ، والصّفات السّبع التي جعلت العبد على صورة خالقه، فافهم. 

فالفاتحة هي أمّ الكتاب، بهذا الاعتبار فافهم، لأنّها الصورة التي جعلت الخلفاء يمسّون الكتاب المكنون الذي هو أمّ الكتاب المنزل على المهدي، قال سبحانه عزّ وجلّ {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.} [الرعد:39]، فكونكَ تحقّقتَ بصورة الذات، فقد صرتَ حيّاً بالله تعالى عالماً به باسم العليم مريداً تقول للشيء فيكون قادراً بقدرة الله تعالى متكلّماً بالله سبحانه في وجودكَ خليفةً إذ أقامكَ اللهُ خليفة وقطباً أو فرداً محقّقاً دالاًّ على الله تعالى، سميعاً بالله تعالى تسمعُ بسمعه كلامَهُ وبصيراً بالله تبصر ببصره سبحانه. فقد صارَ ما لله لك كما ورد في الحديث القدسيّ "كُنْتُ سَمْعَهُ الَذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَذِي يُبْصِرُ بِهِ"، فهذا هو المسمّى : البقاء بالله تعالى، وهذه هي الرّحمانية التي اصطفى الله بها خير خلقه وصفوتهم صلى الله عليه وسلّم وعلى قدمِهِ سارَ الخلفاء والأولياء وراثةً له، لذلك قال صلّى الله عليه وسلّم "خلق الله أدم على صورة الرّحمن"، فافهم فهذا الحديث النبويّ الشريف بلفظه هذا دقّقَ أكثر وحقّقَ النّسبة الرّحمانية التي شرحناها آنفاً، فخلافة جميع الخلفاء من أفراد بني آدم، طبعاً سوى الخليفة الأوّل (المهدي)، هذه الخلافة هي على صورة الرّحمن من كونِ الإنسان الكامل والقدوة والأنموذج الإنسانيّ هو سيّدنا محمّد صلوات الله وسلامه عليه الذي هو خليفة الرّحمن بالأصالة، كما قال صلّى الله عليه سلّم "كنتُ نبيّاً وآدم بين الماء والطين".
وعلى هذا التحقيق قامت الدّنيا على كلمة "لا إله إلاّ الله محمد رسول الله".


قال الإمام علي عليه السلام : "اعلم أنّ جميع ما في السموات والأرض في القرآن الكريم، وأنّ جميع ما في القرآن في سورة الفاتحة، وأنّ جميع ما في الفاتحة في البسملة، وأنّ جميع ما في البسملة في الباء، وأنّ جميع ما في الباء في النقطة التي تحت الباء، وأنا تلك النقطة". فهذا الذي كنّا نقولُه آنفاً، أنّ القرآن هو الوجود المفاض المتعيّن من أمّ الكتاب وهي الفاتحة، وأنّ الفاتحة هي الصورة والسّبع الصفات التي بها تجلّى الوجود إفاضةً وتعيّن، والبسملة هي صورة الصّفات وصورة الوجود كلّه بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله الذي عنده أمّ الكتاب الرّحمن المفيض على الكائنات الرّحيم المقدّس للذوات العائدِ بها من رحمة الأضداد إلى رحمة الرّحيم الخالصة بالجمال والنّعيم في دار القرار والجزاء، أو في مقام التقديس والتطهير عن الأكوان. فالبسملة شملتْ كلّ تجليّات الوجود ومراتبه، وشملتْ الدارين الدّنيا والآخرة، وأنّ باء البسمة هي باء الرّحمة والواسطة إلى الذات، باء الرّحمانية من كونِ حرف الباء كان على صورة الألف فكان واسطةً إليه، إلى ألف الذات، والنقطة تحت الباء هي نقطة الاستمداد ونقطة الإطلاق ونقطة الذات التي تكلّمنا عنها، فهي سرّ الإفاضة، وقوله عليه السلام أنا تلك النّقطة فهو عليّ وقته وقطب زمانه الذي جعله نائباً خليفةً يفيضُ على الأنام والأكوان بفيوض تلك النّقطة بالصورة الرّحمانية، فافهم.


يتبع ...